ا.د. عبدالرحمن ابراهيم حمد الغنطوسي

YoussefAntose19@gmail.com

009647901707902

ا.د عبدالقادر عزيز احمد الحيالي

aalqader15@gmail.com

009647817720970

الجامعة العراقية/ كلية التربية

الملخص:

أن حياة المسلمين اليوم حدثت فيها أمور كثيرة ، خصوصاً بعد تطور المجتمعات تطورا هائلا نتيجة للثورة التقنية التي شهدها العالم في العقود المتأخرة ، مما أدى إلى ورود إشكالات وتساؤلات لم تكن مطروحة في العصور السابقة ، وخاصة في المجال الاقتصادي كالبنوك بأنواعها المختلفة ، من عقاري وصناعي وزراعي وتجاري ، واستثماري ..الخ ، وأعمالها الكثيرة من حساب جارٍ ، وودائع ، وقروض وتحويل وصرف ، واعتماد ، وضمانات ، وغير ذلك مما قد يحل او يحرم من معاملات البنوك، ولأننا أحوج ما نكون في هذا العصر الذي تطورت فيه العلوم والمعارف الاقتصادية الى البحث في قضاياها في المنظور الاجتهادي عند علماء التشريع الإسلامي وما نهجته المجامع الفقهية من وسائل دراسية ومعرفية للكشف عن الحكم في مثل هذه النوازل الطارئة على الأمة

وهنا تمكن اهمية البحث في النهوض بالواقع الشرعي والخروج بآراء فقهية معاصرة تتناسب مع احتياجات  المسلم في هذا العصر وهذا ما بيناه فيما توصلنا اليه….

كلمات مفتاحية : الاجتهاد ، الحضارة ، الودائع المصرفية

 The necessity of diligence in accordance with the requirements of civilizational development/ An example of banking transactions

Prof. Dr. Abdul Rahman Ibrahim Hamad Al-Ghantousi

Prof. Dr. Abdul Qadir Aziz Ahmed Al Hayali

Iraqi University/College of Education

Abstract:

      Muslims today, due to the change in life’s affairs from what they were in past times, especially after societies developed tremendously as a result of the technical revolution that the world witnessed in recent decades, which led to the emergence of problems and questions that were not raised in previous eras, especially In the economic field, such as banks of various types, from real estate, industrial, agricultural, commercial, investment, etc., and their many activities, including current accounts, deposits, loans, transfers and disbursements, credits, guarantees, and other things that may be permissible or prohibited from bank transactions, and because we are in dire need of… This is the era in which economic sciences and knowledge have developed into research into their issues from the jurisprudential perspective of Islamic jurisprudence scholars and the academic and cognitive means developed by the jurisprudence academies to reveal the ruling on such calamities that occur to the nation.

Here, the importance of research is to advance the legal reality and produce contemporary jurisprudential opinions that suit the needs of the era, and this is what we have demonstrated in what we have reached….

Keywords: diligence, civilization, banking transactions

المقدمة

لاشك أن الاجتهاد له أهمية كبيرة في الحياة الإسلامية ، ولا يستغني عنه أي فرد او اية جماعة في أي زمان او مكان ، لأنه إذا كانت الحياة في تطور وحركة مستمرة فلابد من تطور المعارف الدينية ، مرافقاً للمستجدات والوقائع والحوادث ، ومتى  توقفت الحياة الإسلامية عن بذل الجهد الذهني وعن الاجتهاد ، فقد التبست عليها الأمور ، ونصبت أمامها وفي طريقها السدود ، حتى لا تستطيع تجاوزها ، ولا تقدر على خرقها لان النصوص متناهية والحوادث والمستجدات غير متناهية ومن الواضح ان المتناهي لا يحيط بغير المتناهي إلا عن طريق الاجتهاد في كل مجلات الحياة وخاصة في المجال المالي  في المعاملات المصرفية انموذجا ً الذي اصبح يلامس الواقع الاقتصادي لكل مسلم.

اشكالية البحث:

حاجة المسلم للوصول الى ما فيه فائدة  دون الوقوع في المحاذير الشرعية. وذلك للبحث في المحتوى الشرعي ضمن المنظور الاجتهادي عند علماء التشريع الإسلامي وما نهجته المجامع الفقهية من وسائل دراسية ومعرفية للكشف عن الحكم في مثل هذه النوازل الطارئة على الأمة .

اهمية البحث :

تكمن اهمية البحث في توضيح مدى صلاحية الاحكام الشرعية مع كثرة المستجدات والنوازل المندرجة في مجالات الحياة المعاصرة ، وخاصة المجال الاقتصادي، وليبقى رأي التشريع الإسلامي وعلمائه مكان الصدارة في التصدي لهذه النوازل من خلال المنهج الأمثل في أصول التشريع ومقاصده لمعالجة كل ما يجري في حياة الأمة في كل زمان ومكان ولاسيما في عصرنا الحديث..

اهداف البحث:

1- ابراز الفقه الاجتماعي بشكل جدي في نظريات الاجتهاد وأصوله ، ومن الاشياء التي لابد للاجتهاد المعاصر ان يفكر بها هي : اعادة الحكم الفقهي الى سياقه الطبيعي من خلال عرضه على كتاب الله تعالى والسنة النبوية المطهرة وفهم الحكم من خلال سياقه التاريخي الذي جاء فيه ، معتمداً ومراعيا في ذلك جميع العلوم والمعارف التي اكتسبها وابدعها افراد المجتمع ، للوقوف على حكم النازلة في القضايا المعاصرة .

2- للعالم أن يجتهد بفهم جديد لا يتعارض مع مقاصد الدين وقواعد فهم وتفسير النصوص ، وما بني على أعراف الناس وعاداتهم يجب ان يراجع في ضوء العادات والأعراف الجديدة.

منهج البحث:

يقتضي منا البحث اتباع المنهج الوصفي التحليلي عبر دراسة وتحليل النصوص الشرعية المتعلقة بالمجال المالي ،اضافة الى اتباع المنهج المقارن خصوصاً فيما يتعلق بآراء الفقهاء واختلافاتهم وفق المعايير الشرعية التي اعتمدوها في آرائهم الفقهية

خطة البحث:                                             

اقتضت طبيعة الموضوع توزيعه من الناحية الشكلية على : مقدمة ومبحثان وخاتمة، على النحو الآتي :

المقدمة : وفيها سبب اختيار الموضوع  والأهمية وخطة العمل ، ومبحثان:

المبحث الأول : الاجتهاد ومؤهلات المجتهد ومجاله :

المطلب الأول : التعريف بالاجتهاد .

المطلب الثاني : المؤهلات الذاتية والمكتسبة للمجتهد .

المطلب الثالث : مجال الاجتهاد

المبحث الثاني: الودائع المصرفية واحكامها .

المطلب الأول : معنى الودائع المصرفية وانواعها .

المطلب الثاني : التكييف القانوني والشرعي للودائع المصرفية .

المطلب الثالث : الحكم الشرعي في الودائع المصرفية .

واخيراً خاتمة : تضمنت أهم ما توصلنا أليه من نتائج وتوصيات.

المبحث الأول

 ماهية الاجتهاد ومؤهلات المجتهد الذاتية والمكتسبة

 المطلب الاول: ماهية الاجتهاد

اولاً: الاجتهاد في اللغة:  من باب الافتعال واصله من الجهد ، والجهد بفتح الجيم وضمها الطاقة وقرىء بهما قوله تعالى 🙁 والذين لا يجدون الاجهدهم ) )سورة التوبة : من الآية 79 ( ، وفرق علماء اللغة بين الجهد بفتح الجيم ، والجهد بضمها وقالوا في الحالة الأولى يأتي بمعنى : الطاقة ، وفي الحالة الثانية تأتي بمعنى : المشقة، (ابن منظور 1414 ه ‘ 3/133-134) (الرازي ،1395 ه ، ص114) وكلا المعنيين يتلاءمان مع المعنى الاصطلاحي.

ثانياً:الاجتهاد في الاصطلاح :((هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد فيه))،(الامدي ،1426ه،4/396) وهو من اوفق التعريفات فقد عد الآمدي أن الاجتهاد فعل المجتهد، فصدر تعريفه بكلمة (استفراغ) التي تدل على الجهد الذي يبذله المجتهد للتوصل إلى الحكم؛ ولكنه لم يقيد التعريف بالمجتهد ولا الفقيه، وممن قال بذلك الشافعي والبيضاوي

 

المطلب الثاني : المؤهلات الذاتية للمجتهد

   ان الاجتهاد مرتبط بتحليل وتحريم ، ومن ثم جنة ونار ، فإذا كان المجتهد في الأحكام الشرعية قائماً مقام النبي e ، (الشاطبي ، 1423ه، 4/63) فلابد من اشتراط شروط في هذا المجتهد تناسب وعظم المهمة التي سيقوم بها.

لذا نتناول في هذا المطلب الشروط والصفات الشخصية غير المكتسبة والتي يجب أن تتوفر في المجتهد وذلك من خلال النقاط التالية :

  اولاً- تعريف المؤهلات الذاتية : وهي المؤهلات التي لا يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم والممارسة ، ولكنها ملكة راسخة في النفس، وتسمى غير مكتسبة (عامة).

فإذا كانت معالجة القضايا المستجدة تتوقف على الاجتهاد الصحيح، فلابدَّ أن يكون المتصدي لبحثها أهلا للاجتهاد من حيث الذات والصفات.

ثانياً-الشروط الذاتية للمجتهد:

1-الإسلام والبلوغ والعقل: وهي شروط أساسية من باب تحصيل الحاصل، لذا نرى أن

الكثير من علماء الأصول لم يعتمد ذكرها في كتبهم، فالإسلام شرط  منطقي لازم، والبلوغ والعقل ضروريان لأنهما مناط التكليف. (النووي ، 1392ه ، 8/14)

2- العدالة: في اللغة: (ابن منظور،11/430) (الكفوي،639) (القرطبي، 1372ه، 3/396) هي التوسط والاستقامة، في السيرة والدين.

وفي الاصطلاح: هي ملكة في النفس تحمل صاحبها على اجتناب ماهو محظور من الكبائر والإصرار على الصغائر، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه. (القرطبي 3/396) (الرازي 606ه 4/571) ، قال تعالى: ﴿ (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ  ﴾. (سورة ص:26 )، والعدالة شرط باتفاق الأصوليين،( الزركشي،1410ه ،1/97)

3-الحلم والوقار والسكينة: فعلى المجتهد العالم أن يكون حليماً لا يستفزه الجاهل ولا يستخفهُ أهل الطيش والخفة والمكر، لأنه في مقام التبليغ والتعليم والإرشاد، لما فتح الله عليه من علم وفهم ما لم يفتحه على غيره، قال تعالى﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ (سورة الزمر:9) وإن يكون وقوراً ذا رزانة عند ورود اي امر عليه عليه ، قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾.(سورة الفرقان:64)

 أما السكينة:

فهي صفة الأنبياء والصالحين والدعاة والمربين فضلاً عن العلماء والمجتهدين، وهي نور في القلب يبعث على الطمأنينة والاستقرار، ويورث الخضوع والخشوع لله Y ، لهذا أنزلها الله تعالى على أنبيائهِ ورسلهِ والمؤمنين من عبادهِ في أصعب المواطن، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾،(سورة الفتح:4) .

4-النية والافتقار إلى الله تعالى: فأما النية فهي مدار اعمال المكلفين ومنار المتقين الذين يريدون وجه الله تعالى، في كل شيء، بأن يلهمه صواب المتقين فيما يعرض من قضائه وفتاوى تحتاج الى اجتهاد قال ابن القيم:(ينبغي للمفتي الموفق اذا نزلت به مسألة ان ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد، إلى ملهم الصواب، ومعلم الخير وهادي القلوب ان يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدل له على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب قرع باب التوفيق). (ابن القيم،4/172)

5- الشجاعة: تعد الشجاعة والجرأة من المقومات المهمة في شخصية المجتهد، أي بمعنى انه لا تأخذه في الله لومة لائم، شريطة أن تكون بعلم وحق، فبالعلم تنكشف له صور الحقائق فيتسلح بها، وبالشجاعة والإيمان يندفع لإحقاق الحق وإقامة منهج العدالة الالهية في المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾،(سورة ال عمران:4) وذلك ببعده عن الزيغ والاعوجاج والركون إلى الدنيا أو الناس، ومن متممات الشجاعة لدى المجتهد؛ موافقة عمله لمقتضى قوله وذلك بان يأتمر بما أمر الله تعالى وينتهي عما نها عنه، ليكون قدوة للناس وحجةً عليهم في القول والعمل، وإلا أنكر الناس عليه وتربص به المبطلون الذين يريدون الكيد لشرع   الله تعالى ودينه، قال تعالى:﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ (سورة البقرة:44)فهو بذلك سلك مسلك المنافقين واتصف بصفتهم، فلا يستطيع ان يرد لهم قولا اذا ناظروه، أو يدافع عن نفسه اذا عارضوه.

المطلب الثالث ؛ المؤهلات المكتسبة

ماهية المؤهلات المكتسبة:

وهي المؤهلات التي يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم والممارسة والخبرة، ومنها ما يأتي:

1- العلم بكتاب الله:

فعلى المجتهد العلم بهذا المصدر متنا ومعنى وحكما، وبوجه خاص آيات الأحكام، وان يكون عالماً بأسباب نزول الآيات فالعلم بها يوضح كل ما يعتريه لبس في فهم النص القرآني. (الشاطبي ، 1406ه ،3/214-215)

والتمييز بين المحكم والمتشابه، والمجمل والمفصل، والمطلق والمقيد، والعام الخاص والمشترك، وكذلك الإحاطة بأوجه دلالة آيات القرآن على الأحكام منطوقاً ومفهوماً؛ والتميز بين المنطوق الصريح وغير الصريح (إشارة واقتضاء وإيماء)، وبين المفهوم الموافق والمفهوم المخالف.(الزلمي، 2002م ،2/395) ، وكذلك تمييز الآيات التي تكون دلالتها قطعية ، من الآيات التي تكون دلالتها ظنية. (سليمان،1996م، ص113-115) (السرخسي، 1372ه ،1/294)

2-العلم بالسنة النبوية:

على المجتهد العلم بالسنة بماهيتها وأنواعها، وأسباب ورود الحديث، إذ تُعين على فهم المعنى المراد، وتزيل اللبس الواقع احياناً في بعض هذه الأحاديث، والإحاطة بناسخها ومنسوخها، ووظائفها (الزلمي ، 1/54) التي هي عبارة عن:

أولاً: تخصيص نص عـام لم يكن عمومه مراداً كـما فـي قولـه تعالى:﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ (سورة النساء:7 ) فصيغتا (الرجال والنساء) من صيغ العموم لتحليهما بـ(أل) الاستغراق، غير أن هذا العموم غير مقصود، لذا بينه الرسول e بالتخصيص وتحديد من هو غير مشمول بهذا الحكم فقال e: (لا يتوارث أهل ملتين) ،(الترمذي، 4/370) وحديث:(ولا يرث القاتل). (الترمذي،4/370) (ابن ماجه 2/833)

ثانياً: تقييد مطلق لم يكن اطلاقه مقصوداً، قال تعالى: ﴿  كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾((سورة البقرة : 180)

فلفظ (الوصية) مطلق شامل للايصاء بكل التركة او ببعضها مع ان هذا الشمول غير مقصود لأنه يضر بالورثة، لذا بينه الرسولe بتقييد الوصية بما لا يزيد عن ثلث التركة .حديث متفق عليه

( البخاري، 1987 ،3/1006) ( مسلم ، 1990 ، 3/1250)

ثالثاً: إيضاح النصوص المجملة التي هي صغيرة في الحجم وكبيرة في المضمون، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ﴾، (سورة البقرة : 110 )  فأقام الرسول e الصلاة امام أصحابه كاملة مستوفية اركانها وشروطها وآدابها ثم قال: (صلوا كما رأيتموني اصلي) ،(النووي، 4/193) كذلك بين لامته الاموال التي تخضع للزكاة والمقدار الذي تجب فيه.

رابعاً: كما أكد الرسول e في سننه الاحكام التي لها أهمية كبيرة في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، كتأكيد حرمة التجاوز على اموال الغير في قوله:(لا يَحلُ لأمرء من مال اخيه الاماأعطاه عن طيب نفس) (الحاكم ،1990م، 1/171) بعد أن قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾.( سورة البقرة ، 188)

خامساً: وذكر الرسول e في سننه احكاماً لم يرد ذكرها في القرآن صراحة وهي مطلوبة من الانسان كحرمة الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، فقال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولابين المرأة وخالتها) ،(مسلم، 2/1030) كما بين الرسولe، ميراث بعض العصبات الذين سكت عنهم القرآن ولم يذكرهم، فقال: (الحَقُواْ الفرائض بأهلها فما بقي فلاولى رجل ذكر) .(مسلم ،11/57)

الإحاطة بالمصادر الكاشفة للفقه الإسلامي وهي:

  • الإجماع: يشترط في المجتهد ان يكون محيط بمذاهب السلف، وكذلك مواضع اختلاف العلماء ، فينبغي أن يعرف مواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلافه ، كما فهم النصوص حتى لا يفتي بخلافها، ومدى تطبيقه في المجالات المسندة الى النص والقياس والمصلحة.(الزلمي، 1/68)
  • القياس: فعلى المجتهد معرفة القياس، وأركانه، وشروطه المتعلقة بحكم الاصل والعلة، فإنه مناط الاجتهاد واصل الرأي،. (الزركشي، 6/201) (الزلمي، 1/137)
  • الاستحسان: هو العدول عن العمل بالعزيمة الى العمل بالرخصة لما يدعو الى ذلك، وان العمل بالاستحسان هو العمل بالنصوص التي تدعو الى اليسر ورفع الحرج.(الزلمي، 1/171)

4-المصلحة: أن العمل بالأدلة الشرعية التبعية لاحكام الفقه الاسلامي يرجع في الحقيقة الى العمل بالمصلحة الشرعية الحقيقية، وذلك في التفاسير الاجتهادية والتطبيقات القضائية والتشريعات الوضعية والتعديلات القانونية، وهي كذلك وسيلة لتوسيع معنى النص وامتداد مجال تطبيقه ليشمل ما هو منطوق به وما هو مسكوت عنه، والمصلحة مناط تشريع  القانون الوضعي وتعديله وإلغائه، وأساس مشترك لتوحيد التشريعات الوضعية في الدول ذوات المصالح المشتركة كالدول الاسلامية والدول العربية في الوقت الحاضر.( الزلمي: 1/159-160-161)

5- العرف: يعد العرف مصدراً احتياطيا مهما للمجتهد وتتجلى هذه الاهمية في معرفته ومعرفة شروط العمل به، وهي (الزلمي: 1/84 ) :

أ- أن يكون العرف صحيحا ، فلا يجوز للمجتهد بناء الأحكام على العرف الفاسد.

ب- لا يكون العرف مضطرباً ، اي يطبق في بعض الحالات ويترك في حالات أخرى

ج- وأن يكون  موجوداً سابقاً قبل  الواقعة التي يبنى  عليه حكمها.

د-  ان يكون عاماً في الاحكام العامة،

ه-والعرف غالباً مبني على أساس ومصالح الانسان وغير ذلك، والأحكام التي انزلها الله لعباده صالحة لكل زمان ومكان، فهي تستهدف رفع الحرج عن الناس وتحقيق التيسير .

6-الذرائع: على المجتهد العلم بان الذريعة سلاح ذو حدين بحسب ما تؤدي اليه المصلحة او المفسدة، فلا يحكم المجتهد على الافعال الصادرة عن المكلفين الا بعد نظرة إلى ما يؤول اليه ذلك الفعل، من حيث الوسيلة والغاية (الشاطبي، ، 4/300)،( الزلمي: 1/175)،( الزحيلي: ، 2/174).

7- الاستصحاب: وهي عملية اجتهادية عقلية غايتها العمل بالحكم السابق في الزمن اللاحق لعدم توافر ما يدل على تغييره. (الشوكاني ، 220) .

8- الإحاطة بالقواعد الفقهية:

على المجتهد الإحاطة بالقواعد الفقهية لكافة المذاهب المدونة، لإدراك مدارك الأحكام، وإرجاع الجزيئات إلى الكليات، والدارس للقواعد الفقهية  يكن له المام كثير في الأشباه والنظائر فيلحق الشبيه بشبيهه والنظير بنظيره فيخرج وفقها الأحكام للفروع التي تنتظم ضمن قاعدة واحدة،. (القرافي، 1/3) (محاضرات في القواعد الفقهية، إعداد الدكتور: احمد محمد طه البالساني).

9- معرفة أقوال الفقهاء وأدلتهم وأسباب اختلافهم:

يجب على المجتهد معرفة اقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين وأصول المذاهب الفقهية،، والاطلاع على أسباب الخلاف الفقهي، مع التحليل والتعليل والاستنتاج والترجيح، للبحث في وجوه الاستنباطات المختلفة في كل ادلة المتقدمين.(السبكي: 2001م، 118) (ابن القيم ، 1/45) ،( الزلمي ، 2/474)

10- معرفة اللغة العربية:

ينبغي على المجتهد أن يكون عارفاً في النحو والصرف والبلاغة، ومعرفة خطاب العَرب ا؛ فالشرع نزل بلسان عربي فيجب الاحاطة بكل علومه للوصول مراد الشارع وأسراره والإحاطة بروحه إلا بعد إتقان أساليب اللغة.  وكذلك معرفة كيفية دلالات الألفاظ على المعاني، فمن لم يفهم العربية ولم يعرف أساليب الخطاب فيها، ولم يدرك أسرار اللغة، لا يتمكن أصلاً من استنباط حكم من كلام الله ورسوله r . (الآمدي ، 4/397) ( الشهرستاني،  2/200)

11- العلم بأصول الفقه:

إن أصول الفقه هي عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه، إذ ان الدليل التفصيلي يدل على الحكم بوساطة كيفية معينة، ككونه أمراً أو نهياً أو عاماً أو خاصاً، وحري بالمجتهد معرفة تلك الكيفيات وحكم كل منها، لإرساء قواعد الاستنباط فيما فيه نص، وضبط الاستدلال فيما لا نص فيه. (الشوكاني ، 252) (الزحيلي ، 2/336) ،( الشنتوفي: 2003م، 49)

 

12- العلم بمقاصد الشريعة:

فالمقاصد هي: المعاني والحكم التي راعاها الشارع في التشريع عموماً وخصوصاً من أجل تحقيق مصالح البشر المادية والمعنوية، الفردية والجماعية، رعاية قائمة على العدل والتوازن، بلا طغيان ولا إخسار، وهذهِ الرعاية تشمل المصالح في رتبها الثلاث: ((الضروريات، والحاجيات والتحسينات)) ، وإن إحاطة المجتهد بمقاصد الشريعة وبالمصالح الدنيوية والآخروية وتمييزها من المفاسد، تكون له ملكة في فهم الصلة بين مراد الشارع الدنيوية والاخروية والحياة، .(الزلمي، 2/473)

13– فهم واقع الحياة وصلتهُ بالشريعة الإسلامية:

وذلك لإعطاء كل حدث حكمه الخاص في ضوء الشريعة مع رعاية ظروف كل حادث في كل زمان ومكان، فالشريعة الإسلامية شريعة علمية،  تعيش مع الناس في كل أحوالهم وتعالج مشاكلهم وقضاياهم، ولا بد للمجتهد من إدراك هذهِ الحقيقة إدراكاً تاماً قبل أن يشرع في إصدار فتاويه، لأن عدم فهم الواقع فهماً صحيحاً على حقيقته من أهم أسباب الخطأ في الفتوى، ويترتب على عدم الفهم كذلك الخطأ في تطبيق النص الشرعي على واقعة الفتوى.

المبحث الثاني

      الودائع المصرفية واحكامها

المطلب الاول: معنى الوديعة المصرفية وانواعها:

  اولاً: معنى الوديعة المصرفية:

( وهي المال الذي أودعه صاحبهُ في مصرف مالي ، سواء مدة محددة، أو بتعاهد من الفريقين بأن للمودع أن يستعيده كله أو جزء منه متى شاء).( العثماني،2003م ، ص34)

اما فقهاء القانون التجاري عرفوها بأنها: ((النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو رد مبلغ مساو إليهم لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها)). (عوض  1981م، ص17) (الأمين، 1983م ، ص208)

ثانياً: أنواع الودائع المصرفية:

تتنوع الودائع النقدية المصرفية- في عرف البنوك اليوم- إلى أربعة أنواع هي(الأمين، ص209)

(العثماني،ص351) :

  • ودائع الحساب الجاري (Current Account):وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بشرط أن يسحب أصحاب هذهِ الودائع الوديعة كاملة أو جزءًا منها في أي وقت شاؤوا، ويلتزم البنك بأدائها إليهم (فور الطلب)، من دون أن يحصلوا على أي عائد أو فائدة.
  • الودائع الثابتة (Fixed Deposite): وهي المبالغ التي يضعها أصحابها في البنك إلى وقت معلوم، ولا يحق لصاحبها سحبها إلا بعد مدة متفق عليها تتراوح بين 15 يوم و360 يوم ، ويحق للبنك الاستثمار بها، ويدفع في المقابل الى اصحابها فوائد إلى أصحابها بنسب مختلفة إلى آخر حسب ظروف السوق، والمدة المعينة للايداع.

جـ- ودائع التوفير (Saving Account): وهي مبالغ  تودع في البنك، ويحق لأصحابها سحبها كاملة متى شاؤوا، فله شبه الحساب الجاري من حيث يمكن لأصحابها  السحب منها متى شاؤا دون التقيد بالاجل ، وله شبه بالودائع الثابتة فلا يمكن لأصحابها سحبها دفعة واحدة وإنما ضمن حدود معينة للسحب يفرضها البنك ، أو اخطار مسبق في البعض الاخر، وعلى البنك دفع فوائد ، ولكن نسبتها أقل من نسبة الفوائد في الودائع الثابتة .

  • الخزائن المقفولة (Lockers): وهي المبالغ التي يودعها اصحابها في مخازن معينة يستأجروها من البنك، ولا علاقة للبنك بها، وأكثر ما يودع فيها حليّ الذهب والفضة والأحجار الثمينة والمستندات ذات القيمة الكبرى، وتوضع فيها النقود أيضاً .

المطلب الثاني :الراي القانوني والشرعي للودائع النقدية:

اولاً : الراي القانوني للودائع النقدية

يرى فقهاء القانونيين بأنها (قرض) ،( البنّا،2006م . 460) ويرى آخرون أنها وديعة، وذهب اخرون باعتبارها أجارة لاستعمال النقود أي أن الودائع تدخل تحت عقد الإجارة.

اما الفرق بين العقود الثلاثة وفق المنظور الشرعي:

ففي القرض، تنقل الملكية للمقترض، وهو ضامن للقرض إذا تلف أو هلك أو ضاع، سواء بتفريطه اوعدم تفريطه ويتعهد برد المثل او العين،.

اما الوديعة: فهي أمانة تحفظ عند المستودع وليس له الانتفاع بها، لا تنتقل إلى ملكيته ولذلك فهو غير ضامن لها إلا إذا كان الهلاك أو الضياع بسبب منه.

والاجارة: العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر فلا تننقل الملكية للمستأجر وإنما له حق الانتفاع مع بقاء العين لصاحبها ويدفع أجراً مقابل هذا الانتفاع، فتجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقاء العين بحكم الأصل، ولا تجوز إجارة ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ،

وفي ضوء ما سبق يمكن القول بأن القرض وهو ينطبق تماماً على عقد الإيداع ،(السالوس: 1986م، 752-753) وهو ما يتفق مع القانون المصري حيث تنص المادة (726) منه على ما يأتي: ((إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أي شي آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذوناً له في  استعماله عد العقد قرضاً))، ويأخذ كثير من تشريعات البلاد العربية بهذهِ القرينة التي تنص على أن البنك يمتلك النقود المودعة لديه، ويلتزم بمجرد رد مثلها من نفس النوع. (الزرقاء،1983م،)( والسالوس ص 753)

أما النوع الرابع من هذهِ الودائع، وهي الخزنات المقفولة، وهو استئجار مخزن من البنك، مع عده أمانة بيد المصرف، وتجري عليه أحكام الأمانة، علماً أن الوديعة بأجرة أجازها الفقهاء من الحنفية والشافعية في المشهور عندهم (حاشية ابن عابدين،8/334) (الدر المختار، 1386هـ ،6/68) .لذلك يجوز للمصرف الإسلامي أن يقوم بتأجير الخزائن لمن يريد الانتفاع بها.

 

ثانياً: التكييف الشرعي للودائع النقدية:

كما بينا من أن الوديعة البنكية سميت بغير حقيقتها، وبينا بانها لا تكون تامة أو كاملة، لأن البنك لا يحتفظ بها كاملة، بل يستهلكها ويلتزم برد مثلها، وكل ذلك لا يتصور إلا في القرض، ومن ثم فالوديعة النقدية المصرفية عقد قرض شرعاً، إذ العبرة في العقود بالمعاني والمقاصد، لا بالألفاظ والمباني، ويتفق التقنين المدني المصري مع هذا التخريج، حيث يعد الوديعة النقدية المأذون في استعمالها قرضاً .(حمود: 1976م، 290) كما أن هذا التخريج يتفق مع ما جاء في كتب الفقه الإسلامي، ((بأن الوديعة مع الإذن بالاستعمال تنقلب إلى عارية مضمونة)) ،( البهوتي1981م، 4/170)  ،ومع ما جاء في بدائع الصنائع: ((من أن إعارة الدراهم والدنانير تكون قرضاً لا إعارة، لأن الانتفاع المقصود لا يتحقق إلا باستهلاك هذهِ الدراهم والدنانير)).( الكاساني/  5/26)

 

المطلب الثالث-الحكم الشرعي في الودائع المصرفية:

ذكرنا ان الراي القانوني للودائع هو القرض، وهو جائز إذا كان خالياً من الربا كالودائع الجارية، لكن الودائع الثابتة، وودائع التوفير لا تخلو من ربا، لأن البنك يدفع فائدة مضمونة لأصحابها ،اذن ربا صُراح لا يمكن جوازه، وقد قرر مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثاني لسنة (1965م) أن:((الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين القرض الاستهلاكي والقرض الانتاجي، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين))(مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني، الجزء الثاني، 837)

ويرى بعض الفقهاء المعاصرين بجواز أن يودع المسلم أمواله في هذين النوعين، مع عدم  استعمال الفوائد الحاصلة منها ، بل الاولى التصدق للفقراء، أو في وجوه الخير.

لكنه راي مرجوح،. لان صرف الاموال المشبوهه في وجوه البر طريق يلجأ إليه التائب لتنقية امواله من الكسب الحرام ، ، أمّا أن يختار المسلم هذا الطريق المشبوه لصرف امواله المشبوه إلى وجوه البرّ، فهو كمثل اقتراف الإنسان إثماً بنية التوبة منه ، والمفروض ان المسلم لا يقترف ذنباً حتى يحتاج إلى كفارته.

هذا  الراي البنوك التقليدية الموجودة في بلادنا الاسلامية، أما البنوك المملوكة لغير المسلمين في الدول غير الاسلامية، فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الإيداع و وكذلك الانتفاع بالفوائد الحاصلة منها، تبعاً لاختلاف الفقهاء في جواز اخذ مال الحربي برضاه، وهل يوجد ربا بين المسلم والحربي، على قولين:

القول الأول: حرمة الرباً، سواء في دار إسلام او دار حرب، فالحرام في دار الإسلام هو حرام في دار الحرب، اكان بين مسلم و مسلم أو بين مسلم وذمي أو بين ذمي وذمي أو بين مسلم وحربي، او لمسلم  دخل دار الحرب بأمان أو بغيره وهذا ما ذهب اليه الجمهور من فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، والأوزاعي وإسحاق وأبو يوسف من الحنفية (النووي: 1996م، 9/376) (ابن قدامة/ المغني: 4/162) (الأصبحي ، 3/279) (ابن حزم 8/514) ( السرخسي ، 14/56)

القول الثاني: جواز الربا في دار الحرب حصرا ، سواء بين مسلم وحربي، أو بين ذمي وحربي، أو بين مسلم ومسلم مقيمين في دار الحرب، ولا يجوز الربا بين هؤلاء في دار الإسلام،  وهذا ما ذهب اليه الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) كما روي هذا القول عن النخعي والثوري، ومال إليه ابن رشد الجَدّ، وأجازة الإمام محمد بن الحسن؛ بين المسلم والحربي ولم يجزه بين المسلِمَيّن في دار الحرب، واتفق أبو حنيفة وأبو يوسف على حرمة الربا بين المسلم والحربي في دار الإسلام التي تغلب عليها الكفار، وأجريت فيها أحكام المسلمين وأحكام أهل الشرك جميعاً.(ابن رشد /المقدمة ، 504)

الأدلة ومناقشتها:

  • أدلة أصحاب المذهب الأول:

احتج  جمهور الفقهاء لمذهبهم بعموم النصوص المحرمة للربا، منها:

  • قوله تعالى:﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَة مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ* وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.( سورة البقرة الآيات (275- 280).

وجه الدلالة من هذهِ الآيات: أنها نصٌ في تحريم الربا تحريماً كلياً، وأنها ردت على المزاعم والشبهات التي قال بها البعض من أن الربا المحرم هو الربا الفاحش، لأن الله تعالى لا يبيح للمقرض سوى استرداد رأس ماله فقط دون أي زيادة عليه،(ابن كثير، 1/326) والزعم بأن البيع مثل الربا، كما دلت على أن الربا من الكبائر، حيث وعد الله بمحاربة آكليه، ثم بيان طريق التوبة، وتطهير المال، والتصدق على المعسر بالكل أو البعض، وتلك دعوة للسلوك العادل والكريم دون إجبار ،(وهبة: 1980م، 104) ((والظاهر عموم البيع والربا في الآية لكل بيع وكل ربا، إلا ما خصه الدليل)) (الالوسي، 3/20) وقال ابن العربي: ((والصحيح أنها عامة، لأنهم كانوا يتبايعون ويربون، وكان الربا عندهم معروفاً)) ،(الجصاص ، 2/183) كما أن في الإيذان بحرب من الله ورسوله لدليلا قاطعا وواضحا على أن نظام الفائدة يتعارض مع الرؤية الإسلامية للنظام الاقتصادي والاجتماعي العادل والخالي من الاستغلال، كما أن قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾، لتحديد صريح لمعنى الربا، بأنه كل ما جاوز رأس المال في الدين.

  • تواترت الأحاديث النبوية التي تدل على حرمة الربا مطلقاً، وتنهى عن أكله أو أخذه، وتبيين عاقبة المرابى في الدنيا والآخرة، ومن هذهِ الأحاديث: ((لعن رسول الله r آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء)) ،( مسلم ، 1219) قال الإمام النووي: فيه تصريح بتحريم الربا، ذلك أن رسول الله r  دعا على آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه بالطرد من رحمة الله، ولا يطرد منها إلا من ارتكب إثماً كبيراً  (النووي ، 11/26)

كما عده r من الموبقات التي أمر باجتنابها، كما في قوله r ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) ،( البخاري: 4/213) ولا شك أن الأمر بالاجتناب أبلغ في المنع والنهي من لفظة التحريم بدليل قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (سورة الحج:30)

وما جاء في خطبة الوداع للنبي r : ((ألا وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وان أول ربا أضعه هو ربا عمي عباس بن عبد المطلب)) ، حيث دل ذلك على حرمة الربا تحريماً قاطعاً، وأنه لا يجوز ولا يحل إلا أخذ رأس المال.

  • الدليل العقلي على تحريم الربا:

فمما لا شك فيه أن العقل يؤيد ما جاء في النقل من نصوص قطعية في تحريم الربا، ويرجع ذلك إلى أمرين:

الأول: أن الحرام حرام في دار الإسلام وفي دار الحرب، لا فرق بينهما، كما لا فرق في ذلك بين ربا وقمار وميتة وخمر.

والثاني: أن الآثار السيئة التي تترتب على التعامل به، والمتمثلة في تدمير حياة الشعوب واقتصادهم.

  • أدلة المذهب الثاني:

احتج الحنفية ومن وافقهم لمذهبهم بجملة من الأدلة النقلية منها:

1-ابأن العباس أسلم قبل فتح مكة ورجع إلى مكة، وكان يربي فيها، وهي دار الحرب، حتى فتحت في السنة الثامنة، ووضع رسول الله r  ربا العباس في خطبة الوداع، في السنة العاشرة، فَوَضْعُه لرباه دليل على أنه كان قائماً، فعندما فتحت مكة وضع الربا (ترك) عن أهل مكة، وبقي يربي مع أهل الطائف وغيرها من البلاد، حتى فتحت تباعاً وحط عنها الربا، ولو كان الربا حراماً عليه لأمر برده إلى من أخذه منه، ولم يكن حطه عمن لم يقبض منه،(السرخسي،14/57)  وأيد ابن رشد الجد هذهِ الحجة.(ابن رشد، 504) .

2- بحديث بني النظير، قالوا: يا رسول الله إنك أمرتَ بإخراجنا ولنا على الناس دُيون لم تَحِل، قال: ((ضعوا وتعجلوا)) ، (الحاكم النيسابوري ،1978م، 2/52 وصحح إسناده) فكانوا يهوداً أهل حرب، ودارهم دار حرب، إذ حاصرهم الرسول r ، في حصنهم، وكانت ديونهم على المسلمين.

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن تحريم الربا كان في وقعة خيبر، وقصة بني النضير كانت قبل خيبر بمدة  (النووي، 10/53)

ورد الحنفية بأن تحريم الربا كان في مكة، ولم يحلَّ في الإسلام قط ،(العثماني، 14/356) وهذا لا يصح إلا إذا كان الوضع للتعجيل جائزاً في دار الحرب فقط.

1- كما احتج الإمام محمد بأن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾، قال له مشركو قريش: ترون أن الروم تغلبُ فارس؟ فقال: نعم، فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطراً، فإنْ غَلبت الرومُ أخذتَ خطرنا، وإن غَلَبْت فارسٌ أخذنا خطرك، فخاطرهم أبو بكر (رضي الله عنه) على ذلك، ثم أتى النبيr وأخبره، فقال: أذهب إليهم فَزِدْ في الخطر وأَبِعدْ في الأجل ففعل أبو بكر، وظهرت الرومُ على فارس، فبعث إلى أبي بكر رضي الله عنه، أنْ تعال فخذ خطرك، فذهب وأخذه، فأتى النبي r  به فأمره بأكله (.روى القصة الترمذي،): (الطبري، 21/13، 14) ( والسيوطي، ،5/150)

 

ما يؤخذ من النص:

أن القمار لا يحل بين مسلم ومسلم كما لا يحل في دار الإسلام، وحل بين مسلم ومشرك كان في دار الشرك التي لا تجري فيها أحكام المسلمين (السرخسي، 14/57) وأجاب المانعون بأن الحرام سواء كان في دار الإسلام أم في دار الحرب يبقى حرامٌ ، وبأن الحديث أخرجه الإمام السيوطي وفيه نهى النبي rلأبي بكر عن أكله له، لأنه سحت، بأمره بالتصدق به، في قوله:((هذا السحت تصدق به)). ( ابن كثير، 3/424)

ويرد عليهم: بأن العبرة ليست بأكله أو التصدق به على اختلاف الروايتين وإنما هي في جواز اخذهِ وهذا واضح من تصريح النبي r  لأبي بكر الصديق بالذهاب إليهم وطلب الزيادة في الخطر والابعاد في الأجل.

1-واحتج الإمام محمد أيضاً بأن رسول الله r ، لقي ركانة، (سنن أبي داود، 4/55) بأعلى مكة، فقال له ركانة: هل لك أن تصارعني على ثلث غنمي؟ فقال صلوات الله عليه: ((نعم وصارعه فصرعه…)) الحديث، إلى أن أخذ منه جميع غنمه، ثم ردها عليه تكرماً، وربما كان هذا بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (سورة المائدة:67 )وهذا دليل على جواز مثله في دار الحرب بين المسلم والحربي (السرخسي، 14/57)

2- احتج بعض الحنفية المتأخرين بما جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية:( للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا)، وفسروا الأجنبي بالكافر، ورأوا أن شرع مَنْ قبلنا شُرع لنا إذا لم يعارضه شرعُنا (.العثماني 14/575)

ونأخذ من هذا: أن نص العهد القديم، كان موضع تشنيع من بعض المسلمين على اليهود كما في بعض الكتابات الحديثة، وموضع تطبيق من بعضهم الآخر على الربا في دار الحرب.

والذي اراه أن حقيقة الخلاف بين الفريقين تعود للتنازع على الاعتبار، هل هو للشخص أو للدار؟ ففي رأي الفريق الأول على المسلم أينما وجد أن يمتنع عن الربا المحرم، وفي رأي الفريق الثاني يمتنع عنه في دار الإسلام، لا في دار الحرب.

فالأخذ برأي الجمهور افضل، ولكنه أشق، فالامتناع عن الربا ، كثيره وقليله، وجليَّه وخفيه، في دول لا تطبق الإسلام ليس بالأمر الهين،، ولو أخذه وتصدق به، لم يستطع إلاَّ أن يدفعه، وهذا لا يمنع بالطبع من محاولة إنشاء تجمعات إسلامية سعياً لتطبيق الأوامر الإسلامية ما أمكن (العثماني،14/365، 366).

وهناك حالات تحتاج فيها بعض الدول الإسلامية لأن تتعامل مع الدول غير الإسلامية بالربا، لأغراض تنموية، لا دفاعية فقط، فلا تجد من يقرضها من الدول الإسلامية ولا من غيرها بلا فائدة إلا قليلاً، ولا تقبل أن تمولها دول أجنبية على أساس الشركة أو المضاربة، لأن من شأن هذهِ الأساليب التمويلية زيادة التدخل في شؤون المتمول.

وأدخل بعضهم في هذا الباب قيام بعض المسلمين، ولاسيما في البلدان الغنية بالنقود، بإيداع أموالهم في مصارف أجنبية، ولا ريب أن المبادئ تقضي بأن لا يلجأ هؤلاء إلى ذلك إلا في الضرورة ، وعليهم أن يستثمروا أموالهم داخل أوطانهم، أو في أوطان إسلامية أخرى محتاجة إلى المال، لأن في عملهم هذا تقوية لتلك المصارف الربوية، لكنهم قد يَرَوْن أن غرضهم ليس هو تقوية هذهِ المصارف، بل حفظ أموالهم بالدرجة الأولى، ولا مانع عندهم أن تقترن المصلحة لهم بمصلحة للغير، إن لم يكن من ذلك بد، وهم يستحقون فوائد عن هذهِ الأموال المودعة، فهل يمتنعون عن أخذها لأنها ربا محرم؟ أم يأخذونها على أنها ربا حلال على أساس أنهم مسلمون يتعاملون مع غير المسلمين؟ أم يأخذونها ويصرفونها في الصدقات أو في مصالح المسلمين؟

نقول له: خذها، ولكن لا تأكلها لنفسك، بل اصرفها على فقراء المسلمين، ولصالح المسلمين، وإلا كنت مُربياً حقاً، وبتخلصك منها تنفي عن نفسك الشبهة وعلى هذا يتبين أن أخذ الفوائد في مثل هذهِ الحالات لا ينبني على مذهب معين، بل يبنى على أساس الضرورة، فمن اضطر إلى إيداع مال في مصرف ربوي، فلا يترك الفائدة له، بل يأخذها ويخرجها مخرج الصدقة.

فعلى المسلم الذي أخذ الربا من أهل الحرب في دارهم أن يتصدق به، فقد أخرج السيوطي في الدر المنثور، أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) قبل الهجرة لما نزل قول الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾،(سورة الروم الآيات: 1-3) قال له المشركون: ترون أن الروم تغلب فارسا؟ فقال: نعم، فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطراً؟ فإن غَلبت الرومُ أخذت خطرُنا، وإنْ غلبت فارسُ أخذنا خطرك، فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه على ذلك، ثم أتى النبي r  وأخبره، فقال: أذهب إليهم فَزِد في الخطر وأبعد في الأجل، فقمر أبو بكر رضي الله عنه، فجاء به يحمله إلى رسول الله r ، فقال رسول الله r : ((هذا السحت تصدق به)). (السيوطي، 5/150)

فهذا الربا الذي يأخذه المسلم من الحربي، هو مباح بحق الحربي، حرام عند المسلم في دينه وداره، فيحسن أن يتصرف به، فقال في إعلاء السنن (العثماني، 14/359) :(ولكن هذا هو الحجة لما أفتى به بعض أكابرنا أن للمسلم أن يأخذ الربا من أصحاب البنك أهل الحرب في دارهم، ثم يتصدق به على الفقراء، ولا يصرفه إلى حوائج نفسه).

وحكم الإيداع في الحسابات الجارية من البنوك الربوية، ذكرنا أن البنوك لا تدفع للمودعين في هذا الحساب أيّة فائدة، فالإيداع فيه لا يستلزم الدخول في عقد قرض ربوي، فينبغي أن يجوز من هذهِ الجهة، ولكن قد يستشكله بعض العلماء المعاصرين بأنّه وإن لم يكن قرضاً ربوياً، ولكن فيه إعانة للبنك في المعاملات الربوية ،(،فقه فتاوى البيوع، اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، مكتبة الإيمان، المنصورة)

لأن الله تعالى ورسوله الكريم r  حرما التعاون على الآثم والعدوان، في آيات وأحاديث كثيرة، ولا يخفى ما في الايداع في البنوك الربوية من تشجيع وإعانة لأصحابها على أعمالهم الربوية المحرمة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(سورة المائدة:2) ومعلوم أن الربا من أكبر الكبائر فلا يجوز التعاون مع أهله.

رابعاً-الراي الفقهي بالودائع في المصارف الإسلامية:

ما أودع في الحسابات الجارية في المصارف الاسلامية ينطبق عليه ما الايداعات في الحسابات الجارية للبنوك التقليدية، باعتبارها قروض من أصحابها إلى البنك، ،فتجري عليها جميع أحكام القرض من  الضمانة عليه وغيرها.

ولكن الراي الفقهي يختلف في الودائع الثابتة وحسابات التوفير في المصارف الإسلامية، وذلك لان هذه المصارف تقبل الودائع على أساس مضاربة تخضع للربح والخسارة لا على أساس أنها قرض مضمون وبفائدة مقطوعة ومحددة مسبقاً، ، فالأرباح المتحققة من تلك الودائع توزع بين المودع والبنك بإعتباره مضارباً،. (شبير: 2001م، 266)

وقد رأى ((مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي)) المنعقد في 25جمادى الثانية 1399هـ، الموافق 22/5/1979م: عدم إعطاء أرباح على الودائع الادخارية باعتبارها عقد قرض إلا في الحالة التي ينص فيها عند طلب فتح الحساب على أن المعاملة بين المودع والمصرف تأخذ حكم المضاربة. (العبادي: منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 201).

 

الخاتمة

لقد توصلت في دراسة موضوع بحثي هذا إلى نتائج ومقترحات أهمها ما يأتي :

أولا : النتائج :

1.صلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان ؛ لا يعني صلاح كل الاجتهادات والتراث الفقهي الذي أنتجته عقول عظماء الأمة وأئمتها ، بل لابد من مراجعة هذا التراث مع محاولة تنقيته مما دخل عليه . فحكم الله في المسائل القطعية ثابت لا تجوز مخالفته الا في حال الضرورة ، اما المسائل الظنية والاجتهادية ؛ فللعالم أن يجتهد فيها بفهم جديد لا يتعارض مع مقاصد الدين وقواعد فهم وتفسير النصوص ، وما بني على أعراف الناس وعاداتهم يجب ان يراجع في ضوء العادات والأعراف الجديدة

  1. غياب الفقه الاجتماعي بشكل جدي في نظريات الاجتهاد وأصوله ، اذ اصبح الفقه قديماً مادة باردة تتعامل مع المجتمع معاملة القانون الحكومي ، وأصبح الفقه قطاعاً خاصاً ومنقطعاً عن الجوانب والعلوم والفنون المعاصرة ، كعلم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والجوانب الحياتية الاخرى ، ناهيك عن العلوم والمعارف الطبية والكيميائية الاخرى ، اذن من الاشياء التي لابد للاجتهاد المعاصر ان يفكر بها هي : اعادة الحكم الفقهي الى سياقه الطبيعي من خلال عرضه على كتاب الله تعالى والسنة النبوية المطهرة وفهم الحكم من خلال سياقه التاريخي الذي جاء فيه ، معتمداً ومراعيا في ذلك جميع العلوم والمعارف التي اكتسبها وابدعها افراد المجتمع ، للوقوف على حكم النازلة في القضايا المعاصرة

3.أما ما يتعلق بحكم اخذ الفوائد المتحصلة من الأموال المودعة في المصارف الربوية سواء في دار الاسلام او دار الحرب او البلدان غير الاسلامية ـ حسب التسمية ـ فاننا نستنتج من دراسة هذه النقطة ؛ ان من اضطر الى الايداع في هذه المصارف الربوية مع ان الاصل عدم الايداع فيها ، نقول له : خذها ، ولكن لا تأكلها لنفسك بل اصرفها على فقراء المسلمين ، ولصالح المسلمين ، والا كنت مربيا حقا. وبتخلصك منها تنفي عن نفسك الشبهة ، وعلى هذا يتبين ان اخذ الفوائد في مثل هذه الحالات لا ينبني على مذهب معين ، بل يبنى على اساس الضرورة ، كما قدمنا .

ولا شك ان الاخذ براي الجمهور احوط ، ولكنه اشق فالامتناع عن الربا كله ، كثيرة وقليله ، وجليه وخفيه ، في نظام لايطبق الاسلام ليس بالامر السهل ، فلو امتنع عن اخذه فانه لا يستطيع الامتناع عن اعطائه ، ولو اخذه وتصدق به ، لم يستطيع الا ان يدفعه .

4.اما فيما يتعلق في تكييف الودائع المصرفية : فنقول : يختلف الراي في الودائع الثابتة ر في المصارف الاسلامية من الراي في البنوك التقليدية والربوية منها ، وذلك ان المصارف الإسلامية تقبل هذه الودائع لأعلى أساس أنها قرض مضمون وبفائدة مقطوعة ومحدودة مسبقاً ، وإنما يقبلها على أساس أنها مضاربة تخضع للربح والخسارة

ثانياً : المقترحات

  1. انشاء معاهدة مختصة لتدريب وتعليم وتخريج كوادر بشرية ذات معرفة ادارية وقانونية وشرعية لإدارة المصارف الاسلامية في العراق .
  2. توجيه الباحثين والدارسين لدراسة النوازل المستجدة بروح العصر ومتطلباته ؛ مع التركيز على اختيار امثلة متجددة للدراسة بعيداَ عن الامثلة القديمة التي ما عادت تناسب زماننا .
  3. استحداث معهد للتأهيل الاجتهادي يشرف عليه علماء متخصصون لتخريج طلبة علم لهم القدرة على الافتاء المعاصر في جوانب الحياة المختلفة .

المصادر

1- ابن الحاجب : مختصر المنتهى الأصولي، (بيروت- دار الكتب العلمية- ط2 ، 1403هـ -1983م)

2- ابن القيم : شمس الدين أبي عبد الله محمد بن ابي بكر المعروف بأبن القيم الجوزية، (ت751ه) اعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق : محمود محي الدين عبد الحميد ،(المكتبة العصرية – بيروت – 1407ه – 1987م )

3- ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، (د.م: البصائر للإنتاج العلمي، ط1، 1418هـ- 1998م)،

4- ابن ماجه: محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، (207- 275هـ)، سنن ابن ماجه، (دار الفكر- بيروت)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.

5- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، (630- 711هـ)، لسان العرب، (دار صادر- بيروت ط1)

6- ابن هشام، أبو محمد عبد الملك: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيض شلبي، (مطبعة الحلبي- ط1، 1936م، طبعة المكتبة العلمية- بيروت- لبنان)،

7- أبي مولود السويري السوسي، معجم الأصوليين،  (دار الكتب العلمية- بيروت- ط1،1423هـ-2002م)،

8- الآمدي: الاحكام في أصول الأحكام، (دار الكتب العلمية- بيروت- ط5، 1426هـ- 2005م)، ، ضبطه وكتب حواشيه: الشيخ إبراهيم العجوز.

9- الأمين: حسن عبد الله، الودائع المصرفية النقدية، (دار الشروق، جدة، ط1، 1403هـ-1983م)، 10- البحر المحيط في أصول الفقه، (الكويت- ط1- 1410هـ، 1990م)، 6/204، تحرير: الشيخ عبد القادر عبد الله العاني.

11- البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، (194- 256هـ)، صحيح البخاري، (دار ابن كثير- اليمامة- بيروت- ط3، 1407هـ- 1987م)، تحقيق: د.مصطفى ديب البغا،.

12-صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، (206- 261هـ)، (دار إحياء التراث العربي- بيروت)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،

13- البنّا، د.محمد علي محمد أحمد، القرض المصرفي، دراسة تاريخية مقارنة بين الشريعة والقانون الوضعي، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1427هـ-2006م).

14-البهوتي: منصور بن يونس بن إدريس، كشاف القناع، (دار الفكر- بيروت- 1402هـ-1981م)، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال.

15- البوبي: محمد سعيد بن احمد، مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، (دار الهجرة للنشر والتوزيع- الرياض- ط1، 1998م)،

16-الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، (209- 279هـ)، سنن الترمذي، (دار إحياء التراث العربي- بيروت)، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون

17-الحاكم: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، (321- 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، (دار الكتب العلمية- بيروت- ط1، 1411هـ- 1990م)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا،.

18-حمود: د.سامي حسن، تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، حقوق القاهرة، 1976م،.

19-الحنبلي: علي بن عباس البعلي، (752- 803هـ)، القواعد والفوائد الأصولية ، (مطبعة السنة المحمدية –القاهرة- 1375ه-1956م)،  تحقيق: محمد حامد الفقي،

20-الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، (673- 748هـ)، سير أعلام النبلاء، (مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ-1992م)،

21-الرازي : محـمـد بـن أبي بكر عبد القادر، (ت 666هـ) ، مختار الصحاح، (دار الكـتاب العربي- بيروت، 1395هـ-1979م)،

22-الرازي: محمد بن عمر بن الحسين، (544- 606هـ)، المحصول (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- الرياض- ط1، 1400هـ)، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، ، هامش الموافقات، للشاطبي، (دار ابن عفان- المملكة العربية السعودية- ط1، 1417هـ- 1997م)،

23-الزرقاء: مصطفى أحمد، المصارف معاملاتها وودائعها وفوائدها، ضمن سلسلة مطبوعات جامعة الملك عبد العزيز، السعودية، 1404هـ-1983م، والسالوس: د.علي أحمد، حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد،.

24-الزلمي ، مصطفى إبراهيم، أصول الفقه في نسيجه الجديد ( مطبعة الخنساء- بغداد- ط،10 ـ 2002)

25-السالوس: د.علي أحمد، حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد، مجلة الفقه الإسلامي، الدورة الثانية، العدد الثاني، الجزء الثاني، (1407هـ-1986م)،

26-السبكي: تاج الدين عبد الوهاب بن علي، (ت771هـ)، جمع الجوامع في أصول الفقه، (علق عليه ووضع حواشيه: عبد المنعم إبراهيم)، (دار الكتب العلمية- بيروت- ط1، 1421هـ- 2001م)،

27-السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر، (ت490هـ)، أصول السرخسي، (دار المعرفة- بيروت، 1372هـ)، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني

28-سليمان: محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي، (825- 879هـ)، التقرير والتحبير، (دار الفكر- بيروت- ط1، 1996م)، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات،

29- السمرقندي، محمد بن أحمد بن أبي أحمد، (ت539هـ)، تحفة الفقهاء، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ-1984م)،

30-السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، (ت911هـ)، الأشباه والنظائر، (دار الكتب العلمية- بيروت- ط1، 1403هـ)،

31-السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (دار المعرفة- بيروت)،

32-الشاطبي، الموافقات في اصول الشريعة، (المكتبة العصرية- بيروت، 1423هـ-2003م)، ، تحقيق: محمد عبد القادر الفاضلي.

33-شبير: د.محمد عثمان، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، (دار النفائس، الاردن، ط4، 1422هـ-2001م)

34-شرح النووي على صحيح مسلم، (دار إحياء التراث العربي- بيروت- ط2، 1392هـ)،

35-الشنتوفي: محمد بن المدني، القواعد الأصولية عند القاضي عبد الوهاب البغدادي، من خلال كتابه الإشراف على مسائل الخلاف، (دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث- الإمارات العربية المتحدة- ط1، 1424هـ- 2003م)،

36-طبقات الفقهاء الشافعية، للإمام تقي الدين أبي عمر و/عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (577-643هـ)، تحقيق: محي الدين علي نجيب، (دار البشائر الإسلامية- بيروت- ط1 ، 1413هـ -1992م)،

37-العبادي: عبد الله بن عبد الرحيم، موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، (منشورات المكتبة العصرية، بيروت)،

38-العثماني: محمد تقي، بحوث في قضايا فقهية معاصرة، (دار القلم- دمشق- ط2، 1424هـ-2003م)،.

39-عوض :علي جمال الدين، عمليات البنوك في الوجهة القانونية، (دار الاتحاد- القاهرة-، 1981م)،

40- فقه فتاوى البيوع، اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، مكتبة الإيمان، المنصورة.

41-القرافي: أسعد بن محمد بن الحسين النيسابوري الكرابيسي، (490- 570هـ)، الفروق، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الكويت- ط1، 1402هـ)، تحقيق: د.محمد طموم،

42-القرطبي: محمد بن احمد بن أبي بكر بن فرج القرطبي، أبو عبد الله، (ت671هـ)، تفسير القرطبي، (دار الشعب- القاهرة- ط2، 1372هـ)،

43-الكمال بن الهمام: محمد بن عبد الواحد (790- 861هـ)، التحرير مع تيسير التحرير لأمير بادشاه، (بيروت- دار الكتب العلمية- 1403هـ -1983م)،.

44- مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني، الجزء الثاني، 837.

45-محاضرات في القواعد الفقهية، إعداد الدكتور: احمد محمد طه البالساني.

46-محمد بن ادريس المطلبي القرشي، (150- 204 هـ)، طبقات الفقهاء الشافعية، للشهرزوري ابن الصلاح.

47-المدونة للأمام مالك: بن أنس الأصبحي، (دار صادر- بيروت)،

48-المرغياني: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل أبو الحسين، (511- 593هـ)، الهداية شرح البداية (المكتبة الإسلامية، بيروت، بدون تاريخ)،

49-المستصفى من علم الأصول، الغزالي، ومعه كتاب فواتح الرحموت، للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري، شرح مسلم الثبوت في أصول الفقه للشيخ محب  الله بن عبد الشكور،(ت1119هـ)، تعليق الشيخ إبراهيم محمد رمضان، (دار الأرقم بن أبي الأرقم – بيروت، 1414هـ- 1994 م)

50-النووي: محيي الدين بن شرف، (ت676هـ)، المجموع، (دار الفكر- بيروت- ط1، 1417هـ- 1996م)، تحقيق: محمود مطرحي،

51-وهبة: د. محمود عارف، نظريات الفائدة في الفكر الاقتصادي، مجلة المسلم المعاصر، السنة السادسة، العدد 23، سنة 1400هـ-1980م،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *