أ.د. مازن خلف ناصر

كلية القانون – الجامعة المستنصرية – العراق     

         dr.mazin.khalaf@gmail.com

009647711592004

م. زينب فهمي عبد علي

      الدائرة القانونية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي – العراق

Zaiab.fahmi@uomustansiriyah.edu.iq       

009647808181961   

الملخص 

يتناول البحث الدور المهم الي يلعبه التفويض التشريعي لغرض حماية الحق في الصحة, لاسيما ان النظم الديمقراطية تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات, وممارسة كل سلطة لاختصاصها ليس على أساس الفصل التام وانما التعاون مع غيرها من السلطات, وفقاً لما يقرره الدستور وينظمه, وقدر تعلق الامر بموضوع بحثتنا يظهر هذا التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, وبعد الجائحة التي اجتاحت العالم (كورونا) برزت الأهمية الكبرى لحماية حق الصحة وكان لابد للدول من أعادة النظر في مدى اهتمامها بهذا الحق في ظل تفشي الوباء, ومما لا شك في ان عدم استعداد الدول بشكل عام لمواجهة الاخطار المحدقة بها والكوارث يؤدي الى تخبط في الإجراءات والممارسات التي تخرق الحق في الصحة قبل غيره من الحقوق المحمية بموجب الدستور وبموجب المواثيق العالمية, لذا برزت الحالة الى مزيد من المرونة القانونية ومنح التفويض للسلطة التنفيذية لممارسة مهامها وتحت رقابة واشراف السلطة التشريعية, لغرض سد النقص التشريعي الناجم عن عدم وجود معالجة تشريعية ملائمة في العراق بخصوص الظروف الاستثنائية.

الكلمات المفتاحية: التفويض التشريعي, الحق في الصحة, اعلان حالة الطوارئ , الأساس الجنائي , اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية, حظر التجوال.

The role of legislative authorization in the field of criminal protection of the right to health

DR.mazin Khalaf Nasser

College of Law – Al-Mustansiriya University – Iraq

Zainab Fahmy Abdel Ali

Legal Department of the Ministry

of Higher Education and Research

 

Abstract :

The research deals with the important role played by legislative delegation to protect the right to health, especially since democratic systems are based on the principle of separation of powers, and each authority exercises its jurisdiction not based on complete separation, but rather on cooperation with other authorities, by what the Constitution decides and regulates, and to the extent it relates. The matter that is subject of our research shows this cooperation between the legislative and executive authorities, and after the pandemic that swept the world (Corona), the great importance of protecting the right to health emerged, and countries needed to reconsider the extent of their interest in this right in light of the outbreak of the epidemic, and there is no doubt that the lack of preparedness of countries in a way General to confront the dangers facing it and disasters, which leads to confusion in the procedures and practices that violate the right to health before other rights and freedoms protected constitutionally and under international conventions. Therefore, the situation has emerged with more legal flexibility and granting authorization to the executive authority to exercise its duties under the control and supervision of the legislative authority, to fill Legislative deficiency resulting from the lack of appropriate legislative treatment in Iraq regarding exceptional circumstances.

Keywords: legislative mandate, right to health, declaring a state of emergency, criminal basis, Supreme Committee for Health and National Safety, curfew.

المقدمة

ينظم الدستور في كل دولة ممارسة السلطة لأعمالها ليس فقط في الظروف العادية وانما في الظروف الاستثنائية كذلك,  والهدف في كلتا الحالتين أعلاه المحافظة على الحقوق والحريات للأفراد والتي اكدت على صيانتها كافة المواثيق الدولية, وان القيود التي تفرض على الحريات تعد لازمة للحفاظ على الأصل و تكمن وظيفة الوثيقة الدستورية في محاولة تحقيق اكبر قدر من التوازن بين السلطة وحقوق الافراد وحرياتهم.

وبموجب الدستور يمنح لكل سلطة وظيفة معينة مستقلة عن بقية السلطات ولا يفترض ان يتم تفويض ايه سلطة اختصاصاتها لأي سلطة أخرى كون قواعد الاختصاص تعد من النظام العام, وقد كان لأتساع وتشعب مهام الدولة وأثر والأزمات التي عاشتها الكثير من الدول برزت الحاجة الماسة الى التفويض, وبضمنها تخويل السلطة التنفيذية ممارسة مهام تشريعية برخصة من المشرع الدستوري, غير ان هذا التفويض لا يمكن أن يغدو مبرراً للسلطة التنفيذية في التجاوز على مهام باقي السلطات الأخرى في الدولة كون التفويض يعد استثناء من الأصل وبالتالي لا يمكن التوسع به او منحه الا لظروف محددة و بشروط وضوابط منصوص عليها في الدستور.

وقد مرت الدول على مر العصور بحالات الظروف الاستثنائية على اختلاف مسمياتها الأمر الذي يستدعي اللجوء الى حلول ناجعة لمواجهة تلك الظروف ولما كانت تلك الحلول لا يتم التوصل اليها بالسرعة المطلوبة لكونها تقتضي اللجوء الى السلطة التشريعية التي تتبع سلسلة من الإجراءات اللازمة لصدور التشريعات بالصورة الانسب, لذا يمكن العثور على الحل عن طريق توسيع سلطة ايجاد الحلول بين كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية وتركيز الاختصاص – خلال مدة محددة- في يد السلطة التنفيذية ذات الإمكانيات الواسعة والتي تتسم اعمالها بالسرعة والحزم مع خضوعها في الوقت ذات الى حكم القانون بما يتضمنه من قيود وحدود, فضلاً عن ضرورة التأكد من فرض الرقابة على عملها, وبذلك يمكن القول انه بالإمكان مواجهة أي ازمة طارئة في حدود القانون بالأدوات الفعالة والسرعة المرجوة.

أولا- اهداف البحث

دراسة وتحليل النصوص القانونية المتعلقة بالتفويض التشريعي لما يحمله من أهمية وخطورة في ذات الوقت التي يترتب عليها وضع شروط وضوابط خاصة بتنظيمه وعلى وجه الخصوص في ما يتعلق بالظروف الاستثنائية بكافة صورها , فضلاً عن بيان مدى صحة الإجراءات المتخذة لمواجهة ازمة كورونا في ظل عدم وجود قانون أو آليه محددة تم اتباعها في ظل الجائحة.

ثانيا-  أهمية البحث

تبرز أهمية البحث من خلال تناوله لموضوع التفويض التشريعي وشروطه في الدور الذي تمارسه السلطة التشريعية وحدود الحماية القانونية والجنائية للحق في الصحة العامة .

ثالثا- منهجية البحث

تم اعتماد المنهج التحليلي الوصفي للنصوص القانونية في كتابة هذا البحث .

رابعا- مشكلة البحث

على ماذا استند المشرع العراقي في تبرير اجراءات السلامة الوطنية في زمن كورونا وهل كانت النصوص القانونية التي تنظم موضوع التفويض التشريعي كفاية ومدى أهميته في حماية الصحة العامة في الظروف الاستثنائية؟.

خامسا- نطاق البحث

 1- الحدود الموضوعية: ينحصر موضوع البحث في بيان الأساس الدستوري والجنائي للتفويض التشريعي في قانون الصحة العامة, مع التعرف على حدود ذلك التفويض في الظروف الاستثنائية المتمثلة بحالة الطوارئ والأزمات مع تناول الإجراءات المتخذة وفقا لما ذُكر أعلاه في ظل جائحة كورونا.

2- الحدود المكانية: سوف يتم تناول الموضوع وفقاً للقوانين ذات العلاقة في العراق و دول المقارنة في مصر وفرنسا قدر تعلق الامر بموضوع البحث.

سادسا- خطة البحث

المبحث الأول: مفهوم التفويض التشريعي واساسه الدستوري والجنائي

المطلب الأول: مفهوم التفويض التشريعي وشروط صحته

المطلب الثاني: الأساس الدستوري والجنائي للتفويض التشريعي في العراق والدول المقارنة

المبحث الثاني: إجراءات السلطة التشريعية في حماية حق الصحة العامة في الظروف الاستثنائية

المطلب الأول: دور الاختصاص التشريعي للبرلمان في ظل جائحة كورونا

المطلب الثاني: دور الاختصاص الرقابي للبرلمان في ظل جائحة كورونا

المبحث الثالث: دور القانون الجنائي وقانون الصحة العامة في حماية حق الصحة في ظل جائحة كورونا

المطلب الأول: التجريم المباشر وغير المباشر لأفعال تعريض الغير للعدوى بفيروس كورونا

المطلب الثاني: دور التدابير الوقائية في حماية الصحة العامة

المبحث الأول

مفهوم التفويض التشريعي واساسه الدستوري والجنائي

لا ريب ان التفويض التشريعي ظاهرة دستورية التجأت إليها بعض الدول بغية تقليل اثر الظروف غيـر الاعتيادية التي قد تمر بها البلاد ، وتهدف اتخاذ اجراءات سريعة وحاسمة تتماشى مع طبيعة تلك الظروف وخصوصيتها واثرها في النظام القانوني للدولة.

المطلب الأول

مفهوم التفويض التشريعي وشروط صحته

يعد التفويض التشريعي سلاح خطير تمنحه السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية وفقاً للتنظيم المحدد في الدستور ، فان ذلك يعد اجراء استثنائياً يتعارض مع قواعد الاختصاص ويؤثر على مبدأ الفصل بين السلطات ، لذلك فقد تم تقييده عن طريق احاطته بالشروط والضوابط التي يجب أن تسري عليه ومن شأنها أن تؤدي إلى تحديد الحد الذي يبلغه ذلك التفويض.

 

الفرع الأول

مفهوم التفويض التشريعي

يُقصَد بالتفويض على وجه العموم، ان يَعهد صاحب الاختصاص الأصيل في ممارسة بعض أو وظائفه طبقاً للشروط التي تنص عليها القواعد  القانونية التي تحكم هذا التفويض الى شخص آخر ممارسة بعض من اختصاصاته ، ونظراً لاختلاف المواضيع التي تُنظمها القواعد القانونية فإن مفهوم التفويض يختلف تبعاً لذلك بأن يكون إداريا أو تشريعياً .

أما التفويض التشريعي، الذي يتم من خلال قيام السُلطة التشريعية صاحبـة الاختصاص الأصـيل التي تتولى سَن القوانين في الدولة بتفويض البعض من وظائفها التشريعية الى السلطة التنفيذية سواء كان رئيس دولة أو رئيس حكومة، بالاستناد الى نص دستوري واضح وصريح يسمح بالتفويض ضمن شروطه وقيوده، أو أن يتم  من خلال ممارسة العُرف الدستوري دون الحاجة لوجود نص مكتوب (عبد السلام، 1996و فهمي، 1980). 

وتتجلى أهمية التفويض كونه من الوسائل اللازمة لضمان انسيابية شؤون الدولة وحسن سير مرافقها العامة في الفترة التي تعجز فيها صاحبة الاختصاص (السلطة التشريعية) من اتخاذ إجراءات فاعلة وعاجلة لمواجهة الظروف الاستثنائية التي قد تتعرض لها الدولة (عجمي، 1989).

والملاحظ انه قد يحصل الظرف الاستثنائي ويكون البرلمان في حالة انعقاد ، إلا انه لا يتمكن من التدخل بالسرعة المطلوبة لمواجهة خطر الظرف الاستثنائي عن طريق إعداد قانون يعالجها ، والسبب في ظهور قصور البرلمان في مواجهة الظرف الاستثنائي ربما  يعود لأحد الاسباب التالية:

1- ان تشريع القوانين قد يتطلب اجراءات كثيرة تتطلب وقت طويل وتدخل فيه الاعتبارات السياسية بين الاحزاب صراع القوى داخل البرلمان ، الأمر الذي يعرض البلاد  لخطر كبير نتيجة الانتظار ريثما يتم اتخاذ الاجراءات الضرورية مـن قبـل البرلمان باتباع الطرق التقليدية بغية مواجهة الظرف الاستثنائي الذي قد يستوجب احيانا اتخاذ اجراء أو وضع حل سريع.

2 – طبيعة هذه المخاطر في كونها استثنائية ومؤقتة وليست متوقعة وغير دائمة ، لأنها لو كانت دائمة ومتوقعة على المدى الطويل لتم مراعاة ذلك ومعالجته بموجب القوانين العادية المشرعة في البرلمان .

3 – تعد السلطة التنفيذية ممثلة بأعلى جهة فيها وهي رئيس الدولة, الاقـدر على مواجهة تلك الظروف الاستثنائية نظراً لما تملكه من خبرات و دراية إدارية تجمعت لديها من خلال ادارتها للمرافق العامة كونها تعتبر الاقرب إلى بيان الحاجات العامة وطرق ايفاء الاحتياج من باقي السلطات (عجمي، 1989) .

 

الفرع الثاني

شروط التفويض التشريعي

وضعت العديد من الدساتير شروطاً أجازت من خلالها التفويض التشريعي بموجبها يتسنى للسلطة التنفيذية اداء الاختصاصات التفويضية ، ومنها ما يأتي :

1 : وجود الظرف المبرر لممارسة التفويض التشريعي : ليتم اضفاء المشروعية على التفويض التشريعي ينبغي أن تكون هناك ضرورات ملحة تبيح للبرلمان تفويض اختصاصاته بعضها أو جانب منها إلى الحكومة لغرض مواجهة تلك الظروف (عمران، 2022) ، وفي فرنسا اجازت المادة (38) من الدستور للحكومة بأن تطلب من البرلمان منحها الاذن بإصدار الأوامر والتدابير التي تهدف منها تنفيذ برنامجها الحكومي من دون أن تشترط تعرض الدولة إلى ظرف استثنائي ، أما في مصر فقد اشترطت المادة (108) من دستور ۱۹۷۱ الملغي أن تكون هناك حالة استثنائية تجتاح وتهدد الدولة بأكملها ، وعليه فانه يقع على عاتق البرلمان عبء اثبات قيام الحالة الاستثنائية التي تستدعي استخدام صلاحيات التفويض التشريعي لغرض مواجهتها .

2 : الجهة التي تمنح التفويض التشريعي : يعد هذا الشرط وسيلة يتم من خلالها تمييز التفويض التشريعي عن لوائح الضرورة ، حيث إن الاخيرة تشترط غياب البرلمان ، لتتمكن الحكومة من اصدارها ، على خلاف التفويض التشريعي الذي يشترط انعقاد البرلمان ، ويفترض أن البرلمان لم يتمكن التصرف على وفق ظروف محددة ، مما يتطلب سرعة البت خلال تلك الظروف ، وبالتالي فانه يخول الحكومة مقدراً من وظيفتها التشريعية لغرض التغلب على الحالات غير الاعتيادية  ، وفي فرنسا فان المادة (38) من الدستور الفرنسي اشارت أن الحكومة هي التي ينبغي عليها القيام بعرض برنامجها على البرلمان للحصول على الاذن بالتفويض ، أي أن تقدم حجتها وسندها في طلب التفويض وعرض التدابير التي تهدف إلى اتخاذها إزاء ذلك، أما في مصر فان المادة (108) من دستور ۱۹۷۱ الملغي بينت لصحة التفويض أن يتم اتخاذه  بناء على اغلبية ثلثي عدد أعضاء البرلمان.

3 : بيان موضوع التفويض التشريعي على وجه الدقة : ينبغي على البرلمان تحديد المواضيع التي يتم بموجبها تخويل الحكومة في اصدار القرارات المستندة إلى التفويض التشريعي الممنوح على نحو واضح ومحدد لا يحتمل التفسير الواسع ، غير ان هذا التفويض لا يكون بمعزل عن التقيد بضوابط دستورية محددة،  ومن ثم فانه لا يمكن للحكومة اصدار قرارات تخرج عن نطاق المواضيع المحددة لها دستورياً ، واذا ما خالفتها اعتبرت قراراتها غير دستورية ، كونها قرارات صدرت من غير المختص وفق الدستور (المحمودي، 2011) .

4 : تعيين مدة التفويض التشريعي : لابد أن يكون التفويض التشريعي محدد المدة ، وبخلافه يكون البرلمان قد تخلى عن اختصاصه كلياً ، ويرجع ذلك التحديد الى حرص المشرع الدستوري على ان لا يستمر التفويض لأجل غير مسمى فهو فطبيعة الحال أمر استثنائي مؤقت عارض ، ويتم تحديد مدة التفويض بأحد الاسلوبين ، الاول يتمثل بوحدات قياس الزمن الاعتيادية كالسنوات والأشهر والأيام ، وأما الآخر فيتمثل بارتباطها بأحداث معينة مثل انتهاء الحرب أو إزالة آثار العدوان أو انتهاء حالة الظروف الاستثنائية ، ويترتب على عدم تحديد مدة التفويض عدم دستورية ذلك التفويض ، وبالتالي بطلان اللوائح التفويضية الصادرة استناداً له (المدرس، 2001).

 5 : ان يصادق البرلمان على التفويض التشريعي : ينبغي على البرلمان في قانون التفويض أن يحدد موعداً تستطيع الحكومة خلاله بعرض مشروع القانون المتعلق بالأوامر التفويضية لغرض تصديقه ، في حال لم يتم عرضه تصبح الأوامر التفويضية المتخذة ملغية كأنها لم تكن ، وتتجرد من قيمتها القانونية .

وبشكل عام يشترط في التفويض، أن يكون جزئيا لا كليا أي انيتم تفوض بعض الاختصاصات وليس كلها ، ذلك لان التفويض الكلي يعد تنازلاً عن ممارسة الاختصاص, ويترتب على منحه عد التفويض باطلًا غير منتج لأثاره القانونية (مهدي، 2009) .

المطلب الثاني

الأساس الدستوري والجنائي  للتفويض التشريعي في العراق والدول المقارنة

عالج المشرع الدستوري الفرنسي التفويض التشريعي في المواد (11-47-83) من الدستور غير إن المادة (38) تعد الأساس في هذا المجال وتليها في المرتبة المادة (11) والتي تتعلق بموضوع قيام رئيس الدولة بالرجوع إلى الشعب عن طريق الاستفتاء الشعبي (فهمي، مصدر سابق)، في حين اقتصرت المادة (47)على المسائل المالية فقط , ويتضح ان الدستور الفرنسي لعام 1958  أخذ بالتفويض التشريعي لأهميته أحاطه بعدة إجراءات تضمن تحقيق الغرض منه وبالتالي عدم إطلاق سلطة الحكومة في ممارسته على وفق ما تشاء وان النصوص المنظمة للتفويض التشريعي تنهي الخلافات الفقهية التي أثيرت في الدساتير الفرنسية السابقة حول مدى مشروعية القرارات التفويضية.

أما بالنسبة لموقف الدستور المصري لعام ١٩٧١ الملغي فقد تضمن نصاً يجيز العمل بالتفويض التشريعي في حالة الضرورة وفق نص المادة (108) منه, وأيضا  نص الدستور المصري لعام ٢٠١٢ المعدل في المادة (131) الملغية منه على أن ” ….. عند غياب المجلسين ، أذا طرأ ما يستوجب الاسراع باتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير ، يجوز لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات لها قوة القانون تعرض على مجلس النواب ومجلس الشورى ، بحسب الأحوال ، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انعقادهما .فإذا لم تعرض ، أو عرضت ولم تقر ، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون ، الا إذا رأى المجلس اعتماد نفادها عن الفترة السابقة ، أو تسوية ما ترتب عليها من آثار بوجه آخر ” .

اما بالنسبة للتعديل الدستوري على دستور ۲۰۱۲ والصادر عام ٢٠١٤ فقد تم اضافة المادة (154) التي خولت رئيس الجمهورية صلاحية ممارسة التفويض التشريعي و اعطت هذه النصوص الدستورية صورة واضحة عن تبني المشرع الدستوري المصري تفويض رئيس الجمهورية الاختصاص التشريعي في دستوره الملغي أما دستور ٢٠١٤ النافذ فلم ترد فيه اي نصوص تجيز للبرلمان تفويض السلطة التنفيذية في بعض المسائل التشريعية ، بالتالي لم يقم بتنظيم ذلك الموضوع على عكس الدستور السابق.

وأما في العراق لم تتضمن دساتير العراق السابقة لدستور عام ٢٠٠٥ النافذ أي نص يبيح التفويض التشريعي بصورة صريحة ، باستثناء ما ورد في الفقرة (ز) من المادة (43) من دستور عام ١٩٧٠ الملغى ، التي منحت بموجبها رئيس الجمهورية تخويل في الاختصاصات التشريعية سواء أكان ذلك التخويل في الظروف الاعتيادية أم في حالة الضرورة.

بالرجوع الى الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ ، نلاحظ عدم وجود يوجد نص فيه يشير إلى امكانية ان يكون هناك تفويض تشريعي من البرلمان إلى السلطة التنفيذية ” رئيس الجمهورية أو لرئيس مجلس الوزراء “، وقد يعزى السبب في ذلك إلى القائمين على وضع الدستور في حينها لم ينظموا مثل هذه الصلاحية راجع الى الأوضاع التي عاشها العراق في الماضي من حروب وكوارث إنسانية من جهة ، واستبداد وطغيان وتوسع في صلاحيات السلطة من قبل رئيس الجمهورية وقيامه بالتدخل في كافة الاختصاصات من جهة أخرى غير ان المادة  ( 61/تاسعاً ) اشارت إلى تخويل رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي يتمكن من خلالها من ادارة البلاد في اوقات الحرب واوقات الطوارئ.

ولوحظ عدم صدور قانون يعالج حالة الطوارئ بموجب دستور عام ٢٠٠٥ ، وسابقاً كان قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965 يعالج حالة الطوارئ ، وقد نصت المادة ( 1 ) منه على  ” يجوز اعلان حالة الطوارئ في العراق أو في اية منطقة منه الاحوال الاتية : أولا – إذا حدث خطر في غارة عدائية أو اعلنت الحرب أو قامت حالة حرب أو اية حالة تهدد بوقوعها.

 

ثانياً – إذا حدث اضطراب خطير في الامن العام أو تهديد خطير له .

ثالثاً – إذا حدث وباء عام أو كارثة عامة “.

كما نصت المادة (2) منه على ” يكون اعلان حالة الطوارئ وانهاؤها بمرسوم جمهوري بموافقة مجلس الوزراء، وينبغي أن يتضمن مرسوم اعلان حالة الطوارئ ما يأتي :

1- بيان السبب الذي دعى إلى اعلانها .

2- تحديد المنطقة التي تشملها .

3- تاريخ بدء سريانها” .

ونظراً  للظروف الامنية والاقتصادية التي يمر بها العراق في الوقت الحاضر فأن الضرورة تحتم ان يقوم البرلمان بواجبه التشريعي بتشريع قانون ينظم حالة الطوارئ استناداً إلى المادة (61) من دستور عام ٢٠٠٥ ، ليتم بموجبه تحديد الصلاحيات التي يتم منحها للسلطة التنفيذية في الظروف الطارئة وبصورة محددة ودقيقة ، وان يكون شاملا لحالتي الطوارئ الحرب ايضا ، فضلاً عن توضيح الطبيعة القانونية لتلك القرارات التي تصدرها السلطة التنفيذية في تلك الفترة و ليس هناك ما يمنع من اعتبار القرارات التي يصدرها رئيس الوزراء خلالها قرارات لها قوة القانون ، وجدير بالذكر انه لا بد من تحديد الجهة التي يتم امامها الطعن بها بقرارات رئيس الوزراء ونقترح ان تكون هذه الجهة هي محكمة القضاء الاداري كمحكمة درجة أولى وبالصفة الاستعجالية و الطعـن تمييزا امام المحكمة الادارية العليا ويكون قرار الاخيرة نهائيا وباتا .

أما فيما يتعلق بالتفويض الجنائي ان مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مضمونه يعطي للمشرع سلطة اصدار النصوص القانونية الزاجرة والتي تعد المصدر الأساس للقانون الجنائي وتعبيراً عن حق الدولة في العقاب وتصدر عن السلطة المختصة (البرلمان) الذي يتكون من نواب يعبرون عن الإرادة الشعبية, وقد أوردت بعض التشريعات استثناء على أصل القاعدة المتضمنة احتكار السلطة التشريعية سلطة سن القوانين العقابية, والتي يتعين ان تكون تلك الاستثناءات في اطار ضيق وان يبرر وجودها بأسباب قوية.

ومن أمثلة هذه الاستثناءات في التشريع المصري ما نصت عليه المادة (5) من القانون رقم (162) لسنة 1958 المتعلقة  بحالة الطوارئ بأنه “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد تنص عليها القوانين المعمول بها يعاقب كل مـن خـالف الأوامـر الصـادرة من رئيس الجـمـهـورية أو من يقـوم مـقـامـه بالعقوبات المنصوص عليها في تلك الأوامر على إلا تزيد العقوبة على الأشغال الشاقة المؤقتة ولا على غرامة قدرها أربعة آلاف جنيه، وإذا لم تكن الأوامر قد بينت العقوبة على مخالفة أحكامها فيعاقب على مخالفتها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر بغرامة لا تجاوز خمسين جنيهاً أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

وعن هذا القانون تقول المحكمة العليا “قبل إنشاء المحكمة الدستورية العليا” بأن: “نظام الطوارئ وإن كان نظاماً استثنائيا إلا أنه ليس نظاماً مطلقاً، بل هو نظام دستوري وضع الدستور أساسه وبين القانون حدوده وضوابطه، لذلك فإن التدابير التي تتخذ استنادا إلى هذا النظام يتعين أن تكون متفقة مع أحكام الدستور والقانون, فأن جاوزت هذه الحدود والضوابط فأنها تكون غير مشروعة وتنبسط عليها رقابة القضاء .

فالتجريم والعقاب لا يكون بقانون وانما بناء على قانون ولعل ذلك هو الذي نأى بهذه الأوامر عن الحكم بعدم دستوريتها, ومن اجل الحفاظ على ومن أجل الحفاظ على مـبـدأ شـرعيـة الجرائم والعقوبات في هذه الحالة ، فإنه يتعين أن ينص القانون دائماً على العقوبة، وأن ينص على الفعل بصورة مجملة، ويترك للائحة أو القرار البيان التفصيلي لذلك الفعل، ويترتب على ذلك أن القاضي لا يستطيع أن يخلق بـنفـسـه جـرائم أو عـقـوبات، ولا أن يطبق جرائم وعقوبات غير منصوص عليها في التشريعات العقابية، فتحديد الأفعال التي تعد جرائم وبيان أركانها, وتحديد العقوبات المقررة لها، سواء من حيث نوعها أو مقدارها ، كل ذلك من اختصاص الشارع وليس للقاضي شأن بذلك، وكل ماله هو تطبيق ما يضعه الشارع من نصوص في هذا الشأن” (حمودة، 1998).

المبحث الثاني

إجراءات السلطة التشريعية في حماية الحق في الصحة

في الظروف الاستثنائية

لقد عرفت اغلب النظم القانونية للدول النصوص التي تنظم الظرف الاستثنائي لا سيما الأزمات الصحية التي تعرض كيان الدولة ومؤسساتها كافة للخطر أو تعرض الدولة أو المجتمع إلى الكوارث ، وكذلك القواعد القانونية التي المنظمة لحق الصحة ، وآلية ضمان هذا الحق ، إيماناً من تلك الدول في  ضرورة تضمين نصوص القانون بكيفية توفير الحماية اللازمة لحق الصحة ، بل إنها تضع بذلك التزاماً على سلطات الدولة بتنفيذ وتطبيق تلك النصوص ، حيث  يعد الدستور القانون الأعلى والأسمى في الدولة ، وهو يتضمن المبادئ الأساسية لحماية الحقوق والحريات والإطار العام ، تاركاً التفاصيل للقانون العادي.

المطلب الاول

دور الاختصاص التشريعي للبرلمان في ظل جائحة كورونا

لقد أجاز المشرع تقييد حقوق الأفراد في بعض الحالات ، بقانون أو بناء على قانون ، دون ان يتم المساس بجوهر الحق ،  وذلك حفاظاً على النظام العام بكافة عناصره ، وكما سبقت الإشارة الى المادة (61 / تاسعاً) عندما أجازت إعلان حالة طوارئ وخولت رئيس الوزراء صلاحيات مختلفة عما يمارسها في الظروف العادية (عمران، مصدر سابق).

      وقد تصدر تشريعات سابقة تعالج الظروف الاستثنائية الصحية قبل وقوعها بهدف السيطرة على الظرف الاستثنائي، لغرض تجاوز الإجراءات المطولة في ظل الظروف التي تتطلب السرعة ولا تتحمل التأخير وقد اخذ المشرع العراقي بهذا الأسلوب عندما سن قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965.

ولكن يؤخذ على هذا الأسلوب ، على الرغم من إيجابيات، أنه يمنح السلطة التنفيذية فرصة التحجج بوجود ظرف استثنائي ، وإعلان حالة الطوارئ لأدنى الأسباب في ظل غياب الرقابة السابقة على هذا الأسلوب من قبل السلطة التشريعية أو قد تقوم السلطة التشريعية بإصار تشريعات لاحقة لوقوع الظروف الاستثنائية الصحية بناء على طلب من السلطة التنفيذية لغرض معالجة الظرف الاستثنائي ، وقد يحصل فراغ تشريعي ، ومن ثم تكون السلطات غير قادرة على مواجهة الظرف الاستثنائي (ليلو، 2017) .

     وخوفاً من أن تتخذ السلطة التنفيذية الظروف الطارئة حجة لغرض تقييد الحقوق والحريات أوجبت بعض الدساتير عليها استحصال موافقة البرلمان على إعلان حالة الطوارئ ، وان يتم لاحقاً عرض الإجراءات المتخذة حينها حفاظاً على النظام العام (ليلو، مصدر سابق)، هذا ما حدث في ظل جائحة كورونا في نهاية عام 2019 وخلال عامي 2020- 2021 ، إذ بدأت بمواجهة العالم بقوة ، وتوجيه مسار مؤسسات الدولة وحقوق وحريات الأفراد على النطاق الداخلي بمسارات غير تقليدية، وفي المقابل ، فإن كل ما يحتاجه الواقع للسيطرة على الأوضاع ومنع استمرارها لإرجاع الأمور إلى المسار الطبيعي بغض النظر عن الجانب العلاجي والطبي هي القواعد القانونية ؛ كونها تعمل على توفير الحماية اللازمة لحق الصحة في ظل جائحة كورونا هذا من جانب.

ومن جانب آخر تنظم سير عمل سلطات الدولة والمجتمع لتصبح قادرة على مواجهة الأمراض والأوبئة وحماية الصحة العامة بأقل ضرر ممكن ، والسيطرة على حالة الإرباك الذي تخلفه هذه الظروف الغير متوقعة، ولقد أدى سرعة انتشار فيروس كورونا حول العالم إلى قيام العديد من الدول عن طريق سلطاتها الثلاث باتخاذ إجراءات فورية وصارمة لغرض التعامل مع هذا الفيروس، وتضييق انتشاره لحين الكشف عن علاج لهذا الفايروس .

ولغرض تحقيق التوازن بين الإجراءات المتخذة من السلطات وتقييد الحقوق والحريات في حدود معقولة ، فقد تم وضع نظام قانوني في كل بلد يتضمن مجموعة من الضوابط الشكلية والموضوعية التي يتوجب على كل سلطة التقيد بها ؛ ليكون عملها منتظماً متناغماً مع بعضها البعض ومتسماً بالمشروعية على الرغم من عدم الاستقرار الحاصل في فترة الظرف الاستثنائي .

تضمنت العديد من دساتير العالم النص على حق الصحة في الظروف الطارئة ، وخولت السلطة التشريعية وضع الضبط التشريعي لها (عبد الوهاب، 2002)، ويعد ذلك أحد أهم الأدوات الدستورية التي تستخدمها السلطة التشريعية لمواجهة جائحة كورونا.

الفرع الأول

إصدار وتعديل التشريعات المتعلقة بالحق في الصحة

وفقاً لنص المادة (18) من الدستور المصري لجأت المشرع  لمواجهة فايروس كورونا إلى القوانين المعدة سابقاً من السلطة التشريعية ، ومنها : قانون الاحتياطات الصحية للوقاية من الأمراض المعدية ، فمنح هذا التشريع للسلطات الصحية صلاحيات واسعة لغرض الوقاية من الأمراض ومنع انتشارها (قرار، 2020).

أما في العراق وانسجاما مع نص المادتين ( 30 و 31 ) فقد لجأت في مواجهة الفيروس إلى القوانين المعدة سابقاً, حيث نصت ( المادة 2 / ثالثاً ) من قانون وزارة الصحة رقم ( 10 ) لسنة 1983 الأمراض الوبائية على أن : ” تقوم الوزارة تحقيقاً لأهدافها بما يلي : … ثالثاً : مكافحة الأمراض الانتقالية والسيطرة عليها ، ومراقبتها ، ومنع تسربها من خارج القطر إلى داخله وبالعكس ، أو من مكان إلى آخر فيه ، والحد من انتشارها في الأراضي والمياه والأجواء العراقية” .

وفي قانون الصحة العامة خصص فصل كامل لمكافحة الأمراض الانتقالية ، ومنحت ، استناداً لهذا القانون ، صلاحيات واسعة للسلطات الصحية لغرض الوقاية من الأمراض والأوبئة ومنع انتشارها على نطاق واسع ، ومن تلك الصلاحيات, إصدار بيان يعلن فيه أن هناك منطقة موبوءة ، والقيام بتقييد حركة تنقل المواطنين داخل تلك المنطقة الموبوءة ، فضلاً عن غلق المحلات العامة ، وإصدار تعليمات بشأن التدابير التي يتوجب اتخاذها لمكافحة الأمراض الانتقالية أو الحد من انتشارها ، والعديد من الإجراءات الأخرى ( المواد44- 57، قانون الصحة العامة).

ويتبين أن المشرع قد حدد الأمراض الوبائية وخول وزير الصحة القيام بإضافة أي مرض آخر يستجد ، ولم يتضمنه الجدول الملحق بهذا النظام, ولكن بالعودة إلى قرارات وزير الصحة العراقي في ظل جائحة كورونا لوحظ عدم إصدار قرار بهذا الشأن, وانما تم الاكتفاء في ظل هذه الأزمة الخطيرة بما أعلنته منظمة الصحة العالمية.

وهذا لا يمكن قبوله من الناحية القانونية لفقدان هذا الإجراء السند القانوني فإن ما أجازه قانون الصحة العامة هو جعل اللوائح الصحية الدولية الصادرة مرجعاً لتحديد الأمراض الوبائية استناداً للمادة (46) منه.

وفيما يتعلق بالمشرع المصري، فقد اعتبر استناداً للمادة الأولى من قانون الطوارئ ، حالة انتشار الوباء من الحالات التي تستوجب إعلان حالة الطوارئ.

وقد أقدم العراق على تخويل وزير الصحة والجهات الصحية ذات العلاقة اتخاذ مجموعة تدابير استثنائية لها أثر خطير على الحقوق والحريات الدستورية للأفراد ، دون أن يشير في أي من النصوص إلى وجوب سبق هذه التدابير إعلان حالة الطوارئ الصحية ، أو أن هذه التدابير استثنائية ، الامر الي قد يفتح المجال أمام الجهات الصحية بالقيام بفرض تدابير صارمة لأدنى سبب مهما كانت خطورته , وان المشرع العراقي لم يقم بتعديل أي قانون في ظل جائحة كورونا ، على الرغم من القصور التشريعي الذي يعاني منه النظام القانوني للبلد بهذا الشأن.

على خلاف المشرع المصري فقد عدل مجلس النواب المصري عدل قانون الطوارئ رقم (162) لسنة 1958 بقانون رقم (22) لسنة 2020 ونص في المادة الثانية من هذا التعديل على أن : ” يضاف بنود جديدة بأرقام من ( 7 – 24 ) إلى المادة (3) من قانون الطوارئ المرقم (162) لسنة 1958 (قانون رقم 22، 2020)، فضلا عن تعديل القانون المرقم (142) لسنة 2020 المتضمن (3) مواد .

الفرع الثاني

إصدار تشريعات تعالج الظروف الطارئة

لقد خول مجلس النواب المصري استناداً إلى نص المادة (154) (دستور المصري، 2014)، بوضع قانون لتنظيم حالة الطوارئ والحالات التي يمكن من خلالها إعلان حالة الطوارئ ، وعليه فقد سن المشرع المصري قانون الطوارئ رقم (162) لسنة 1958 ، وتم إعلان حالة الطوارئ بالقرار المرقم ( 596 ) لسنة 2020 .

أما المشرع العراق فقد خول مجلس النواب الاختصاص التشريعي، ويا حبذا لو سلك المشرع العراقي مسلك المشرع المصري في اطار تحديد الحالات التي يسمح في ظلها إعلان حالة الطوارئ ، غير انه أشار فقط للحالات الناشئة من حملة مستمرة للعنف ، جراء عدد من الأشخاص لغرض منع تشكيل حكومة واسعة أو تعطيل مشاركة سياسية أو أي غرض آخر (ليلو، مصدر سابق)، ولم يتضمن في أي من نصوصه اعلان حالة الطوارئ الصحية سواء بصورة مباشرة ، كما فعل المشرع المصري أو بصورة غير مباشرة ، ففي هذه الحالة كيف سيكون للدولة أن تواجه جائحة كورونا وأمر الدفاع عن السلامة الوطنية لم يتضمن ضمن مواده حالة انتشار الأمراض والأوبئة ؟ للإجابة عن ذلك نشير الى أنه وفقا للمادة (130) من الدستور العراقي تنص على أنه : ” تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها ما لم تلغ أو تعدل وفقاً لأحكام الدستور ” ، ففي هذه الحالة بالإمكان الرجوع إلى قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965 ؛ لأنه لم ينص على إلغائه في أي من نصوص الدستور ، وأي من نصوص أمر الدفاع عن السلامة الوطنية ؛ ولأن قانون السلامة الوطنية أجاز إعلان حالة الطوارئ في جميع أرجاء البلد أو جزء منها إذا حدث وباء عام أو كارثة عامة (قانون السلامة الوطنية، 1965).

وفي رأينا أن النصوص القانونية المذكورة اعلاه هي السند القانوني في تشكيل خلية الأزمة بهدف تعزيز الإجراءات الحكومية في مجال الوقاية والسيطرة الصحية والتوعوية لغرض الحد من انتشار فيروس كورونا ، وكذلك هو الخيار الأنسب الممكن الاستناد إليه في ظل جائحة كورونا .

ولكن ما ذهب إليه الرأي اعلاه هو غير صائب ؛ لأن العديد من نصوص قانون السلامة الوطنية يتعارض مع الدستور ، ومن تلك النصوص نص المادة (9)  عندما أجازت تشكيل محاكم استثنائية ، الامر الذي يتعارض مع المادة (95)  من الدستور التي منعت إنشاء تلك المحاكم استثنائية ، وكذلك نص المادة (32)  من هذا القانون عندما اعتبرت الإجراءات التي يتم اتخاذها في ظل الظروف الاستثنائية من أعمال السيادة ، ومن ثم لا يمكن رفع اي دعوى بشأنها ، كون ذلك يتعارض مع نص المادة (100) من الدستور العراقي التي نصت على أن : ” يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن ” .

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى أن نص المادة (58) من الدستور العراقي الحالي أشار الى أن : ” أولا- … لرئيس مجلس النواب أو خمسين عضواً من أعضاء المجلس دعوة مجلس النواب إلى جلسة استثنائية … ” ، فهنا بإمكان السلطة المختصة أن تتدارك الوضع الحاصل والقيام بدعوة مجلس النواب لعقد جلسة اضطرارية لتشريع قانون يعالج الظرف ، أو إضافة نص بأقصى سرعة ممكنة مثلما فعلت المغرب حين واجهت نقصاً تشريعياً لمواجهة وباء كورونا المستجد (دستور المغرب، 1976)، لا سيما أن الدستور العراقي قد للبرلمان عقد جلسات استثنائية ، وهو ما لم يفعله مجلس النواب العراقي .

بناء على ما سبق ، يتوضح لنا أن التشريع المصري كان أكثر شمولية واتساعاً من قوانين الدول الأخر عندما تضمن الإشارة الى الوباء في قانون الطوارئ ، ويا حبذا لو قام المشرع العراقي بمثل هذا المسلك في أمر الدفاع عن السلامة الوطنية عند تحديد الحالات التي يمكن في ظلها إعلان حالة الطوارئ ، حتى لا يتم العودة  لقانون السلامة الوطنية لما يتضمنه من نصوص تتعارض مع الدستور الحالي وفق ما مبين اعلاه.

المطلب الثاني

دور الاختصاص الرقابي للبرلمان في ظل جائحة كورونا

قدر تعلق الامر بالاختصاص الرقابي للبرلمان, نشير الى ان الدستور العراقي استناداً للمادة ( 61 / تاسعاً أ / ب / د ) أوجب على السلطة التنفيذية عرض جميع الإجراءات التي يتم اتخاذها في ظل الظروف الاستثنائية على مجلس النواب ، وللمجلس حق مصادقتها أو رفضها أو تعديلها (عمران، مصدر سابق).

ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أن أمر الدفاع عن السلامة الوطنية قد عارض المادة  ( 61 / تاسعاً / ب / د )، إذ قضت هذه المادة الدستورية على أن : “يختص مجلس النواب بما يأتي : .. تاسعاً – 1 – الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين ، بناء على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ، ورئيس الوزراء … “، ولكن المادتين ( 1 و 2 ) من أمر الدفاع عن السلامة الوطنية تخالفان ما جاء في دستور 2005 ، إذ نصت المادة ( 1 ) على أن : ” لرئيس الوزراء بعد موافقة هيئة الرئاسة بالإجماع ، إعلان حالة الطوارئ في أية منطقة من العراق ، عند تعرض الشعب العراقي لخطر حال جسيم يهدد الأفراد في حياتهم ، وناشئ من حملة مستمرة للعنف ، من أي عدد من الأشخاص لمنع تشكيل حكومة واسعة التمثيل في العراق أو تعطيل المشاركة السياسية السلمية لكل العراقيين أو أي غرض آخر”

ونصت المادة ( 2 ) على أن : ” … ويجوز تمديد حالة الطوارئ بصورة دورية كل ثلاثين يوماً ببيان تحريري من رئيس الوزراء وهيئة الرئاسة ، إذا استدعت الضرورة ذلك ، وينتهي العمل بها تلقائياً إذا لم تمدد تحريرياً في نهاية أية فترة تمديد ” .

نستنتج من قراءة هاتين المادتين أنهما تخالفان الدستور العراقي ، إذ لم تتطلبا موافقة البرلمان على إعلان حالة الطوارئ وحالة تمديدها ، بل اشترطتا استحصال موافقة هيئة الرئاسة ( رئيس الجمهورية )  في أمر الدفاع عن السلامة الوطنية لإعلان حالة الطواري من قبل رئيس الوزراء ، واشترطتا لتمديد حالة الطوارئ ان تتم ببيان تحريري من رئيس الوزراء وهيئة الرئاسة ( رئيس الجمهورية )(دستور العراق، 2005)،  دون أن يتم اشتراط  اللجوء للبرلمان وأخذ موافقته بأغلبية معينة ، أما بالنسبة للمادة (61/ تاسعا) من الدستور العراقي، فهي تتطلب إعلان حالة الطوارئ ، وهذا الإعلان لم يتم من قبل الحكومة العراقية في ظل جائحة كورونا وعليه ، يتبين لنا مما ذكر أن كلا من المشرع  العراقي جعل الحد الأعلى للمدة التي تستمر في ظلها حالة الطوارئ مدة غير محددة ، قد تطول أو تقصر بحسب الظرف الاستثنائي الحاصل ، بخلاف الدستور المصري الذي حددها بفترة زمنية ، وهي ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لثلاثة أشهر أخرى مماثلة.

ولكن ما ينبغي تسليط الضوء عليه هنا هو مدى ممارسة مجلس النواب العراقي لاختصاصه الرقابي في ظل جائحة كورونا ، رغم الضمانات الدستورية التي أوردها المشرع العراقي في دستور 2005 لاستمرار عمل مجلس النواب في جميع الظروف ، أي بعبارة أخرى أن الدستور العراقي الحالي لم يسمح بتعطيل عمل مجلس النواب في ظل الظروف العادية منها ، أو الاستثنائية ، لاحظنا أن الدور الرقابي للبرلمان في ظل جائحة كورونا قد اقتصر على مناقشة التقارير الواردة اليه من قبل خلية الأزمة ، فضلاً عن عدم القيام بغلق الحدود العراقية كإجراء احترازي إلا حينما تم الكشف عن أول إصابة في تاريخ 24/2/2020  في محافظة النجف الأشرف ، رغم أن انتشار المرض في الصين يسبق هذا التاريخ بأشهر عديدة.

وقد أدى ذلك إلى قيام السلطة التنفيذية باتخاذ إجراءات عاجلة وضرورية لمواجهة الوباء ، ومنها إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال ، كما تم فرض تدابير الحجر الصحي على جميع المواطنين ، وإلزامهم بالبقاء في بيوتهم ، وعدم مغادرتها إلا للضرورة القصوى ،  والقيام بإجراءات العزل بالنسبة للمصابين بالوباء ، وإجراءات خاصة لنقل الجثامين لغرض دفنها,… الخ، و بناءً على هذا الوضع الاستثنائي ، ولغرض اخضاع الأفراد لهذه التدابير ، لا بد من تفعيل نصوص قانونية عقابية سابقة ، أو ان يتم إصدار نصوص قانونية عقابية جديدة تملك القدرة على تحقيق الردع العام والردع الخاص في الوقت عينه ، بهدف الوصول الى تضييق انتشار الفيروس قدر المستطاع ، ومن جانب آخر فقد تم تعليق انعقاد الجلسات بمختلف أنواعها ودرجاتها بهدف منع انتشار الفايروس بين المتداعين وغيرهم من الموظفين وأعضاء المحاكم مع تباين الدول في الإجراءات سالفة الذكر .

وقد صدر الأمر الديواني رقم (55) لسنة 2020 المعدل بموجب الأمر الديواني رقم (217) في 5/6/2020 الذي بموجبه تم تشكيل خلية الأزمة برئاسة وزير الصحة العراقي ، والغرض من تشكيلها تعزيز الإجراءات الحكومية في مجالات الوقاية والسيطرة الصحية والتوعوية.

وبموجب قرار مجلس الوزراء المرقم (64) والمعدل بموجب القرار المرقم (79) لسنة 2020 (أمر ديواني، 2020)، تم تشكيل اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء بهدف مكافحة الفيروس ، وخولت هذه اللجنة صلاحيات مجلس الوزراء.

وبالرجوع الى  قانون الصحة العامة ، في المادة (46) نص على أن : ” أولا يجوز لوزير الصحة أو من يخوله أن يعلن ، ببيان يصدره ، أية مدينة أو أي جزء منها منطقة موبوءة بأحد الأمراض … ثانياً … أ- تقييد حركة تنقل المواطنين داخل المنطقة الموبوءة والدخول إليها أو الخروج منها … “.

نستنتج من هذا النص مشروعية القرارات الصادرة التي صدرت من لجنة خلية الأزمة المشكلة برئاسة وزير الصحة بشأن فرض حظر تجوال أو تقييد الحركة في العديد من قراراته  ، بالرغم من أن هناك بعض الباحثين يشيرون إلى عدم وجود سند قانوني يخول هذه اللجنة في اتخاذ هكذا إجراءات,  إن لجنة خلية الأزمة قد تشكلت برئاسة وزير الصحة ، وكما نعلم أن وزير الصحة طبقاً لأحكام المادة (5) من قانون وزارة الصحة المرقم (10) لسنة 1983 هو الرئيس الأعلى للمؤسسة والمسؤول الأول عن أعمالها وتوجيه سياستها ، فضلاً عن ان اللجنة تشكلت بناء على مقتضيات المصلحة العامة وبالنظر لظرف انتشار وباء كورونا ، والغرض من ذلك كما نص في الأمر الديواني رقم (55) المعدل هو ” التعزيز الإجراءات الحكومية في مجال الوقاية والسيطرة الصحية والنوعية “.

كما خولت تلك اللجنة خلية الأزمة مسؤولية الجوانب العلاجية والوقاية وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين ، فهذه الفقرة تتفق تماماً مع ما ورد ذكره في قانون الصحة العامة ، وعلى وجه التحديد الفصل الثالث من هذا القانون المتعلق بموضوع مكافحة الأمراض الانتقالية .

ولكن هل يحق للجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية إعلان حظر تجوال كتدبير احترازي لمنع انتشار فايروس كورونا في عموم البلد حتى في حال عدم انتشار الإصابة في كافة المدن ؟

بالاستناد للمادة (46) من قانون الصحة العامة العراقي لغرض السماح لرئيس الوزراء إعلان حظر التجوال الكلي أو الجزئي في جميع المحافظات أو جزء منها كإحدى الإجراءات الوقائية لغرض منع انتشار الوباء يجب أن يكون مخولاً بذلك استناداً للنصوص القانونية ، وبخلاف ذلك ومن دون تخويل قانوني يكون القرار الصادر من رئيس الوزراء في الحالة المشار إليها اعلاه مشوباً بعيب عدم الاختصاص البسيط .

إن مجلس الوزراء قد شكل اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بالاستناد للصلاحيات المخولة له بموجب نص المادة ( 80 / أولاً ) من الدستور , وبالرجوع للمادة (46) من قانون الصحة العامة سالف الذكر لاحظنا أنها قد نصت بصراحة على فرض حظر تجوال في المنطقة الموبوءة فقط ، وعليه قبل أن تصاب المحافظة لا يمكن فرض حظر تجوال فيها كحركة استباقية.

ولا يحق للجنة ان تقوم بالاستناد إلى قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965 لغرض إعلان فرض حظر التجوال في أرجاء إقليم الدولة ؛ لأن المادة (2) من قانون السلامة الوطنية تتطلب إعلان حالة طوارئ وتحديد المناطق المشمولة بحالة الطوارئ ، ونعود الى الإشارة الى ان الحكومة العراقية لم تعلن حالة طوارئ .

وأن القانون يتولى توضيح كيفية توزيع الاختصاصات بين السلطات الإدارية في هذه الحالة لا يمكن معارضة المشرع بالقرار الإداري الأدنى منه مرتبة ، وبالتأكيد لا يمكن تعديل القانون بقرار إداري ادنى مرتبة منه بالرجوع إلى قانون الصحة العامة العراقي، وعلى وجه الخصوص الفصل الثالث منه الذي خول وزير الصحة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا الوباء ، إذ نص في المادة ( 46 / ثانياً ) على أن : ” للسلطات الصحية في هذه الحالة اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بمنع انتشار المرض … ” ، فكيف يمكن لمجلس رئاسة الوزراء بالقرار المرقم (1/79) الصادر من مجلس رئاسة الوزراء في 2020 إعادة توزيع الاختصاصات بين السلطات الإدارية ، حيث ورد في القرار المشار إليه : ” تتألف لجنة عليا للصحة والسلامة الوطنية بهدف مكافحة فيروس كورونا المستجد … وتكون هي اللجنة العليا المعنية بمكافحة انتشار الفيروس … ” .

كون العراق لم يعلن حالة الطواري بالتالي لا يمكن إعطاء تفسير آخر لموقف المشرع العراقي استناداً للقوانين الذي أشرنا إليها سابقاً ، ولو أراد المشرع خلافاً لذلك لنص عليه صراحة  إذ نصت المادة ( 2 / ثالثا / 15 ) من مرسوم بالقانون رقم (21) لسنة 1979 في شأن الدفاع المدني على أن : ” تشمل تدابير الدفاع المدني كافة الوسائل التي تحقق الغرض منه ، لا سيما ما يأتي : … 15 – [i]تنظيم وتقيد حركة المرور والتجوال…”.

المبحث الثالث

دور القانون الجنائي وقانون الصحة العامة في حماية الحق بالصحة

في ظل جائحة كورونا

من خلال هذا المبحث سيتم التعرف على موقف القوانين الجنائية تجاه المصابين بفيروس كورونا ، ومحاولة بعض الأفراد القيام بالتستر والامتناع عن التبليغ عن هذه الإصابات ، أو القيام بتعريض الغير لخطر الإصابة بهذا الفيروس سواء تعمد المتهم هذا السلوك أو كان غير متعمد ، وارتكبها عن طريق الخطأ ؛ لأن مواجهة هذا المرض تبدأ بالكشف عن الإصابة وعزل المصاب ، وتجنب نقله العدوى للغير ، وبخلاف ذلك لا يمكن السيطرة على هذا الوباء والحد من انتشاره في أي دولة من الدول.

المطلب الأول

التجريم المباشر وغير المباشر لأفعال تعريض الغير للعدوى بفيروس كورونا

ان المشرع العراقي واستناداً إلى مبدأ قانونية الجرائم (الخلف، 1983) وضع نصوصاً عقابية ذات طابع استباقي لتجريم أفعال تعريض الغير للعدوى للحد من المرض وتلاقي انتشاره .

الفرع الأول

التجريم المباشر لأفعال تعريض الغير للعدوى بفيروس كورونا

بموجب الباب السابع من قانون العقوبات تحت عنوان الجرائم المضرة بالمصلحة العامة الذي يهدف إلى حماية الصحة العامة بموجب المادتين : (368) ، والمادة (369) , وعند مراجعة هذين النصين يتضح لنا أنه  يعاقب من ارتكب فعلاً من شأنه نشر المرض سواء كان فعله متعمداً أو غير متعمد ، متى ما توفرت أركان تلك الجريمة ، وهذا الامر يعكس مدى اهتمام المشرع بتنظيم النصوص الخاصة بالأمراض المعدية ، إذ عد نشر المرض الخطير من الجرائم المعاقب عليها سواء كان لدى الشخص قصد أو صدر منه الفعل نتيجة الإهمال أو عدم الاحتياط وما أشبه ذلك ، يتبين لنا مما ذكر مدى صرامة المشرع العراقي ودقته ، وتشريعه لنصوص استباقية تسبق الأحداث .

وما ينبغي الإشارة إليه هنا أن تطبيق النصوص القانونية سالفة الذكر من ناحية الزمان على المصابين بفيروس كورونا يبدأ من تاريخ صدور القرار عن وزير الصحة بإدراج هذا الفيروس ضمن الأمراض السارية إعمالاً لنص المادة ( 19 / عاشراً ) من الدستور العراقي الحالي لا يسري القانون الجزائي بأثر رجعي إلا إذا كان أصلح للمتهم ” ، وكذلك بموجب المادة (45) من قانون الصحة العامة العراقي ، إذ نصت على أن : ” تحدد الأمراض الانتقالية والمتوطنة المشمولة بأحكام هذا القانون بتعليمات يصدرها وزير الصحة أو من يخوله”.

الفرع الثاني

التجريم غير المباشر لأفعال تعريض الغير للعدوى بفيروس كورونا

إن الدول التي اعتمدت التجريم غير المباشر ألزمت الأفراد لا سيما المصابين بالوباء بمجموعة من الإجراءات الوقائية تحت طائلة العقاب ؛ إذ تهدف كل تلك الإجراءات وبشكل غير مباشر إلى عدم تعريض الغير للإصابة بفيروس كورونا ، أما المشرع العراقي ، فهو الآخر التجأ إلى التجريم غير المباشر، ولكن بموجب القرارات الصادرة من قبل اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية ، ومنها : الفقرة ثالثاً من قرار رقم (40) لسنة 2020 التي نصت على أن : ” تفرض العقوبات ضد المخالفين وفقاً للآتي :

1- حجز وفرض غرامة مالية مقدارها ( 50000 ) على مركبات النقل الجماعي …

2- فرض غرامة مالية قدرها ( 50000 ) على سائق المركبة صالون الذي يحمل أكثر من (3) ركاب .

أن العراق على الرغم من أنه تفوق تشريعياً على الدول المقارنة سواء من ناحية النص صراحة في النصوص القانونية العقابية على مواجهة ناقل المرض ، وصرامتها وتناسبها في فرض العقوبة من ناحية الجسامة مع الظرف الراهن.

ولكن لاحظنا ان الجهات المختصة بإدارة الأزمة لم تستند إليها في قراراتها منذ إن حلت الجائحة في العراق ، بل على العكس من ذلك اتجهت إلى تجريم الأفعال ، وإصدار عقوبات لا تتناسب مع خطر انتشار هذا المرض استناداً لقرارات إدارية ، ومنها : القرار المرقم (40) لسنة 2020 المشار إليه سابقاً ، الصادر من قبل اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية ، و لهذا الأسلوب في التعاطي مع الجائحة خلق عدة إشكالات قانونية ، منها, تعارض هذا الأسلوب مع نصت المادة ( 19 / ثانيا ) من الدستور العراقي لعام 2005 على أن : ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة … ” ، كما ونصت المادة ( 15 ) من الدستور العراقي ذاته على أن : ” لكل فرد الحق في الحياة والأمن … ولا يجوز حرمانه … إلا وفقا للقانون وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة “.

فضلاً عن تعارض هذا الأسلوب مع مبدأ المشروعية لا سيما أن العراق لم يعلن حالة الطوارئ ؛ لكي يستطع تجاوز هذا المبدأ ولو نسبيا ؛ ولأن هناك عقوبات منصوص عليها في قانون العقوبات يمكن اللجوء إليها ، ومنها  المادتان ( 368 و 369 ) سالفة الذكر ، وبالتحديد المادة (240).

ولم يتم احترام مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من الدستور العراقي ، وتدخلت السلطة التنفيذية بعمل السلطة التشريعية دون أن يتم تخويلها ذلك بنص قانوني, كما لجأت اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بقراراتها إلى تخفيف العقوبة عما هي عليه في قانون العقوبات تماماً على عكس المنهج الذي لجأ إليه المشرع والمصري وهو تشديد العقوبة ، مما يؤدي في النهاية إلى عدم تحقيق الردع العام والخاص ، والاستخفاف بالعقوبة والتمادي فيها وعدم العمل بالتدابير المتخذة لمواجهة هذا الظرف .

المطلب الثاني

دور التدابير الوقائية في حماية الصحة العامة

لغرض بيان دور التدابير الوقائية في الحفاظ على الصحة العامة سنبحث هذه التدابير في ظل قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة ١٩٨١و تشمل التدابير الوقائية في ظل قانون الصحة العامة العراقي النافذ الرعاية المتكاملة للفرد منها على سبيل المثال الرعاية الصحية والتربية الصحية والرعاية المعاشية وتشمل أيضاً إنشاء مختبرات الصحة العامة والمراكز البحثية والاهتمام بها فضلاً عن الرقابة الصحية.

وقد حدد المشرع الوسائل والاجراءات الكفيلة بمنع انتشار المرض الانتقالي والتي تتخذها السلطات الصحية عندما يقوم وزير الصحة أو من يخوله ببيان يصدره أية مدينة أو جزء منها منطقة موبوءة بأحد الامراض الخاضعة للوائح الصحية الدولية وهذه الاجراءات هي :

 

اولاً– تقييد حركة تنقل المواطنين داخل المنطقة الموبوءة والدخول إليها أو الخروج منها .

ثانياً– غلق المحلات العامة كدور السينما والمقاهي والملاهي والمطاعم والفنادق والحمامات وأي محل عام آخر خاضع للإجازة والرقابة الصحية ، وكذلك المؤسسات التعليمية والمعامل والمشاريع ودوائر الدولة والقطاع الاشتراكي والمختلط والخاص.

ثالثاً – منع بيع الاغذية والمشروبات والمرطبات والثلج ونقلها من منطقة الى اخرى واتلاف الملوث منها.

رابعاً– عزل ومراقبة ونقل الحيوانات والبضائع (المادة (46) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981) .

وعليه فأن لوزير الصحة أو من يخوله أن يعلن ببيان يصدره عند انتشار أحد الأمراض الخاضعة للوائح الصحية الدولية القيام بوضع اليد على آية واسطة نقل واي مبنى رسمي فضلاً عن دعوة أي شخص للمساهمة في حملة المكافحة الصحية على أن يحدد البيان مدة سريان ويدفع لأصحاب وسائط النقل الخاصة والاشخاص أجوراً تحددها الجهة الصحية استناداً الى تعريف تحديد الأجور المعمول بها في المنطقة الموبوءة (المادة (47) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981).

وكذلك للجهة الصحية المختصة ان تقوم بوضع اليد على النباتات والحيوانات والمواد التي يشتبه بكونها خازنة للأمراض الانتقالية أو المتوطنة أو ناقلاً لمسبباتها أو لها دور في انتشارها وبعد بحوث الحالة المشتبه بها يتم اتلافها بإشراف لجنة تشكلها الوزارة لهذا الغرض, فضلاً عن ذلك أوجب المشرع على الطبيب المعالج أو المشرع وكل مواطن يشتبه بوجود حالة مرضية من الامراض الخاضعة للوائح الصحية الدولية أو حدوث وفاة بسببها إخبار اقرب مؤسسة صحية تابعة للدولة فوراً بذلك وأوجب على المؤسسة اتخاذ الاجراءات الفورية اللازمة بما في ذلك اخبار الجهة الصحية المختصة في الوزارة ، فضلاً عن ذلك منحها الحق في أخذ نماذج للتحليل المختبري من الملامسين للمرضى أو المشتبه بهم ورش مبيدات الآفات والمواد الكيمياوية بأنواعها داخل الدور والشقق والعمارات السكنية وخارجها ولأي محل عام آخر(المادة (51) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981).

وهنالك تدابير وقائية اخرى يمكن تتخذها الجهة الصحية المختصة لمواجهة المرض الانتقالي على المستوى الشخصي فعند الاشتباه باي شخص كونه حاملاً لمسبب مرض أو أنه في دور حضانة أحد الأمراض الانتقالية فيكون للجهة الصحية الحق في اتخاذ التدابير الكفيلة لمراقبته أو عزله أو حجزه لغرض فحصه للتأكد من خلوه من الميكروبات المرضية ومعالجته عند ثبوت كونه حاملاً لهذه الميكروبات أو مصاباً بالمرض لحين سلامته مع تقديم وجبات طعام مجاناً للمعزول او المحجور.

وكذلك يمنع الاشخاص الحاملون للجراثيم المعوية المرضية من العمل او الاستمرار فيه وذلك في أماكن تصنيع الاغذية والمشروبات والمرطبات وتحضيرها وتعبئتها وخزنها ونقلها وبيعها ، وكذلك العاملون في مشاريع الماء والمسابح ومعامل الثلج ، وعلى الجهة الصحية المختصة عند التثبت من إصابة العامل بالميكروبات اشعار رب العمل بذلك تحريرياً ولا يجوز للعامل مزاولة عمله الا بعد التثبت من خلوه من الميكروبات المعوية المرضية ويكون كل من العامل ورب العمل مسؤولاً عن تنفيذ ذلك (المادة (53) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981) .

ويمنع الشخص المصاب بأحد الأمراض الانتقالية من الدوام في المؤسسة التعليمية أو محل العمل للفترة التي تحددها الجهة الصحية المختصة في كل حالة مرضية ويكون الرئيس الاداري مسؤولاً عن تنفيذ أوامر الجهة الصحية (المادة (59) و (63) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981) .

وتجدر الإشارة الى انه لا يجوز نقل جثة الشخص المتوفي بسبب أحد الأمراض الخاضعة للوائح الصحية الدولية ، الا بعد انقضاء سنتين من تاريخ الدفن وبشرط الحصول على اجازة خاصة من الجهة الصحية ، وان الجهة الصحية المختصة بالتعاون مع أمانة بغداد او البلديات هي التي تحدد الاماكن المخصصة لهذا الغرض في مقبرة المدينة التي حدثت فيها الوفاة .

 

الخاتمة

ومن خلال دراستنا لموضوع دور التفويض التشريعي في مجال الحماية الجزائية للحق في الصحة فقد توصلنا الى عدة نتائج ومقترحات وهي كالاتي:

أولا: النتائج:

1- وجدنا أن هناك نقص تشريعي فيما يتعلق بالتنظيم القانوني التي تنظم الظروف الاستثنائية, وهذا النقص التشريعي أحدث خللاً في تحديد من هو المسؤول عن إزهاق العديد من الأرواح في ظل جائحة كورونا ؛ لأن الوباء أزهق الأرواح دون أن يستند إلى قانون يعالج تلك الفترة.

2- تبين لنا ان إعلان عن حالة الطوارئ يمنح السلطة التنفيذية سلطات أوسع مما تتمتع به في ظل الظروف العادية , ولم تستطع السلطة التنفيذية إعلان حالة الطوارئ استناداً لقانون السلامة الوطنية لسنة 1965، لأنه يتعارض مع الدستور الجديد ، ومنها نص المادة ( 9 و 32 ) من القانون, تتعارضان مع نص المادة ( 95 و 100 ) من دستورنا الحالي، كذلك عدم إمكانية الاستناد الى نصوص أمر السلامة الوطنية لسنة 2004 , لأن هذا القانون لم يعد انتشار الأوبئة من الحالات التي تستوجب إعلان حالة الطوارئ ، وكذلك تعارض المادة (1) من أمر السلامة الوطنية مع المادة ( 61 / تاسعاً / أ ) من دستور سنة 2005 م .

3-  اتضح لنا أن السلطة التنفيذية في ظل جائحة كورونا لم يمنح لها سلطات استثنائية لمواجهة هذا الوباء ، وبالتالي لا يحق لها الخروج عن مبدأ المشروعية العادية .

4- وجدنا تفوق المشرع العراقي قياسا بالعديد من الدول العربية، حين وضع قواعد عقابية في مواجهة ناقل العدوى ، وكذلك من يخالف القرارات والأوامر والتعليمات الصادرة من الجهات الحكومية وبموجب المادة (240 و 368 و 369) من قانون العقوبات العراقي لعام 1969.

ثانيا: التوصيات

1- نقترح معالجة النقص التشريعي فيما يتعلق بالتفويض التشريعي الذي يعد ضروريا في حالة الظروف الطارئة كون السلطة التنفيذية هي الأكثر قدرة ودراسة والاسرع تدخلاً مما يمكنها من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة أي حالة استثنائية.

2- نقترح قيام السلطة التشريعية بأصدر تشريع جديد تفعيلاً لنص المادة 61/تاسعاً-ج من دستور العراق لعام 2005 النافذ, يتضمن وضع الاطار العام والاساس القانوني لإعلان حالة الطوارئ التي قد تنشأ عن وباء او كارثة طبيعية مع وضع الضمانات اللازمة لعدم التعسف في اتخاذ أي اجراء تحت ستار الظروف الطارئة وتنظيم الصلاحيات بموجبه.

4- نقترح تفعيل دور الرقابة القضائية على اعمال السلطة التنفيذية في الظروف الاستثنائية ،بهدف كفالة حماية حقوق وحريات الفرد وبالتالي ضمان تتحقق سيادة القانون.

المصادر

أولا: الكتب

1- د. بدير، علي محمد، د. البرزنجي، عصام عبدالوهاب ، د. السلامي، مهدي ياسين ، مبادئ (1993)، وأحكام القانون الإداري، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد.

2- د. عبدالعظيم عبدالسلام، (1996)، الدور التشريعي لرئيس الدولة في النظام المختلط، دراسة مقارنة ، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، مصر.

3- د. فهمي، عمر حلمي، (1980)، الوظيفة التشريعية لرئيس الدولة في النظاميـن الرئاسي والبرلماني، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة.

4- د. عبدالهادي، بشار، (1982)، التفويض في الاختصاص، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، دار الفرقان، مطبعة الدستور التجارية، عَمان – الأُردن.

5-   د . المحمودي، عبد قريطم ، (2011)، التفويض في الاختصاصات الادارية ،  الطبعة الأولى ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت.

6-   د . عمران، علي سعد، (2016)، القضاء الإداري ، ط 1 ، عمان ، دار الرضوان للنشر والتوزيع .

7- د . ليلو، مازن، (2017)، القانون الإداري ، ط 1 ، بغداد ، دار المسلة للطباعة والنشر والتوزيع..

8- د . عبد الوهاب، محمد، رفعت (2020)، مبادئ وأحكام القانون الإداري ، الإسكندرية ، دار المطبوعات الجامعية.

10- د . الخلف، علي حسين ود . الشاوي، سلطان عبد القادر، (1983)، المبادئ العامة في قانون العقوبات ، دار الكتاب القانوني ، بيروت.

ثانيا: الأطاريح والمجلات

1- المدرس، مروان محروس، (2001)، تفويض الاختصاص التشريعي ، اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون – جامعة بغداد .

2- م. عجمي، بشار جاهم, (1987)، ممارسة الوظيفة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية , بحث منشور في مجلة الكلية الإسلامية الجامعة, النجف الاشرف, العدد 40 المجلد 2.

3- د . مهدي، غازي فيصل، (2005)، نظاما الفيدرالية واللامركزية في دستور العراق لعام ٢٠٠٥ ، بحث منشور في مجلة التشريع والقضاء ، السنة الأولى ، العدد الأول.

4- حمودة، علي محمود علي, (1998)، حماية الشرعية في قضاء المحكمة الدستورية العليا, بحث منشور في المؤتمر العلمي لكلية الحقوق جامعة حلوا.

5- د. عمران، علي سعد, (2022)، التفويض التشريعي لتقوية السلطة التنفيذية في العراق, رؤية لإصلاح النظام الدستوري, مجلة معهد العلمين للدراسات العليا, العدد 9.

ثالثا: الدساتير و القوانين:

1- قانون السلامة الوطنية رقم (4) لسنة 1965

2- قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل

3- الدستور الفرنسي 1985

4-  قانون الصحة العامة رقم (81) لسنة 1989

5- الدستور العراقي لعام 2005

6- الدستور المصري لعام 2014

7- قانون رقم ( 22 ) لسنة 2020

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *