أ.د.حنان عبد الخضر هاشم الموسوي

جامعة الكوفة

[email protected]

009647832720970

أ.م.د. حسين علي عويش الشامي

     جامعة ذي قار 

                  [email protected]

009647818270003

الملخص:-

يعد موضوع التنمية البشرية المستدامة من الموضوعات الهامة على الصعيد العالمي والتي اكتسبت اهتماماً كبيرا من قبل الباحثين والمنظمات والمؤسسات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي ، سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين وتطور مفهوم التنمية البشرية المستدامة مع تطور نظريات التنمية ونظريات النمو الاقتصادي ، كونه مفهوم يتوسط مفهومي التنمية البشرية والتنمية المستدامة ، و هو يعكس حالة جديدة بحسب التطور والتقدم الذي تمر به المجتمعات ، والخيارات التي يؤكد عليها مفهوم التنمية البشرية المستدامة هي العيش حياة طويلة وصحية و الحصول على التعليم و الموارد الضرورية لتوفير مستوى معاشي لائق لكل فرد في الأجيال الحالية دون المساس بحقوق الأجيال اللاحقة ، ويعد قطاع التعليم في العراق للفترات السابقة وبخاصة عقد التسعينات من القرن المنصرم قطاعا رائدا ومن أكفأ القطاعات التعليمية في المنطقة ومنطقة الشرق الأوسط ، إلا انه تراجع بعد احتلال العراق في 2003 وشهد مستويات متدنية ، لذا جاء البحث ليسلط الضوء على واقع التنمية البشرية المستدامة في العراق وقطاع التعليم كأنموذج وتحليل أهم مؤشراته  .

الكلمات المفتاحية :التنمية البشرية ،التنمية المستدامة ، التنمية البشرية المستدامة ، التعليم ، الاقتصاد العراقي .

 

Analysis of the reality of sustainable human development in Iraq: the education sector as a model.

Prof. Dr Hanan Abdel-Khader Hashem Al-Moussawi

 University of Kufa /

Assistant Professor Dr Hussein Ali Owais Al-Shami

 University of Dhi Qara

 

Abstract:

The subject of sustainable human development is one of the important topics at the global level, which has gained great attention from researchers, international organizations and institutions such as the United Nations and its development program, especially in the last decades of the twentieth century and the development of the concept of sustainable human development with the development of development theories and theories of economic growth, being a concept that mediates The concepts of human development and sustainable development, reflecting a new situation according to the development and progress that societies are going through, The options emphasized by the concept of sustainable human development are living a long and healthy life and obtaining education and the necessary resources to provide a decent standard of living for each individual in the current generations without compromising the rights of subsequent generations. The education sector in Iraq for the previous periods, especially the nineties of the last century, is pioneering. It is one of the most efficient educational sectors in the region and the Middle East, but it declined after the occupation of Iraq in 2003 and witnessed low levels, so the research came to shed light on the reality of sustainable human development in Iraq and the education sector as a model and analysis of its most important indicator.

Keywords: human development, sustainable development, sustainable human development, education, the Iraqi economy.

المقدمة

إن فحوى الشعار المعاصر للتنمية  : إن ( الإنسان ) هو الغاية السامية و الوسيلة المثلى للتنمية  ، و يؤطر هذا الشعار ( التنمية البشرية المستدامة ) التي تمتاز بالسعي المؤسسي و المجتمعي الحثيث لتحقيقه بغية الوصول الى النمو الشامل ، على كافة المستويات و الأصعدة  الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية , و يعتبر ( التعليم ) هو الأداة الأساسية لتحقيق ذلك .

إن التعليم يمتاز بقدرته  في إحداث  التحول المطلوب إلى مجتمعات أكثر استدامة من مختلف النواحي و بالأخص من الناحية البيئية ، بالتنسيق مع المبادرات الحكومية و المجتمعية . فهو يقوم بصياغة القيم و الأفكار الصحيحة و وجهات النظر الملائمة ، ويساهم  في تنمية وتطوير المهارات و القابليات والمفاهيم والأدوات التي يمكن أن تستخدم في خفض أو إيقاف الممارسات غير المستدامة . من هنا يصبح التعليم مهم و ضروري جداً .

إن أركان التعليم في العراق شهدت في العقود الأخيرة تحديات جمة بفعل تأثيرات داخلية و خارجية ، سياسية و اقتصادية و اجتماعية و صحية …. الخ , الأمر الذي شكل عائقاً أمام مجمل الحركة التعليمية في البلد بعد أن كانت عجلة  التعليم فيه تسير متسارعة الخطى نحو التقدم و التميز في تحقيق أهدافها في عقد السبعينات من القرن العشرين . و من ثم شكل هذا العائق تحدياً كبيراً في مجال تحقيق واحد من أهم أهداف التنمية البشرية المستدامة في العراق ، مما يعني تحدي أكبر أمام عملية تطوير رأس المال البشري الذي يعد عنصر أساس للتطور الاقتصادي الحاصل على الصعيد العالمي .

أهمية البحث

تأتى أهمية البحث من أنه محاولة لتوضيح العلاقة المتبادلة بين تطوير و انتشار التعليم وتوسيع القدرات والمهارات البشرية وبين بناء تنمية بشرية مستدامة حقيقية.

مشكلة البحث

طالما إن التعليم هو هدف مهم من أهداف التنمية البشرية المستدامة ، و إن العنصر البشري هو الغاية التي يستهدف التعليم تطويرها ، كونه العنصر الأساس في العملية التنموية لأي اقتصاد ، لذا فأن تطوير أركان قطاع التعليم يعد ضرورة لابد منها ، و على مستوى العراق , و ضمن هذا الإطار ، فأن مشكلة البحث تتمحور حول التساؤل الآتي :- هل يمكن النجاح في الوصول الى مستويات عالية في مؤشرات التعليم كونه هدفاً من أهداف التنمية البشرية المستدامة ؟ في ظل التحديات و العوائق الداخلية و الخارجية التي تعترض أداء قطاع التعليم في العراق .

هدف البحث

على مستوى العراق جاء البحث ليستهدف الوقوف على تطورات أداء  قطاع التعليم ، و كذلك يستهدف التعرف على طبيعة التحديات التي تواجه أدائه العام ، باعتبارها سبب مهم يعترض المسار الأساس نحو تحقيق متطلبات التنمية البشرية المستدامة فيه .  و بنفس الاتجاه يهدف البحث الى تحليل مؤشر التعليم في العراق  خلال المدة (2004 – 2019)  باعتباره واحداً من المؤشرات المهمة للتنمية البشرية المستدامة في العراق  .

فرضية البحث

أن البحث يقوم على فرضية مفادها : لم يتمكن قطاع التعليم في العراق بأدائه الحالي من الإيفاء بالمتطلبات الضرورية لتحقيق هدف التنمية البشرية المستدامة الذي يتمحور حول  ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة لجميع أفراد المجتمع العراقي .

هيكلية البحث

و لإثبات فرضية البحث ، فقد تم تقسيمه الى محورين :-

المحور الأول /  التنمية البشرية المستدامة : المفهوم والأهمية .

المحور الثاني /  التنمية البشرية المستدامة و التعليم : نظرة موجزة للعلاقة التبادلية .

المحور الثالث / التعليم هدفاً للتنمية البشرية المستدامة في العراق : الواقع و التطورات

المحور الأول : التنمية البشرية المستدامة : المفهوم والأهمية

ظهر هذا المفهوم بعد تقرير التنمية البشرية الرابع لعام 1993، بعد قصور مفاهيم التنمية المختلفة السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية عن تحقيق متطلبات البشر وخدمة أهداف التنمية ، مع بروز العديدة من  المشكلات العالمية وانهيار الاتحاد السوفيتي (السابق) عام 1989 ، وظهور الأزمة الثلاثية المتمثلة بأزمة الدولة وفقد الكثير من قوتها ونفوذها وهيبتها ، وبروز أزمة السوق وفشل آلية الأسواق في تحقيق غاياته وأهدافه وتحقيق التوازن التلقائي ،فضلا عن أزمة التخلص من التقاليد والأعراف وإلغاء الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية .

إن جوهر التنمية البشرية Human Development  يقوم على مبدأ متفق عليه هو أن ( البشر  ) هم الثروة الحقيقية لكل أمة من الأمم ، و إن غايتها توسيع الخيارات أمامهم ، و منهجها قائم على تكوين القدرات البشرية و الانتفاع منها في كافة المجالات و الأنشطة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية .

لقد عرف تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990 على أنها       ( عملية توسيع خيارات الشعوب ) (الامم المتحدة ،1992، 20). و هذه الخيارات تنامت بمرور الوقت مع تنامي الدراسات و الأبحاث في هذا المجال التنموي لتشمل : حياة طويلة صحية ، الحصول على التعليم ، الحصول على دخل كافي لتحسين المستوى المعاشي ، تحقيق الحريات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، التمكين ، زيادة فرص الإبداع و الإنتاج  ، ضمان حقوق الإنسان و احترام الذات .

إن في مقدمة أهداف التنمية البشرية المتداولة و المعروفة هو الحصول على : –

–        فرص التعليم الصحيح ، و على نحو يسهم في القضاء على الجهل و محو الأمية .

–        فرص عمل ملائمة .

–        الرعاية و الخدمات الصحية المتكاملة .

–        مستوى معاشي لائق .

–        فرص تطوير الذات البشرية و تحسين قدراتها و مهاراتها المختلفة .

–        قدر عالي من الثقة بالنفس , كخطوة أساسية للوصول الى الشعور بالارتقاء البشري .

–        فرص جديدة لاستبدال المعتقدات و العادات  الضارة بأخرى أكثر نفعاً .

–        فرص تنمية الصفات الايجابية في الإنسان .

       الشكل رقم ( 1 ) : أهداف التنمية البشرية

                                                                                المصدر : إعداد الباحثان

إن التنمية البشرية تمتلك جانبين مهمين (مدحت محمد ،2007، 180) :

الأول :  بناء القدرات البشرية لتحسين مستويات الصحة و التعليم و المهارات المختلفة .

الثاني : انتفاع الناس من ما يمتلكونه من قدرات مكتسبة .

و ضمن نفس الإطار الذي تضمن التحديثات المتتالية و المترافقة في أدبيات التنمية الاقتصادية ، لوحظ بأن عملية التنمية الاقتصادية و في غالبية مراحلها تعمل على تدمير و تلويث البيئة و تستهلك الموارد الناضبة  ، و إن لذلك الأمر انعكاساته السلبية على الإنسان  الذي هو محور عملية التنمية في مختلف المراحل الزمنية الحالية منها و القادمة . لذلك  قام البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بطرح مفاهيم مكملة لمفهوم التنمية البشرية ، منها مفهوم التنمية المستدامة Sustainable Development  التي وصفت من قبله على أنها تنمية موالية للناس وموالية للطبيعة ، وهي تعطي أولوية للحد من الفقر ، والعمالة المنتجة وللتعامل الاجتماعي ، و لإعادة توليد البيئة , وهي تعمل على تحقيق التوازن بين الأعداد البشرية وبين ما لدى المجتمعات من قدرات متوائمة، وما لدى الطبيعة من قدرات هائلة (البرنامج الانمائي،1994، 52) .

و نحن بهذا الصدد لا يمكن أن نغض النظر عن التعريف الأكثر شهرة للتنمية المستدامة و هو تعريف هيئة ( براند تلاند ) و بموجبه تعد التنمية المستدامة عبارة عن ( عملية التأكد إن قدراتنا لتلبية احتياجاتنا في الحاضر لا تؤثر سلباً  في قدرات أجيال المستقبل لتلبية احتياجاتهم  ) (حازم الببلاوي،2000 ،189)  . إن مفهوم التنمية المستدامة يستند إلى عدة أسس تعد ضرورية لتحقيق أهدافها ، و من بينها الآتي (Barbara,1995) – :

1-      أن تأخذ التنمية في الاعتبار الحفاظ على خصائص ومستوى أداء الموارد الطبيعية الحالي والمستقبلي كأساس لتحقيق شراكة الأجيال المقبلة فيما هو متاح من تلك الموارد.

2-      يرتكز مفهوم التنمية المستدامة على قيمة عائدات النمو الاقتصادي , و كذلك يرتكز على نوعية وكيفية توزيع تلك العائدات، وما يترتب على ذلك من تحسين للظروف المعيشية للمواطنين في حال الربط بين سياسات التنمية والحفاظ على البيئة.

3-      تعزيز استخدام وسائل تقنية أكثر توافقا مع البيئة تستهدف الحد من مظاهر الضرر والإخلال بالتوازن البيئي والحفاظ على استمرارية الموارد الطبيعية.

4-      لا ينبغي الاكتفاء بتعديل أنماط الاستثمار وهياكل الإنتاج، وإنما يستلزم الأمر أيضا تعديل أنماط الاستهلاك السائدة اجتنابا للإسراف وتبديد الموارد وتلوث البيئة.

5-      لابد أن يشتمل مفهوم العائد من التنمية ليشمل كل ما يعود على المجتمع بنفع بحيث لا يقتصر ذلك المفهوم على العائد والتكلفة، استنادا إلى مردود الآثار البيئية غير المباشرة وما يترتب عليها من كلفة اجتماعية، تجسد أوجه القصور في الموارد الطبيعية.

6-      استدامة وتواصل واستمرارية النظم الإنتاجية أساس الوقاية من احتمالات انهيار مقومات التنمية خاصة بالدول النامية التي تعتمد علي نظم تقليدية ترتبط بمقومات البيئة .

يركز مفهوم التنمية المستدامة على تحقيق الموائمة بين التوازنات البيئية و السكانية و الطبيعية , و هي تسعى الى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد و على نحو يوازن بين متطلبات الأجيال الحالية و الأجيال المستقبلية , كما تهتم التنمية المستدامة بمعالجة مشكلة الفقر و العوز و الحرمان , و تركز على قضايا التعليم و الصحة … الخ  .  و عليه  فأن الإنسان هو محور اهتمام التنمية المستدامة كما هو الحال في التنمية البشرية .

و بناءاً على ما سبق تم إضافة مفهوم التنمية المستدامة الى مفهوم التنمية البشرية ليظهر لنا مفهوم أوسع شمولاً ، ألا و هو مفهوم ( التنمية البشرية المستدامة ) . إذ  أن تحول اهتمام الفكر الاقتصادي العالمي بالتنمية البشرية وبلورة مفاهيم ومؤشرات ومقاييس لها،  يعد من أشكال التطويع لأدوات العلوم الاجتماعية ومحاولة لبلورة نظرية للتنمية تتلائم مع خصائص وواقع الحياة في البلدان النامية ، بحيث تكون قادرة على الكشف عن عناصر الاختلال في عناصر التوازن على الصعيد العالمي مثلما تكشف عن الاختلال في عناصر التنمية داخل البلدان …. إن الفكر والمفهوم الذي ينبع منه لكي يصبح عالمياً يجب أن يكون إنسانياً في المقام الأول ، و لتحقيق ذلك  يجب أن يفي باحتياجات الناس وان يحقق أهدافهم في الحياة(امال شلاش ،2001، 23) .

إن مفهوم التنمية البشرية المستدامة هو عبارة عن تركيبة من إستراتيجية التنمية البشرية كما عبرت عنها تقارير التنمية البشرية التي يصدرها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومفهوم التنمية المستدامة الذي تم تبنيه من قبل مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة منذ عام 1992 , و من خلال هذه التركيبة تم التوصل الى تعريف شامل للتنمية البشرية المستدامة والذي ورد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أنها : (عملية تهدف الى زيادة الخيارات المتاحة أمام الناس ) , و تكون هذه الخيارات ممتدة في حدودها الى ما لا نهاية , و قابلة للتغير بمرور الوقت ، و تتركز الخيارات الأساسية في ثلاثة محاور مهمة   هي : أن يعيش الناس حياة طويلة من خلال اكتسابهم للرعاية الصحية المطلوبة ، وان يكتسبوا التعليم الضروري ، وان يحصلوا على الدخل اللازم  لتحقيق مستوى معيشي  لائق بهم في الحياة . و في حال عدم تحقق هذه الخيارات الأساسية  ، فأن بقية  الفرص و الخيارات الأخرى التي هي امتداد للخيارات الأساسية ستظل بعيدة  المنال( البرنامج الانمائي ،1999)  .

إن مضمون فكرة  التنمية البشرية المستدامة تستند الى  ضمان فرص العمل للأجيال المقبلة أي بمعنى الإنصاف في التوزيع أو تقاسم الفرص الإنمائية بين الأجيال الحاضرة و الأجيال المقبلة , إذ أنها  تنمية لا ينتج عنها نمو  اقتصادي فقط ،  ولكن تهتم بالتوزيع أيضا  , كما أنها أضافت الى أبعاد مفهومي التنمية البشرية والتنمية المستدامة بعداً آخر هو رأس المال الاجتماعي الذي يتلخص بأنه استعداد الناس للالتزام الواعي بالتنازل عن بعض طموحاتهم من اجل الأجيال الحالية أو المقبلة.

إن الركائز الأساسية التي تقوم عليها التنمية البشرية المستدامة تتمثل بكل من :-

–        المساواة : و بموجبها يتمتع الناس بإمكانية الوصول العادل الى الفرص .

–        الملائمة : و بموجبها يتم اتخاذ مختلف التدابير الاقتصادية التي تمكن الناس من توسيع قدراتهم ، و من ثم تحقيق الرفاه .

–        الاستدامة : و بموجبها فأن التنمية البشرية يجب أن تكون مستمرة طويلاً .

–        الإنتاجية : و بموجبها يكون الاستثمار في البشر و يسمى الاستثمار في رأس المال البشري ,  بالإضافة الى رأس المال المادي .

–        التمكين : و بموجبه يتم التمكين في جميع جوانب الحياة .

الشكل رقم ( 2) : مكونات التنمية البشرية المستدامة

المصدر : إعداد الباحثان

و بذلك نستطيع القول أن مفهوم التنمية البشرية المستدامة يتصف  بكونه يدمج بقوة بين مختلف الأبعاد الاجتماعية  و الاقتصادية و البيئية و الثقافية للتنمية  ، و من ثم  فهو يتضمن العمل على تمكين الأفراد وتوسيع خياراتهم ، و هو  يشتمل  على المجموعات الاجتماعية بمختلف أشكالها والمجتمع ككل وليس على مستوى الأفراد فحسب , و عليه فأن إدراك الاستدامة هنا  لا يتم  إلا من خلال إدراك كونها هدف مجتمعي واسع النطاق و متشعب الخيارات و الأهداف . و بذلك تعد التنمية البشرية المستدامة بمثابة فلسفة حياتية و رؤية للعالم بأسره بكل أبعاده و متغيراته ، غايتها تشكيل القدرات البشرية ، و تحسين المعارف و المهارات لعموم المجتمع ، للأجيال الحالية و القادمة ، من أجل تحسين نوعية الحياة للعنصر البشري .  و من هنا سيتم التركيز على ( التعليم ) هدفاً للتنمية البشرية المستدامة في المحاور اللاحقة .

المحور الثاني : التنمية البشرية المستدامة و التعليم : نظرة موجزة للعلاقة التبادلية

يساعد التعليم  الإنسان في تحقيق النجاح و بقية أهدافه المتمثلة بإثبات الذات و المهارات  التي يمتلكها  ، من خلال قدرته ( أي التعليم )  على تذليل المصاعب أولاً ، و خلق سبل الريادة و الابتكار ثانياً  ، كل ذلك في سبيل أن يكون ذلك الإنسان عنصر مهم و مؤثر و فاعل في عموم المجتمع . و يعد التعليم ضرورياً لتقدم أي مجتمع ، و الدليل على ذلك هو السباق العالمي في امتلاك أكبر قدر من المؤسسات التعليمية و البحثية و تخصيص أكبر الميزانيات للإنفاق على البحث العلمي (ادريس لكريني ،2009، 52)  .

يعد العنصر البشري المصدر الرئيس لقوة المجتمع و المؤسسة الاقتصادية ، لذلك فأن التركيز على دعمه علمياً و معرفياً هو بمثابة شرط ضروري للنهوض بالمجتمع و المؤسسة الاقتصادية ، لهذا السبب فأن الاقتصاد العالمي  أصبح قائماً على دعم و نشر المعرفة لأجل تحقيق التنمية البشرية ، و يعد البحث العلمي من أهم وسائل إنتاج و نشر المعرفة و دعمها . من هنا جاء التركيز على دور التعليم في اكتساب المعرفة و ممارستها من أجل تحقيق كل غايات و أهداف التنمية البشرية المستدامة ، و هو يعمل على  تنمية القيم و المهارات التي تستهدف تحقيق التوازنات بين المجالات الاقتصادية  و الاجتماعية و البيئية بما يحقق الارتقاء بعموم المجتمع ، و يضمن جودة الحياة فيه (UNESCO,2008, 2)     .

إن التعليم الجيد هو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة)1)   , و الذي يشير صراحة الى ضرورة   ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع  Learning Life Long  إن هذا الهدف يعد  أوسع من مجرد الالتحاق بالمدارس، و هو يرتبط بكفاءة التعليم وتوافر المدارس الجيدة القادرة على تحقيق تطلعات التلاميذ و عوائلهم .

أن ابرز مؤشر للتنمية هو مؤشر التنمية البشرية HDI ، و هو يعتمد على الحالة التعليمية و المستوى التعليمي للشرائح السكانية ، و بموجبه أصبح الإنسان و مدى نموه و تطوره المعرفي و التعليمي  هو المعيار لهذا المؤشر . إن ( التعليم ) يهيئ القاعدة الأساسية لتطوير و تدعيم الجانب المعرفي ، كونه عنصر جوهري من عناصر الإنتاج و محدد رئيس للإنتاجية . إذ أن تكثيف المعرفة عن يساعد على تعزيز أركان القدرة التنافسية على الصعيد العالمي United Nations)  )   , الأمر الذي يمكن من الوصول الى أسواق جديدة و خلق فرص عمل جديدة ، و هذا يسهم بالنتيجة في خلق الثروة ، و ضمان نمو اقتصادي مستدام في الوقت الحاضر و المستقبل .

و عند الخوض في قضية دور التعليم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ، فأن  للتعليم  بكافة مفاصله دور مهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة عن طريق زيادة وتوجيه البحوث العلمية المتخصصة لغرض تحقيق أهداف التنمية المستدامة كونها الرافد الحقيقي للعلوم والتكنولوجيا ، وذلك لتهيئة وتطوير أجيال مستعدة لمجابهة الحاضر والمستقبل ولكافة الاختصاصات .

ويتمثل الدور الايجابي للتعليم  من خلال عدة أوجه في مقدمتها تركيز البحوث العلمية  لدراسة مشكلة الفقر بمختلف أبعادها ,  ولإيجاد الحلول والفرضيات المناسبة للتخفيف من  حدة الفقر باعتباره تحدي يواجه كافة المجتمعات في  العالم بأسره . من جانب آخر تتجلى أهمية التعليم  في توجيه البحوث لتحقيق استدامة موارد البيئة والاعتناء بالجانب البيئي والحفاظ على الموارد المتاحة واستدامتها . كذلك في إيجاد الحلول المناسبة للمساهمة في ترشيد استهلاك المواد الخام وديمومة الإنتاج وتحسين الطاقة . ناهيك عن الدور الذي يمكن أن يمارسه التعليم في دراسة وجود وتشييد المدن والمستوطنات البشرية الحضرية الحديثة والنقل المستدام ، و محاولة إيجاد الحلول لمشاكل المتغيرات الديموغرافية والتنمية السكانية من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية .

إن التعليم يسعى دائماً للبحث عن طرق وأساليب جديدة و جاذبة للتثقيف والتوعية المجتمعية و بالمعلومات المتعلقة بالتنمية المستدامة ،  و توجيه البحوث العلمية لتحقيق الاستجابة إلى متطلباتها  . كما إن للتعليم دور مهم في تحديد الصعوبات والمخاطر التي ستواجه عملية تنفيذ برامج وأهداف التنمية المستدامة  .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ –  اعتماد أهداف التنمية المستدامة المعروفة أيضاً بالأهداف العالمية، من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015، كدعوة عالمية للعمل من أجل القضاء على الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030

المحور الثالث : التعليم هدفاً للتنمية البشرية المستدامة في العراق : الواقع و التطورات

عندما يتعلق الأمر بالعراق ، فأن التساؤل سيكون : هل استطاع العراق أن يبلغ مستويات جيدة في تحقيق هدف التعليم الجيد ؟  و لغرض الوقوف بشكل قريب من الجواب الشافي , لابد من تتبع التطورات الآتية في تفاصيل هذا المؤشر و على النحو الآتي :-

قبل كل شي لابد من التعرف على بعض القضايا التي تخص واقع التعليم في العراق و في مقدمتها أن العراق كان يمتلك نظام تعليمي يعد من أفضل أنظمة التعليم على مستوى المنطقة ، و ذلك بحسب ما ورد في تقرير منظمة اليونسكو, وقد احتلت نسبة القادرين على القراءة والكتابة خلال مرحلة  السبعينات والثمانينات من القرن العشرين مراكز متقدمة , الى الحد الذي كاد أن يصل فيه الى القضاء على الأمية تماماً .

و قد صنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) النظام التعليمي في العراق كأحد أفضل النظم التعليمية على مستوى العالم ، و ذلك خلال عقد السبعينيات من  القرن الماضي ، إذ احتل العراق حينها المركز الأول عربياً ، و لكن بعد أكثر من أربعة عقود على ذلك التصنيف، أظهر مؤشر جودة التعليم الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في (دافوس)  خروج العراق وعدد من الدول العربية من معايير جودة التعليم العالمي . و ذلك بسبب افتقاره لمعايير المنافسة التعليمية الدولية التي يعتمدها المؤشر في التصنيف الدولي ( التعليم في العراق                                                                  (  https://rawabetcenter.com/archives

  وقد عانى التعليم في العراق كثيراً  بسبب الحروب المتتالية و العقوبات الاقتصادية والتدهور الأمني فيه , مما أثر سلباً على العملية التعليمية , و رفع من نسبة الأمية الى مستويات لم يشهدها من قبل تاريخ التعليم الحديث في العراق .

وبحسب ( اليونسيف ) فأن الصراعات وغياب الاستثمارات في العراق تسببت في دمار  نظامه التعليمي الذي كان يعد فيما مضى أفضل نظام تعليمي في المنطقة، وأعاقت بشدة وصول الأطفال إلى التعليم الجيد ، حيث أن هناك اليوم ما يقرب من ( 3.2 ) مليون طفل عراقي في سن الدراسة خارج المدرسة ، و ان ( 54٪ ) من الأطفال من الخلفيات الاجتماعية الفقيرة لا يكملون تعليمهم الثانوي، وينتهي بهم المطاف في سوق العمل غير الرسمي، فيصبحون عرضة للإساءة والاستغلال (التعليم في العراق،     (https://rawabetcenter.com/archive       و يمكن متابعة التطورات في قطاع التعليم في العراق انطلاقاً من مرحلة التعليم الابتدائي ، الذي نلحظ ابرز تطوراته من خلال الجدول ( 1 ) ، و الذي يسجل تحسناً في أغلب تفاصيله ، إلا أن هذا التحسن و الارتفاع في النسب كان متواضع جداً ، و لا يعبر عن طفرة نوعية في مجال التعليم الابتدائي  , و كما هو مبين في الجدول أدناه :-ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • مؤشر دافوس هو مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي في دافوس بموجبه يتم إصدار ترتيب عالمي للدول سنويا حسب تطور جودة التعليم لديها، ويعتمد التقرير على 12 معيارا هي :

. المؤسسات والابتكار 2. بيئة الاقتصاد الكلي 3. التعليم الجامعي 4. التدريب 5. الصحة 6. التعليم الأساسي 7. كفاءة أسواق السلع 8. كفاءة سوق العمل 9. تطوير سوق المال 10. الجاهزية التكنولوجية 11. حجم السوق 12. تطوير الأعمال والابتكار.

الجدول ( 1 ) : مؤشرات التعليم الابتدائي في العراق بعد 2003

المصدر : الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات ، مديرية الإحصاء الاجتماعي و التربوي ، المجموعة الإحصائية السنوية ، سنوات مختلفة .

و مما تجدر الإشارة إليه أن  معدل إكمال التعليم الابتدائي (  عدد الأطفال الناجحين من الصف السادس الابتدائي الى عدد السكان في الفئة العمرية المناسبة لإكمال المرحلة )  منخفض  في العراق بالمقارنة مع بقية الدول  النامية إذ يبلغ هذا المعدل حوالي  ( 7.75 % ) وفق نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات لعام 2018 (جمهورية العراق ،2018 ،27)  , بالرغم من أن هذا المؤشر كان  يعد من بين  مؤشرات تحقيق  أهداف الألفية ، والذي كان بالإمكان تحقيق تقدم أفضل فيه  مقارنة بما هو متحقق فعلاً  . من جانب آخر بلغ معدل الالتحاق الصافي في سن الدراسة  للمرحلة الابتدائية التي تقع ضمن الفئة العمرية ( 6- 11  عاما ) حوالي  (  0.94 % )  للعام الدراسي (  2017-2018  ) ، و أنخفض هذا المعدل  الى (  0.55 % ) للمرحلة المتوسطة التي تقع ضمن الفئة العمرية ( 12 – 14  عاما )، والى  ( 0.28 % ) للمرحلة الإعدادية التي تقع ضمن الفئة العمرية ( 15-17 ) عاماً (جمهورية العراق ،http://www.cosit.gov.iq ) . كما بلغت  نسبة الأطفال المسجلين في رياض الأطفال ( 9.2 % ) فقط. كما تظهر المؤشرات تفاوتا بحسب الجنس، إذ ارتفعت نسبة الالتحاق في الابتدائية الى ( 96 % ) للذكور  مقابل ( 93 % ) للإناث ،  وفي المتوسطة ( 56 % )  للذكور مقابل (  54 % ) للإناث . و المرحلة الإعدادية كانت نسبة الالتحاق ( 30 % )  للبنات مقابل (  26 % للذكور ,  بسبب تسرب الذكور  والالتحاق بسوق العمل مبكرًا.

أن المؤشرات الخاصة بالتعليم الثانوي ، يمكن ملاحظة ابرز تطوراتها من خلال الجدول ( 2 ) ، و الذي يسجل تحسناً في أغلب تفاصيله ، إلا أن هذا التحسن و الارتفاع في النسب كان متواضع جداً كما هو واضح من التحليل السابق ، ناهيك عن استمرار تزايد أعداد الطلبة التاركين للتعليم الثانوي لأسباب عدة يأتي في مقدمتها سوء المستوى المعاشي و صعوبة الاستمرار في الدراسة في ظل ذلك ( كما ذكرنا سابقاً ) ، و يوجد في العراق ما يقدر بحوالي ( 2.1 ) مليون طفل تتراوح أعمارهم بين ( 6 و 17 ) عاما خارج المدرسة ، نصفهم تقريباً في الفئة العمرية للمدارس الثانوية. على الرغم من التحسينات في السنوات الأخيرة، و إن معدلات المشاركة التعليمية المنخفضة نسبيا في العراق تعني بقاء أكثر من مليوني طفل ومراهق خارج المدرسة .  علماً أن الزيادات المتحققة في التعليم الثانوي كما هو الحال في التعليم الابتدائي  لا تعبر عن حصول طفرة نوعية فيه , و كما هو مبين في الجدول أدناه :-

الجدول (2) : مؤشرات التعليم الثانوي في العراق بعد 2003

 

المصدر : الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات ، مديرية الإحصاء الاجتماعي و التربوي ، المجموعة الإحصائية السنوية ، سنوات مختلفة .

إن غالبية المؤشرات الدالة على حالة المدارس في العراق تشير الى تدهور نوعية البيئة المدرسية ، إذ يوجد هنالك انخفاض مستمر في الأبنية المدرسية ، ناهيك عن تفشي ظاهرة الازدواج المدرسي (أي إشغال مدرستين لبناية واحدة )، فضلاً عن اكتظاظ أعداد  الطلبة. إذ يبلغ العجز في الأبنية المدرسية حوالي (  6484 ) مدرسة، و يمكن أن يرتفع هذا العدد الى حوالي (  8147 )  مدرسة عند إضافة الأبنية المتضررة . فيما تبلغ معدلات طالب/صف حوالي ( 37 و 41  ) في المدارس الابتدائية والمتوسطة و الإعدادية( جمهورية العراق ،2018-2022،216)  .

و بالرغم من المساعي الحثيثة للنهوض إلا أن  هنالك تراجع في أداء العديد من مؤشرات  القطاع التعليمي في العراق ، و يعود  ذلك لأسباب عدة من بينها : استمرار تقادم المناهج التعليمية بالرغم من التحديثات الجارية إلا أنها تبقى محدودة  ،  كذلك قلة الاهتمام بالتطوير المهني للمدرسين الذي و إن حصل فأنه بمستويات متواضعة و محدودة ، إذ أن الدعم لا زال غير كافي لمرشدي المدارس وبرامج التعلم ، و بهذا الصدد يمكن أن نذكر معضلة مهمة أن وقت التدريس في العراق قصير بالفعل وفقا للمعايير الدولية ، و السبب وراء ذلك إن نسبة من الطلاب تصل الى ( 25 % ) من عددهم الإجمالي  في عام 2018،  لم يتمكنوا من حضور الدرس بسبب غياب المعلم ، أو بسبب إغلاق المدرسة لظروف مختلفة ،  بالإضافة الى ذلك لازالت العملية التعليمية غير واضحة الأهداف و ذلك لقلة الاهتمام بالدراسات التي تحدد نوعية و طبيعة مخرجات العملية التعليمية و المتطلبات الفعلية لسوق العمل  ، الى جانب استمرار زيادة معدلات التسرب للأسباب الآنفة الذكر ، ناهيك عن عدم وجود  نظام مستقر للامتحانات بسبب تباين الظروف المحيطة بالبيئة التعليمية و غالبيتها معيقة و معرقلة لأداء الامتحانات بشكل سليم و تجليات ذلك واضحة بالظروف الطارئة الأمنية و السياسية و الوبائية التي شهدها العراق في الآونة الأخيرة  , كذلك يضاف للأسباب الآنفة الذكر استمرار  انخفاض مخصصات ميزانية التعليم ,  و تقادم  البنى التحتية للقطاع التعليمي في العراق ,و  يؤثر النقص في البنية التحتية التعليمية بشكل كبير على القدرة على تقديم خدمات تعليمية عالية الجودة  , إذ  يبلغ متوسط عدد الطلاب في المدرسة الواحدة بما يقارب الـ (  400 ) طالب مع مشاركة عدد من المدارس في بنايات و ملحقات واحدة .

أما المؤشرات الخاصة بالتعليم الجامعي  ، فيمكن متابعتها  من خلال الجدول ( 3 ) ، و الذي يسجل تحسناً في أغلب تفاصيله ، إلا أن  هنالك تراجع واضح في عدد الطلبة الى عدد أعضاء الهيئة التدريسية ، و كذلك في عدد الطلبة الى عدد الجامعات , و  كما هو مبين في الجدول أدناه  ، و مما هو جدير بالذكر أنه يوجد في العراق ( 35 ) جامعة حكومية تنتشر في عموم محافظاته تضم ( 382 ) كلية  , ويوجد أيضا ( 51  ) كلية أهلية  :-

الجدول (3) : مؤشرات التعليم الجامعي في العراق بعد 2003

المصدر : الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات ، مديرية الإحصاء الاجتماعي و التربوي ، المجموعة الإحصائية السنوية ، سنوات مختلفة .

و بحسب  تقارير للبنك الدولي تخص الأوضاع الاقتصادية والتنموية في العراق https://documents1.worldbank.org) )  ، فأنه يواجه  أزمة ذات علاقة  برأس المال البشري سببها أداء قطاع

التعليم فيه ،  إذ أن  الطفل المولود في العراق اليوم  من المتوقع أن تصل إنتاجيته إلى  ( 41 % )  عندما يكبر، و بهذا فأن العراق  يقع حالياً و مستقبلاً  ضمن المستويات المنخفضة من مؤشرات رأس المال البشري في المنطقة .  و من أهم الأسباب التي تقف وراء  ذلك عدم الاستقرار الأمني و السياسي ، وغياب الإصلاحات، ومحدودية الفرص المتاحة للشباب، والاضطرابات الاجتماعية، والفساد الإداري و المالي  .

و تشير نفس التقارير(https://documents1.worldbank.org ) , الى أن العراق ينفق  أقل من (10% ) من ميزانيته العامة على التعليم (الأولي والعالي) مقارنة بمتوسط ما يتم إنفاقه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، في حين تشكل رواتب المدرسين والموظفين حصة عالية من الإنفاق على التعليم العام تصل الى  ( 93 % ) ، بينما يتم تخصيص (  1% ) فقط من ميزانية الاستثمار في العراق للقطاع التعليمي ، و هذا الانخفاض في معدلات تنفيذ الميزانية الاستثمارية أثر سلباً و بشدة على أداء نظام التعليم إلى جانب أداء باقي القطاع العام . و يقدر البنك الدولي أن إجمالي الإنفاق الحكومي على التعليم في العراق (التربية والتعليم العالي- باستثناء إقليم كوردستان) في عام 2019 قد  بلغ حوالي ( 10.8 ) تريليون دينار عراقي. و  يمثل هذا زيادة طفيفة مقارنة بـ (  10.0)  تريليون دينار عراقي  في عام 2018، لكنه يمثل انخفاضا من حوالي ( 11.6 ) تريليون دينار عراقي في عام 2013. و إن الإنفاق الحكومي في العراق يشكل حوالي  (9.7 %) و هو اقل بكثير عن المعدل الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبالغ (  14.0%).

إن الحقائق السابقة جعلت التعليم في العراق مهدد بالتدني في المستوى العام مقارنة  ببقية الدول ( و في أضيق نطاق يمكن أن تكون المقارنة بالدول العربية ) ، و بهذا الصدد فأن الترتيب العالمي للدول بحسب  مؤشر “دافوس” لجودة التعليم في عام 2019 أظهر  خروج 6 دول عربية من التقييم من بينها العراق:        https://data.albankaldawli.org/indicator/GB.XPD.RSDV.GD.ZS))، و كما هو مبين في الشكل أدناه :

                     الشكل ( 3 ) : تصنيف الدول العربية في مؤشر جودة التعليم لعام 2019   

المصدر : تصنيف الدول العربية بمؤشر جودة التعليم ، متاح على النت على الموقع :      https://arabi21.com/story

و من جانب آخر ، فأنه  بحسب معهد اليونسكو الإحصائي أن نسبة  الإنفاق على البحث و التطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي  في العراق لم تتجاوز الـ ( 0.04  % )  حتى نهاية عام 2018 (https://data.albankaldawli.org/indicator/GB.XPD.RSDV.GD.ZS) , و هي نسبة ضئيلة جدا  مقارنة بدول عربية أخرى مثل : ( الإمارات ،  قطر ، مصر ، عمان ) ، إذ بلغت هذه النسبة فيها     (  1.30 % ,  0.51 %  ، 0.72% ، 0.22 % ) على التوالي((http://observatory.alecso.org/Data/2021    , و هذا يسجل مؤشر سلبي آخر على الاهتمام بالقطاع التعليمي بكافة مفاصله في العراق  ، و يمكن بيان تلك الحقيقة من خلال الشكل الآتي :

الشكل (4 ) : تطور نسبة النفقات على البحث و التطوير من الـ GDP في العراق مقارنة مع الدول العربية للمدة

 ( 2013- 2018 )

المصدر : البنك الدولي – معهد اليونسكو للإحصاء – تقديرات مرصد الألكسو , متاح على الموقع :  http://observatory.alecso.org/Data/2021

 إن التراجع في أداء قطاع التعليم و بناءاً على القراءة السابقة ، قد تضافرت جملة من العوامل فأدت إليه ، و هو ما يمكن إيجازه بالشكل الآتي :

الشكل (5 )  : العوامل التي ترتب عليها تراجع أداء قطاع التعليم في العراق

المصدر : أعداد الباحثان

الخـــــــــــــاتمة 

نستنتج مما سبق إن العوامل السابقة بتجلياتها و انعكاساتها السلبية تفضي الى حقيقة تتقاطع مع تحقيق الهدف الأبرز من بين أهداف التنمية البشرية المستدامة في العراق ، إلا و هو هدف (  التعليم الجيد ) ، و بذلك نستطيع القول انه لازال هنالك المزيد من الإجراءات التي على العراق إن يعتمدها للوصول الى تحقيق هذا الهدف ، و من ابرز تلك الإجراءات هي مواجهة التحديات الحالية عن طريق إعطاء الأولوية للاستثمارات في التعليم على المدى المتوسط  الذي يعد ضرورياً و من الأولويات المتنافسة  على موارد الميزانية العامة  خلال المرحلة المقبلة و توسيع نصيب الإنفاق على التعليم , و توجيه موارد عامة إضافية للمناطق والمجموعات الأكثر احتياجا . الأمر الذي يفرض زيادة نصيب التعليم في الميزانية العامة  من خلال تعزيز الإنفاق الاستثماري  . و كذلك يعد ضرورياً جداً العمل على تحقيق  المساواة في الإنفاق على التعليم و تحسين النتائج التعليمية للأطفال من الأسر والمناطق الفقيرة  . الى جانب التأكيد على المواجهة السليمة و المدروسة للتحديات المؤسساتية وإدارة المالية العامة في التعليم. و  تحسين فعالية إدارة قطاع التعليم من خلال الترتيبات المؤسساتية المبسطة التي تفضي بشكل أكبر إلى تحقيق النتائج الايجابية المرجوة .

و في الختام من الضروري اعتماد  إستراتيجية واقعية و فاعلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ويتم العمل على وضع آليات سليمة  لتقييم هذه الاستراتيجية , و وضع معايير للتقييم بما يتلائم والبيئة الوطنية للبلد مع ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي حققت نجاحات و طفرات نوعية في قطاع التعليم فيها , و يكون ذلك عن طريق إشراك أساتذة الجامعات والكليات و المدرسين و المعلمين  والخبراء الوطنيين وأصحاب المصلحة (أفراد المجتمع) لغرض إنجاح الاستراتيجية المشار إليها  .

المصــــــــــــادر

1-      الأمم المتحدة ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، تقرير التنمية البشريـة ، 1992 .

2-      مدحت محمد كاظم القريشي , التنمية الاقتصادية ( النظريات و سياسات موضوعية ) , عمان ، دار وائل للنشر و التوزيع ، الطبعة الأولى ، 2007 .

3-      البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تقرير التنمية البشرية لعام 1994.

4-      حازم الببلاوي ، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر ، سلسلة عالم المعرفة  ، الكويت ، 2000 .

5-      Barbara, Ingham, Economics and Development, Mc Graw – Hill Book Company Ltd London, 1995

6-      آمال شلاش: التنمية البشرية المستدامة المنظور العام ومنظور الخصوصية , بحث منشور في دراسات في التنمية المستدامة في الوطن العربي- منشورات دار الحكمة – بغداد, عام 2001.

7-      البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تقرير التنمية البشرية لعام ، 1999.

8-      إدريس لكريني ، البحث العلمي و رهانات التنمية في المنطقة العربية ، مركز أسبار للدراسات و البحوث و الأعلام ، 2009  .

9-      UNESCO: Regional Guiding Framework of Education for Sustainable Development in the Arab Region, Beirut, 2008.

10-    United Nations, Transforming our world: the 2030 Agenda for Sustainable Development ,Sustainable Development knowledge platform.

11-    التعليم في العراق : الواقع و الطموح  , مركز الروابط للبحوث و الدراسات الاستراتيجية ، 2021 , متاح على الموقع :                                                                             https://rawabetcenter.com/archives

12-    التعليم في العراق : الواقع و الطموح  , مركز الروابط للبحوث و الدراسات الاستراتيجية ، 2021 , متاح على الموقع :                                                                             https://rawabetcenter.com/archives

13-    الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات ، مديرية الإحصاء الاجتماعي و التربوي ، المجموعة الإحصائية السنوية ، سنوات مختلفة .

14-    جمهورية العراق، وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، مؤشرات البيئة والتنمية 28 المستدامة ذات الأولوية في العراق، بغداد، 2018 .

15-    جمهورية العراق , وزارة التخطيط  , الجهاز المركزي للإحصاء , البيانات متاحة على  الموقع : http://www.cosit.gov.iq

16-    الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات ، مديرية الإحصاء الاجتماعي و التربوي ، المجموعة الإحصائية السنوية ، سنوات مختلفة .

17-    جمهورية العراق، وزارة التخطيط، خطة التنمية الوطنية 2018 – 2022    .

18-    البيانات المتاحة على الموقع :                                          https://documents1.worldbank.org

19      البيانات المتاحة على الموقع :                                          https://documents1.worldbank.org

20-    البيانات المتاحة على الموقع : https://data.albankaldawli.org/indicator/GB.XPD.RSDV.GD.ZS

21-    تصنيف الدول العربية بمؤشر جودة التعليم ، متاح على النت على الموقع :             https://arabi21.com/story

22-    البيانات المتاحة على الموقع : https://data.albankaldawli.org/indicator/GB.XPD.RSDV.GD.ZS

23-    البنك الدولي – معهد اليونسكو للإحصاء – تقديرات مرصد الألكسو , متاح على الموقع : http://observatory.alecso.org/Data/2021

 

About Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *