د.بهيجة اشفيرة

   أستاذة زائرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط

bahijachfira25@gmail.com

00212619523046

الملخص

كثرت الخلافات النحوية في المسائل الأصلية و الفرعية في الدرس النحوي العربي ما نجم عنه عدة مدارس نحوية منها ما اعتمدت على القياس والتعليل مثل المدرسة النحوية البصرية ومنها ما ضربت الصفح عن ذلك كالمدرسة الكوفية ومنها ما أسست رؤيات مختلفة كمدرسة مصر الأندلس التي قام علماؤها بتبني المدرسة الكوفية التي نشأت وقويت شوكتها في الكوفة بالعراق أيام العباسيين، ومن أعلام هذه المدرسة الكسائي وتلميذه الفرَّاء وفي الأندلس نجد السهيلي وابن طراوة وابن مضاء وأبي حيان الأندلسي وغيرهم كثير الذين تأثروا بالنحو الكوفي من خلال تأثيره في التفسير وتوجيه القراءات والحديث الشريف، فضلًا عن تفسير العلماء لما أشكل من الشعر العربي، ما جعلنا نوَلّي عنايتنا لمقاربة أسباب ونتائج تبني المدرسة الكوفية النحوية في الأندلس ومدى إيثارها عن المدرسة البصرية باعتبارها مؤسسة معرفية مشرقية تمَّ رفض معارفها من قبل علماء الأندلس.

الكلمات المفتاحية:

المدارس النحوية-  الاتجاه الكوفي- علماء الأندلس- الساحة اللغوية الأندلسية

Adopting the Kufic grammar school in Andalusia

Bahija Ashfira

Visiting professor at the Faculty of Arts and Human

 Sciences in Rabat

 

Abstract:

Building the Kufic Grammar School in Andalusia

There were many grammatical disagreements regarding the original and subsidiary issues in the Arabic grammar lesson resulted in several grammatical schools, some of which relied on analogy and reasoning, such as The visual grammatical school, and some of them did not criticize this, such as the Kufi school, and some different visions were established, such as the Egyptian Andalusian School, whose scholars adopted the school The Keffiyeh, which

originated and became strong in Kufa, Iraq, during the Abbasid days, is one of the most prominent figures of this type The school of Al-Kasa'i and his student Al-Farra'. In Andalusia,

We find Al-Suhayli, Ibn Tarawa, Ibn Muda' a and Abu Hayyan Al-Andalusi and many others who were influenced by Kufic grammar through its influence on… Interpretation and guidance of readings and noble hadith, as well as scholars’ interpretation of what is problematic, Arabic poetry, which made us pay attention to approaching the causes and consequences of adopting the Kufic school. Grammar in Andalusia and the extent of its preference for the visual school as an institution of knowledge a Levantine whose knowledge

was rejected by Andalusian scholars.

keywords: Grammatical schools- Kufic trend – Andalusian scholars – Andalusian linguistic area.

 

 

كان لعلم النحو اهتمام بالغ عند الأندلسيين لوشيجته الوثقى بمصدريْ التشريع الإسلامي: القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف اللذان حاول العلماء صوْنهما لذيوع اللحن في العربية الفصيحة ما جعل أبا الأسود الدؤلي(االزبيدي ، دت، ص.21 ) (ابن تغري، دت، ص.182) في المشرق بإيعاز من علي كرم الله وجهه يجدد علم النحو.

كما زاد اهتمام الأندلسيين بعلم النحو رغبةً منهم في نشر اللغة العربية في أوساط الإسبان المستعربين بشكل ينآى عن التعقيد والشذوذ اللغوي الذي ساد في المدرسة النحوية البصرية، لذلك نحا الأندلسيون إلى  تبسيط علم النحو ورفض كل ما يعقد المعنى النحوي، وذلك لسببين:

الأول: ويتعلق بالجمل والكلمات التي تلقن لطلاب هذا العلم طالما الجملة تتكون من كلام ومفردات، والمفردات هي مكونات الجمل، والنحو يدرس الجملة وليس المفردة أي إن علم النحو يُستَدعى بعد اكتمال الجمل.

الثاني: ويتعلق بالمعلمين أنفسهم الذين لم يتعمقوا كثيرا في علم النحو إلا بعد الرحلات العلمية التي عُقِدَت إلى المشرق العربي طلبا للعلم الشرعي واللغوي وغيرهما من العلوم(الطنطاوي،1995، ص.10).

ويعتبر الجودي بن عثمان(الزبيدي،دت، ص.256 )أول نحاة الأندلس الذين رحلوا إلى المشرق لدراسة النحو على يد نحاة المدرسة الكوفية كالكسائي والفرّاء ليرحل إلى الأندلس مدرسا على النحو إلى حين وفاته.

شأنه شأن عبد الملك بن حبيب السلمي (ت238هـ) (الزبيدي،دت، ص.260) (الحميدي،1966،ص.282) الذي كان من أكابر علماء اللغة في الأندلس حيث تأثر كغيره من علماء الأندلس بالنحاة المشارقة أخذاً بمذاهبهم النحوية والفكرية كوفيةً كانت أو بصريةً مثل محمد بن عبد الله بن سوار الذي أخذ علم النحو عن أبي حاتم السجستاني البصري(الزبيدي،دت،ص.260) (ابن الفرضي،1408ص.178)الأمر نفسه نلفيه مع النحوي الأندلسي الغازي بن قيس الذي تحلق حول الأصمعي البصري (الزبيدي،دت،ص.255) (ابن الفرضي،1408ص.272).

وهكذا ظل علماء الأندلس ينهلون من الكتب النحوية المشرقية دراسة ومُدارسة، يلقونها إلى طلابهم وينهمكون على شرحها والتعليق عليها وتصويب أخطائها أحيانا، فحسب العالم البغل وضع كتابا في شرح كتاب الكسائي، وصنف ابن العريف كتابا في شرح الجمل للزجاجي فضلا عن كتاب أبي بكر الزبيدي الذي صحح من خلاله كتاب العين للخليل وسماه (استدراك الغلط والواقع في كتاب العين) علاوة على كتاب ابن السِّيد البطَلْيوسي المسمى: (إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل)، وكان كتاب سيبويه أكثر الكتب المشرقية شرحا وتوضيحا من قبل علماء الأندلس.

وبعد أن قويت شوكة الأندلسيين في علم النحو ودخل كل حلقات الدرس، التمسوا من أنفسهم القدرة على  تخطي الكتب المشرقية وشرحها، فوضعوا مؤلفات نحوية ابتداء من القرنين الثالث والرابع الهجريين، منها اقتضابا:

أ) كتاب في النحو للنحوي الأندلسي الأول جودي بن عثمان. (الزبيدي،دت،ص.256).

ب) مصنف في النحو لأبي بكر بن خاطب (الزبيدي،دت،ص.273).

ج) كتاب ألفه في العربية ابن أبي غزالة(الزبيدي،دت،ص.259).

د) مصنف في اللغة والنحو لخطيب الكلبي (الزبيدي،دت،ص.259).

هـ) كتاب نحوي أخذه الناس عن يحيى بن عبد الرحمن الملقب بالأبيض(ابن الفرضي،1408،ص.433).

و) كتاب غريب الحديث لعبد الملك بن حبيب، كان فقيها نحويا لغويا عروضيا شاعرا(ابن فرحون ،دت،ص.154).

ز) الواضح في العربيةولحن العوام وطبقات النحويين واللغويين لأبي بكر الزبيدي.

ط) كتاب الأفعال وكتاب المقصور والممدود لابن القوطية.

ح) كتاب العالم والمتعلم على المساءلة والجواب لمحمد بن أبان بن سيد(ابن الفرضي،1408،ص.347) (الحميدي،1966،ص.381).

والملاحظ أن هذه المصنفات وغيرها امتاحت من النحو الكوفي ضاربة الصفح عن نحو البصرة، ولعل هذا التوجه من لدن الأندلسيين وجد ما يبرره:

أولا:نشأة المدرستين: فالمدرسة البصرية وجهت اهتمامها الى النحو العربي قبل المدرسة الكوفية بنحو مائة عام تقريبا حين كانت المدرسة البصرية قد اكتملت آراؤها النحوية وأصبحت منتشرة في البلاد؛ ولمّا جاء الأندلسيون لطلب النحو العربي، وجدوا النحو الكوفي في بدايته، والآراء النحوية عندهم بسيطة وبعيدة عن التعقيد فاخذوا بها لأنهم وجدوا فيها سهولةً ويُسراً يناسب مستواهم العلمي في مجال النحو العربي الذي أصابه بعض التعقيد من المدرسة البصرية، لذلك كانت المدرسة الكوفية وآراؤها البسيطة محط اهتمام الأندلسيين المبتدئين في هذا العلم.

ثانيا:كثرة الرواية عن العرب: فالمعروف عن المدرسة الكوفية وعن علماءها أنهم كانوا أهل شعر ورواية عن العرب وفصحائهم، لذلك ابتعدوا إلى حد بعيد عن القوانين المنطقية والأقْيِسَة العقلية، في حين أن البصرة وعلماءها لم يكونوا على الدرجة نفسها من موقف الكوفيين في الشعر وأخبار العرب، لذلك عوضوا هذا النقص بالاعتماد عل العقل قياسا وتشددا (مختار،2003،ص.138) إذ كانوا يرون الخطأ بالقياس جريمة لا تغتفر في حين أن الخطأ في الرواية أمر بَدَهِيٌّ لا باس به.

وهذا ما عبر عنه  أبو علي الفارسي حين قال: (أخطئُ في خمسين مسألة في اللغة العربية ولا أخطئ في واحدة من القياس). (ضيف،دت، ص.264) ، ونتيجة لهذا التشدد في القياس والاعتماد على المنطق، جفل الأندلسيون المبتدئون من النحو البصري وتعقيداته واتجهوا إلى النحو الكوفي المؤسَّس على السماع والتقليل في القياس.

ثالثا: اعتماد الكوفيين على السماع والليونة في القياس، ولعل هذا الأمر كان أقرب إلى الواقع لأنهم لم يهتمّوا بالكثرة أو بالقلة، ولا يرى الكوفيون أي سبب لتفضيل لهجة على أخرى أو قبيلة على أخرى، فكل القبائل عندهم فصيحة اللغة، فهم يعْتدّون بكل ما جاء عن العرب. (بدوي،.2021، ص.12)، فكان من التيسير الذي اتبعه الكوفيون في أخذ النحو ووضع قواعده محط اهتمام الأندلسيين لذلك اعتنوْا بالمسموع الميسر – النحو الكوفي – وابتعدوا عن غيره.

رابعا: طبيعة الكتب الكوفية التي درسها الأندلسيون: ففي البداية كانت سهلة وبسيطة بخاصة الكتاب الأول الذي دخل إلى الأندلس على يد النحوي الأندلسي الأول جودي بنن عثمان، فهذا الكتاب وإن كان صغيرا ومختصرا  فإنه كان جميم وعميم الفائدة دون توسع في القياس أو عمق في الأفكار، فكان خير وسيلة تعليمية لناس حديثي العهد بعلم النحو العربي، حيث كان كل مبتغاهم هي القاعدة النحوية التي تساعدهم على فهم كتاب الله العزيز والحديث النبوي الشريف وفهم اللغة العربية وإفهامها للمستعربين من الإسبان.

وتعاقبت السنون والنحو الكوفي يسيطر على الساحة اللغوية الأندلسية حتى تشرَّبَ الأندلسيون بالنحو العربي ووجدوا أنفسهم قادرين على تجاوز النحو المختصر إلى نحو البصرة قياسا وأحكاما لتجاوز الاضطراب الذي أحدثه الاعتماد على السماع. (ضيف،دت، ص.162).

ولعل مناصرة النحو الكوفي من قبل الأندلسيين يُعْزى إلى تأثرهم بالمذاهب الفقهية والاستعانة بالنحو لطلبها، مثل العالم أحمد بن الأعرج. (الزبيدي،دت،ص.253) الذي كان نحويا فقيها على المذهب المالكي، وأبي صالح المعافري والغازي بن قيس الذي كان يحفظ موطأ الإمام مالك. . (الزبيدي،دت،ص.45)  إذ أثر المذهب المالكي في النحو الأندلسي تأثيرا واضحا تجلى بكثرة الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف(الهيثي،1993،ص.28)، ومنهم من كان شافعي المذهب على قلتهم مثل ابن الأغبس (الزبيدي،دت،ص.282) (ابن الفرضي،1408،ص.37) وغيره من العلماء ممن تعجّ بهم كتب التراجم من النحاة والفقهاء الأندلسيين(الزبيدي،دت،ص.260.289.295.302.307).

أما المذهب الفقهي الذي كان له عظيم الأثر في تبني النحو الكوفي في الأندلس هو المذهب الظاهري الذي تأسَّسَ على الأخذ بظاهر النص القرآني والحديثي دونما الحاجة إلى التأويل وتحميل النص مفهوما من غير منطوقه؛ ويعتبر ابن حزم إمام هذا المذهب والذي كانت له أيضا مكانة بالغة في علم النحو على عهده إذ كان يرفض كل قياس أو اجتهاد أو جدل أو علة.

وقد تبنى ابن حزم فكره الظَّاهِري في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) حيث فنّد من خلاله التعليل والتأويل الفقهيين ودعا إلى الأخذ بظاهر النص(خليفة،1986، ص.39) شأنه في ذلك شأن ابن مضاء القرطبي الذي جاء بعد ابن حزم زُهاء قرن ونصف فتبنّى أفكاره النحوية والفقهية ونادى ببطلان العلل النحوية في كتابه الظّاهري الشهير (الردُّ على النُّحاة).

ويمكن إيعاز تبني التيار الكوفي في النحو العربي بالأندلس فضلا عن المذهب الفقهي الظاهري هو المناظرات النحوية بين أصحاب المذاهب المتصارعة في الأندلس، فكان تأثير الفقهاء والمتكلمين جليا في النحاة بخاصة فيما يتعلق بالقياس والتعليل لتقدير والتأويل (الظاهري،1345، ص.20) وغيرها من الإِوَالِيَات النحوية التي نادى بها سيبويه في (الكتاب) وغيره من العلماء، أمثال: يونس بن حبيب ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وأبي زيد الأنصاري ما أفضى بالنحو العربي البصري خصوصا إلى متاهات التعقيد والغوص في لُجَج الصعوبة ومَطَبّات التقديرات، لذلك كان لابد من استعاضة الصعب باليسير واستبدال النحو البصر بالنحو الكوفي لأهداف توخاها الأندلسيون، وهي:

أ)تخليص النحو مما أقحمه فيه بعض العلماء وهو ليس منه حتى بدا هذا العلم غريبا على علماء اللغة أنفسهم وأصحاب السليقة في اللغة، فقد رُوِيَ أن أعرابيا وقف على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو وما يدخلونه معه، وعجب وأطرق، فقال الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟، قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس في كلامنا(التوحيدي،دت، ص.139) ، وعليه فالنحاة يتكلمون اللغة ولكنهم يقحمون فيها ما ليس منها ما أثار استهجان ذاك الأعرابي.

ب)تنظيم الأبواب النحوية وترتيبها، حيث كانت تعاني بعض المصادر النحوية من الاضطراب في توالي الأبواب وفي توزيع مكونات الباب الواحد، فضلا عن الغموض في العناوين التي وتُوسَمُ بها مع غياب الدقة في الاصطلاحات وصعوبة الاهتداء إلى مسائل النحو وإشكالاته وأحيانا عدم التطابق بيسين العنوان وما يتضمّنُه، ويمثل كتاب سيبويه نموذجا لهذه الأحكام على الرغم من أنه يمثل أكمل وانضج مصنف في التأليف النحوي قديما وحديثا، فقد روى المبرد عن المازني أنه قال: قرأ علي رجل كتاب سيبويه في مدة طويلة، فلمّا بلغ آخره، قال لي: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأمّا أنا فما فهمتُ منه حرفا) (النجدي،دت، ص.159) ؛ ولهذا نجد ثُلّة من العلماء جنحت لشرح هذا الكتاب والتعليق عليه وشرح غربيه وعيونه ونُكتِه والاستدراك على ما فاته من الأبْنِيَة.

ج)الاختصار والإيجاز غير المخلّ لأن معظم كتب النحو كانت يُنْفَرُ منها بسبب الطول الناجم عن الاستطراد والتكرار والحشو ومعالجة المسائل الدخيلة التي لا علاقة لها بالنحو، علاوة على الشغف بالقياس والإغراق في تتبع العلل والإكثار من التقسيمات والتفريعات(عبد الوارث،1985، ص.27)  فضلا على التعمق في المسائل الخلافية (فحسبك أن تقرأ باب كان وأخواتها والملحقات بها أو غيرها من النواسخ في الهمع أو ابن عقيل أو الأشموني وحاشيته فترى العجب من أمر الخلاف، وهذا الخلاف والتفرق في كثير من القواعد النحوية كان أظهر للعيوب فيها وأكبر العقبات في تحصيلها والوصول فيها إلى ضوابط محدودة سليمة يسهل استخدامها والاستعانة بها في التفاهم الكلامي والكتابي على وجه محكم دقيق)؛ ومن نماذج ذلك على سبيل المثال أن الأشموني أَوْصَلَ معمول الصفة المشبَّهَة إلى اثنتين وسبعين صورة، منها ما هو جائز ومنها ما  هو ممتنع(الاشموني،دت، ص.8).

د)شرح المؤلفات النحوية: ذلك أن هذه المؤلفات كتبت بلغة جافة يتعسّر فهمها أو الوقوف على أهدافها بسهولة ويسر، لذلك كان لزاما من شرح اللغة التي بها صِيغَتْ هذه المؤلفات.

إن الصعوبات التي طَبَعَتْ علم النحو لم تغِبْ عن إدراك العلماء القدامى أنفسهم، فقد استجابوا تلقائيا بمرور الزمن لنزعة التيسير على المستوى النظري والتطبيقي، فكانوا يؤلفون المصنفات الضخمة والصعبة للمتخصصين، ويؤلفون الكتب المختصرة والمنظومات للناشئة، فقد ألف خلف الأحمر مقدمة في النحو، فقال في بدايتها: (لما رأيت النحويين وأصحاب العربية قد استعملوا التطويل وأكثروا العلل واغفلوا ما يحتاج إليه المُتَبَلِّغ في النحو من المختصر… أمعنت النظر في كتاب أؤلفه وأجمع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتدئين ليستغنيَ به المبتدئ عن التطويل) (الاحمر،1961، ص.34).

وتطالعنا في مصنفات التراجم والفهارس عناوين كثيرة تدل على أن القدماء كانوا يدركون بعض مصادر الصعوبة في تعلم النحو وان تيسير النحو للناشئة أمر ضروري لا مناص منه ولذلك بادروا بالتأليف النحوي المختصر التي يظهر من عناوين تلك المؤلفات رغبة مؤلفيها في التيسير والإيضاح والإرشاد كما يطغى عليها الجانب التعليمي والمدرسي.

ومن الأوزعة التي دفعت بنحاة الأندلس إلى تسهيل علم النحو على الطلبة: ثورتهم على العلل النحوية ورفض نظرية العامل التي كانت سائدة في المدرسة النحوية البصرية، لذلك تناغم المذهب الظاهري والمدرسة النحوية الكوفية في تجاوز التعليل والتأويل النحوي من قبل أبي حيان التوحيدي وابن مضاء القرطبي الذين عارضا حتى الفراء المؤسس العملي لمدرسة الكوفة والمتوفى عام 207هـ أي بعد وفاة سيبويه بربع قرن عندما احتج الفراء لسقوط نون الوقاية في (أنَّ) و( كأنَّ) بأنها بعُدَتْ عن الفعل إذ ليست على لفظه فضعف لزوم النون لها، و(ليت) على لفظ الفعل فقَوِيَ فيها لإثبات النون، ألا ترى أن أولها مفتوح وثانيها حرف علة ساكن وثالثها مفتوح فهو كقام وباع(ابن علي،دت، ص.91).

لقد شكل هذا الاهتمام بالعلة النحوية والتعليل للقرآن الكريم سببا من أسباب التعقيد النحوي العربي وهو منحى لم يَرُقْ علماء النحو الأندلسي الذين ناصروا مدرسة الكوفة لتبسيطها للدرس النحوي، ومن جملة العلماء الذين أسُّوا النظرية النحوية من اجل التيسير نجد ابن مضاء الذي درس كتاب سيبويه على يد ابن الرّمّاك (ت541هـ) في بلاد الأندلس ثم رحل إلى المغرب ليُعيَّنَ قاضيا على مراكش في عصر الموحدين، وكان تأثيره بالفقه الظاهري واضحا، لذلك فقد ثار على نحاة المشرق خصوصا نحاة مدرسة البصرة التعليلية حيث كانت دولة الموحدين التي كان ابن مضاء قاضي قضاتها تتزعم الثورة على النحو والفقه المشرقي بعدما أمرت بحرق كتب المذاهب الأربعة لِتَرُدَّ فقه المشرق على المشرق وتابع ابن مضاء ليردّ به نحو المشرق على المشرق(القرطبي،دت، ص.17.16)  من خلال إلغاء نظرية العامل التي حسب ابن مضاء يجب الاستغناء عنها لأنه اعتبر أن تك العامل خطأ سواء أ كانت عوامل معنوية أو لفظية، لذلك يجب هدم هذه المقولة وتخليص النحو العربي منها لن العامل برأيه هو للمتكلم نفسه (وأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره)(الهيتي،1993، ص.191)  .

وحتى لا يتعرض ابن مضاء إلى هجوم من نحاة المشرق ومناصري العامل النحوي بخاصة من البصريين، فقد أوضح أنه سبق بهذه الفكرة من علماء المشرق وهو أبو الفتح ابن جني الذي يقول في خصائصه: (وإنما قال النحويون: عامل لفظي وعامل معنوي ليدرك أن بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ صاحبه كمررت بزيد) (ابن جني،1955،ص.110.109).

وقد انطلق ابن مضاء في نظرية هدم العامل النحوي من مبدأ واحد هو مبدأ التيسير والتسهيل وذلك لأن هذه النظرية لا تهدم النحو العربي بل تسهّلُه، فنظرية العامل تغذّي الجدل الكثير بين النحويين ذلك الذي لم يكن منه طائل سوى مضيعة الوقت فضلا عن صعوبتها التي تخلّ بالمعنى لكثرة التأويل وتعدد احتمالات التوجيه(ابوكنة،1987،ص.69).

كما جنح النحاة الأندلسيون استحضارا للنحو الكوفي الاعتراض على تقدير العوامل المحذوفة تيسيرا للنحو العربي متخذين المن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مصدرا أساسا في ردّهم على تقدير العوامل المحذوفة مصداقا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي في سننه لذلك رفضوا إضمار فعل متعدّ بعد حرف النداء المقدّر بأنادي أو أدعو، كما رفضوا تقدير متعلقات المجرورات مثل زيد في الدار أي مستقر أو قائم فيها، كما رفضوا إضمار (أنْ) بعد الفاء أو الواو لذلك قال أحد النحاة الأندلسيين [المتقارب/ متداركة]:

تفكّرتُ في النحو حتى مللتُ                وأتعبت نفسي له والبدنْ

وأتعبتُ بكراً وأصحابه                      بطول المسائل في كل فنْ

فكنتُ بظاهره عالما                         وكنتُ بباطنه ذا فِطنْ

خلا أن بابا عليه العَفَا                        ءُ لفاء يا ليتهُ لم يكنْ

وللواو بابٌ إلى جنبه                        من المقتِ أحسبهُ قد لُعِنْ

إذا قلتُ هاتوا لماذا يُقا    لُ لستَ يأتيكَ أو تأتِيَنْ

أجيبوا لما قيلَ هذا كذا   على النصب قيل لإضمار (أنْ)

فقد كنتُ يا بكرُ من طول ما      أفكرُ في (أنْ) أنْ أُجنْ                    (القرطبي،دت،ص.33)..

كما نادى نحاة الأندلس بإلغاء العلل النحوية كالعلة التي أدت إلى رفع الفاعل أو نصب المفعول، فهذه العلل عند نحاة الأندلس هي وليدة تأثر النحو البصري بالمذاهب الفلسفية. (العابد،2002،ص.41).ومذاهب أهل الكلام الذين يرون في العلل وذكر أسبابها أساس العلم، لذلك فإن الكوفيين من نحاة الأندلس ذهبوا إلى أن معرفة العلة النحوية تسوق إلى علة لا فائدة منها، لذلك ذهب ابن السِّيد البطليوسي (ت 521هـ) إلى أن إقحام النحاة للمنطق في مجال علم النحو أدى إلى كثرة التعليل وفساده، لذلك قال: [الطويل/ متداركة]

وقدْ أكثرُوا فيهِ المقال وشَتَّتُوا               إلى أنْ أمَلُّوا الناظرينَ وأبْرَمُوا

وأكثَرُ ما قالُوهُ ما فيهِ طائلٌ                 لقارِئِهِ إلا الكلامُ المُنْمْنَمُ                              (السيوطي،1964،ص.121)

هذا ما جعل ابن الطراوة (ت 528هـ) يعتبر أن المعنى هو الأساس في لسان العرب، فهو الذي يحكم في الجملة، وإذا عرف الإنسان المعنى فلا داعي للغوص في متاهات الإعراب، وهذا ما نقله عنه ابن الربيع إذ يقول: (إذا فهم المعنى فارفع ما شئت وانصب ما شئت) (ابن ابي الربيع،1986،ص.262).، فهذا الكلام دليل واضح على تحلل ابن الطراوة من بعض قيود العلة النحوية ونظرية العامل فهو يعتقد أن الإنسان إذا استطاع أن يميز الصحيح من الخطأ في الكلام فقد نحا سمت العرب في كلامهم، فاللغة عنده موافقة لما سُمعَ عن العرب وليست ابتداعا وتجديدا واختراع قياس وجملا لم تسمعْ من قبل(خميس،2000،ص.197).

واستمدّ أبو القاسم السُّهيْلي (ت 581هـ) نظرته إلى التعليل من خلال آراء أستاذه ابن الطراوة(السيوطي،1964،ص.24) ، فالسهيلي قد هاجم نوعا من العلة النحوية هجوما عنيفا وضيّق دائرة التعليل حيث إنه اشترط في العلة الطرد والعكس، فقال: (العلة الصحيحة هي المطردة المنعكسة التي يوجد بها الحكم بوجودها ويُفقَد بفقدانها) (السهيلي،2002،ص.20.19).

المنحى نفسه سلكه ابن خروف (ت 659هـ) الذي كان متأثرا بالنحو الكوفي في اللغة والمذهب الظاهري في الفقه حيث أخذ بالعلة الأولى التي لابد للمتكلم منها واتي لا تتعارض مع العقل والمنطق السهل، كما يعَدّ ابن الضائع (ت 680هـ) من كبار نحاة القرن السابع الهجري الذين رفضوا العلل النحوية حين تكون سببا في الخلافات التقديرات التي تقيّد وهو يزيد لعلم النحو اليسر والسهولة بعيدا عن هذه الخلافات وتلك التقديرات التي تُدخِلُ متعلِّمَ النحو في متاهات ومسائل فرضية لا حاجة له بها؛ وقد أورد ابن الضائع رأيه في تلك العلل والتأويلات في كتابه الذي شرح فيه كتاب الجمل للزجاجي.

أما أبو حيان التوحيدي الأندلسي (ت 745هـ) فصَبَّ دعوته على ضرورة درْءِ وترك الخلافات الناشئة عن المدرسة البصرية والابتعاد عن التعليلات غير المفيدة.(ابوكنة،1987،ص.39) كما انه رفض القياس وطرح له بديلا هو السماع والنقل المأثور الذي هو أجدى وأنفع، يقول: (والنحويون مولعون بكثرة التعليل ولو كانوا يضعون مكان التعاليل أحكاما نحوية مستندة للسماع الصحيح لكان أفيد وأنجع)(التوحيدي،دت،ص.214)

وبالجملة فإن علماء الأندلس رفضوا تقديس النحو المشرقي والبصري خصوصا وجنحوا إلى تجديده وتغييره بل تجاوزه رغبة منهم في السهولة والتبسيط للمباحث النحوية العربية وذلك من خلال ترك التعاليل والأقْيِسَة إنْ نظريا كدعوة السهيلي وابن طراوة أو عمليا وتطبيقيا مثل ابن مضاء والزبيبدي، وعلى الرغم من تبني الأندلسيين للمدرسة الكوفية فهذا لم ينقص من دورهم العلمي في تخليص النحو العربي من علله وأقيسته المتكلَّفَة.

 

كشاف المصادر والمراجع

 

* أبو جعفر الضبي، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط1/ 1989.

* ابن جني، الخصائص ، تحقيق: محمد علي النجار، مطبعة دار الكتب العلمية، ط1/ 1955.

* أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة ، مطبعة لجنة التأليف، مصر، (د. ت).

* إبراهيم بن علي، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ، تحقيق: محمد الأحمدي مكتبة دار التراث، القاهرة، (د. ت).

* أحمد مختار، البحث اللغوي عند العرب ، عالم الكتب، ط8/ 2003.

ابن أبي الربيع، البسيط في شرح الجمل ، دار الغرب الإسلامي، ط1/ 1986.

* ابن حزم الظاهري، الإحكام في أصول الأحكام ، مكتبة الخانجي، مصر ، ط1/ 1345هـ.

* ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، ، تحقيق: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي، ط1/ 1408هـ.

* الأشموني، منهج السالك إلى ألفية ابن مالك ، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، (د. ت).

* جلال الدين السيوطي بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، ط1/ 1964.

* جمال الدين تغري، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، دار الكتب المصرية، القاهرة، (د.ت).

* حسن خميس، نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمحدثين ، دار الشروق، الأردن، ط1/ 2000.

* حسين مؤنس، شيوخ العصر في الأندلس ، سلسلة المكتبة الثقافية، الهيئة المصرية للكتاب، ط1/ 1986.

* الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، ط2/ (د. ت).

* السهيلي، الأمالي ، تحقيق: محمد إبراهيم البنا، مطبعة السعادة، القاهرة، ط1/ 2002.

* شوقي ضيف، الرد على النحاة لابن مضاء القرطبي، تحقيق: ، دار المعرف، (د. ت).

* شوقي ضيف، المدارس النحوية ، دار المعارف، (د. ت).

* طه عبد الرؤوف سعد، الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطي، تحقيق: ، مكتبة الكليات الزهرية، ط1/ 1975.

* عبد البديع الخولي، الفكر التربوي في الأندلس ، دار الفكر العربي، ط1/ 1985.

* عبد القادر رحيم الهيتي، خصائص مذهب الأندلس النحوي خلال القرن السابع الهجري ، جامعة قار يونس، بنغازي، ليبيا، ط1/ 1993.

* عبد الكريم خليفة، تيسير العربية بين القديم والحديث ، منشورات مجمع اللغة العربية الأردني، عمان، الأردن، ط1/ 1986.

* علي ا لنجدي سيبويه إماما لنحاة ،عالم الكتب، القاهرة، (د. ت).

* فضل العابد، الفكر الظاهري وأثره في النحو العربي ، جامعة الأزهر، ط1/ 2002.

* محمود أبو كنّة، نظرية العامل النحوي بين التأييد والنقد،  مجلة جامعة بيت حمد، المجلد السادس، غشت 1987.

* محمد الحميدي، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، تحقيق: محمد تاويت الطنجي، الدار المصرية للتأليف والنشر، ط1/ 1966.

* محمد الطنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة ، دار المعارف، ط1/ 1995.

* محمد عيسى، تاريخ التعليم في الأندلس دار الفكر العربي، ط1/ 1982.

* معاذ السرطاوي، ابن مضاء القرطبي وجهوده النحوية ، دار مجدلاوي للنشر، عمان، ط1/ 1988.

* وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مقدمة في النحو لخلف الأحمر، ،ط1/ 1961.

* يعيش بن علي، شرح المفصل ، الطباعة المنيرية، (د. ت).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *