م.د.صابرين يوسف عبد الله الحياني

دكتوراه قانون عام/ قانون جنائي

[email protected]

009647712384610

م.م.أوج عماد صبري ألعبيدي

ماجستير قانون خاص/ قانون مدني

كلية القانون – جامعة البيان / بغداد –االعراق

[email protected]

00964771238461

الملخص:

          تعد الآثار ملكا حضاريا لجميع أبناء المجتمع، فهي تعكس تاريخه وثقافته عبر مر السنوات الطويلة، ومن ثم فأن حمايتها تقع على عاتق الجميع، ولتجنب إساءة استخدام تلك الأموال الأثرية اتجهت التشريعات إلى سن قانون ينظم كل ما يتعلق بالكشف عن تلك الأموال وصيانتها وحفظها، وبالرجوع إلى أحكام التشريع العراقي نجد أنه نص على الكثير من الأحكام، منها أنه منع من أجراء أي تصرف في الآثار إلا وفقا لأحكامه، وحدد بالتفصيل كل ما يدخل ضمن الآثار من الأموال المنقولة والعقارية، وقد جعل مهمة التنقيب عن الآثار من اختصاص السلطة الآثارية فقط، ومنع غيرها من الجهات من ممارسة هذا الاختصاص إلا بموافقتها الرسمية ووفقا لما تحدده لها من شروط، وتعد الآثار المكتشفة من الأموال العامة التي تدخل في ملكية المجتمع، ولا يجوز التصرف بها أو استعمالها إلا وفقا لما يقرره القانون، ولا يجوز نشرها إلا بأمر السلطة المختصة، والأمر كذلك بالنسبة للصور والخرائط والمخططات التي تحصلت من عملية التنقيب، وقد نص المشرع في حال مخالفة أحكامه على نوعين من المسؤولية: جزائية تمثلت بالعقوبات، ومدنية تمثلت بالتعويض النقدي.

كلمات مفتاحية: آثار – تنقيب – السلطة– مال عام – حضاري – حماية

 

Liability resulting from the illegal excavation of cultural antiquities

Lect.Dr.Sabreen Yousif Abdullah Al-Hayani

PhD in public law/ Criminal Law

Asst.Lect.Awj Emad Sabri Alubaydi

Master’s degree in private law/ Civil Law

Al-Bayan University/ College of Law

Abstract:

Antiquities are considered the civilized property of all members of society, it reflects their history and culture over the long past years, and therefore, and the protecting of Antiquities  is the responsibility of everyone. In order to avoid the misuse of these antique money , the states decided to legislate a law regulating everything related to the excavating, maintenance and keeping of these antique money. On the Iraqi legislation, we find that it legislated many provisions, including that it prevented any act of antiquities except in accordance with its provisions, and determined everything that entire within the antiquities, and he has made the task of excavating antiquities to the antiquities authority only, and he prevent others from doing this specialization except with their official agreement and in accordance with the conditions specified for them, The discovered antiquities are considered public money that entire under the ownership of the community, and may not be act of or used except in accordance with what the law determines, and it may not be published except by order of the competent authority, and it’s the same for pictures, maps and plans obtained from the excavation process. In case of violation of its provisions, the  legislator has decided two types of responsibility: criminal, include penalties, and civil, include monetary indemnity.

Keywords: Antiquities – excavation – authority – public money – civilization – protection.

المقدمة:

أن دراسة موضوع الآثار يعد من الدراسات الجديرة بالاهتمام بالنظر لما ينطوي عليه هذا الموضوع من أهمية بالغة، فهو يمثل الإرث الحضاري لجميع أبناء المجتمع، وأن صيانته تعد من أولويات المشرع في كل دولة، فهو لا يمثل قيمة مادية وحسب وإنما له قيمة معنوية تفوق قيمته المادية، وأن أي ضرر يصيبه لا يمكن أن يعوض بسهولة، ومن ثم فأن من واجب المشرع أن يضع حد لكل تجاوز ينال منها، وبالنظر لما تنطوي عليه هذه الآثار من قيمة فقد أصبحت محلا لمختلف صور التجاوزات من داخل الدولة وخارجها، وقد تزايدت صور تلك الاعتداءات لاسيما في الآونة الأخيرة، وأصبحت الآثار محلا لخطر حقيقي يمكن أن يهدد وجودها، وسنتعرض في بحثنا هذا إلى صورة من صور تلك التجاوزات على الآثار الحضارية.

إشكالية البحث:

وتتمثل إشكالية البحث في قيام بعض الأفراد بعمليات البحث والتنقيب العشوائي عن الآثار بدون إذن من السلطة المختصة بالآثار، وذلك من أجل تحقيق مكاسب مادية، وما يرافق عمليات التنقيب تلك من أضرار تلحق بالآثار، وهذه الممارسات تظهر لنا مدى الحاجة إلى تدخل تشريعي بوضع عقوبات أكثر شدة من العقوبات المنصوص عليها في القانون، مع تقرير تعويضات بمبالغ كبيرة لأجل أن تردع الجناة وتحقق الأمن للأموال الأثرية.

أهمية البحث وهدفه:

تتمثل أهمية البحث في تسليط الضوء على مفهوم الآثار التي تعد أرثا حضاريا لجميع أبناء المجتمع، وبيان أحكامه، فضلا عن توضيح الآليات التي تتبعها الدول في الكشف عن آثارها وحفظها وصيانتها، وتحديد نطاق المسؤولية المقررة عن كل ما من شأنه المساس بتلك الأموال الأثرية.أما عن هدف البحث فأنه يتمثل ببيان المشكلات أو الثغرات الموجودة في النصوص التشريعية الخاصة بحماية الآثار، والتي من شأنها أن تعرض الأموال الأثرية للخطر، والعمل على وضع الحلول المناسبة لها وتلافيها.

حدود البحث:

سنبحث المشكلة محل الدراسة (من الناحية النظرية) في نطاق النصوص الجزائية والمدنية على حد سواء، وسنتحدد بالقوانين الخاصة بحماية الآثار والتراث في التشريعات العربية المقارنة، ومن هذه القوانين: قانون الآثار السوري رقم (222) لسنة 1963 المعدل، وقانون الآثار اليمني رقم (21) لسنة 1994 المعدل بالقانون رقم (8) لسنة 1997، وقانون حماية الآثار المصري رقم (117) لسنة 1983 المعدل، فضلا عن قانوننا العرقي قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002، وسنتطرق أيضاً إلى القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951المعدل، وقانون الاستملاك رقم (12) لسنة 1981.

الدراسات السابقة:

وعلى نطاق الدراسات السابقة نجد أن الكتابات كانت محدودة جدا في هذا الموضوع، ومن تلك الكتابات “الحماية الجنائية للآثار من التنقيب دون ترخيص/ ناصر صولة، مراد شرف/ مجلة إيليز للبحوث والدراسات/ م 5، ع 1، س2020” ودارت الإشكالية حول مدى كفاية الحماية في القانون الجزائري والفقه الإسلامي للآثار والتراث من التنقيب غير المرخص، وبينت الدراسة أن العقوبات المحددة لهذه الجريمة وأوصت بضرورة رفع العقوبة إلى الحد الأقصى لأجل أن تحقق الردع ، وإضافة صور أخرى للتجريم تكفل الارتقاء بمستوى الحماية إلى الحد الذي يتناسب مع أهمية التراث الثقافي الجزائري، وأكد أيضا على ضرورة تدخل المؤسسات الثقافية والإعلامية لتلعب دورها في التوعية بأهمية الآثار وضرورة التدخل لحمايتها.كما وردت أشارة جزئية لموضوع ضمن بعض الدراسات التي تطرقت لحماية الآثار والتراث، ومنها دراسة “حماية التراث الثقافي في النظام القانوني الجزائري/ جاري فايزة، قرنان فاروق/ رسالة ماجستير/ كلية الحقوق-جامعة الجزائر/ 2019” وكانت الدراسة تبحث في مدى فعالية الحماية المقررة للتراث من الاعتداءات كافة بما فيها التنقيب غير المرخص، وأظهرت هذه الدراسة أن الحماية المقررة ليست على درجة من الكفاية ولاسيما أن عقوباتها لا تتعدى الحبس لثلاث سنوات، وأوصت بتعديل القانون الجزائري ليصبح أكثر فاعلية في مواجهة حالات التجاوز على التراث الثقافي، وذلك برفع العقوبات السالبة للحرية والمالية وتوسيع نطاق التجريم ليشمل كل من ساهم فيها.

منهجية البحث: 

أما عن المنهجية فأننا سنعتمد في دراستنا لموضوع البحث على المنهجين الاستقرائي والمقارن لنصوص التشريعات، وذلك للتعرف على الأحكام الخاصة بالتنقيب عن الآثار في الدول الأخرى ونقارنها مع التشريع العراقي، معتمدين في ذلك على استقراء نصوص القوانين الخاصة بالآثار، وذلك للتعرف على ما تضمنته من ايجابيات في معالجتها لموضوع الدراسة لأجل الاستفادة منها في التصدي للمشكلة.

تقسيم البحث:

ولأجل الإحاطة بموضوع الدراسة سيتم تقسيم هيكلية البحث إلى ثلاثة مباحث: نستعرض في المبحث الأول مفهوم التنقيب عن الآثار وتنظيمه القانوني، وسنتعرف من خلال هذا المبحث على مفهوم الآثار، وسنوضح المقصود بعملية التنقيب، وكل ما يتعلق بها من أحكام قانونية سواء من حيث الشروط أو الجهة المختصة بإجرائه أو  الإجراءات الخاصة به، ثم ننتقل إلى المبحث الثاني لنوضح من خلاله المسؤولية الجزائية الناشئة عن التنقيب غير المشروع، وسنبين في المطلب الأول أركان التنقيب غير المشروع، وفي المطلب الثاني الآثار الجزائية المترتبة عليه، وفي المبحث الثالث سنتطرق إلى أحكام المسؤولية المدنية، وسنختتم البحث بأهم النتائج والمقترحات التي توصلنا إليها.

المبحث الأول

مفهوم التنقيب عن الآثار الحضارية وتنظيمه القانوني

  سنتطرق في هذا المبحث إلى مفهوم التنقيب عن الآثار الحضارية، وسنبدأ بتوضيح مدلول لآثار، ثم نبين المقصود بالتنقيب في ضوء ما ورد له من تعريفات في نطاق التشريعات المقارنة، وبعدها نتعرف على أهم الأحكام القانونية التي وردت في قوانين الآثار سواء من حيث شروطه أو القائمين به أو إجراءاته، وذلك في مطلبين أثنين.

 

المطلب الأول

مفهوم التنقيب عن الآثار الحضارية

بداية لابد من بيان مفهوم الآثار لأجل أن يكون محل الجريمة واضحا غير مختلط بالمفاهيم المشابهة له، ومن هذا المنطلق فأن التعريف الفقهي للآثار الحضارية هو أنها “كل ما خلفه الإنسان من مواد ملموسة من صنع يده من الماضي” (الجبوري و البريفكاني، 2010، صفحة 146)، وهو أيضا “كل عمل فني يمثل قيمة تاريخية أيا كانت أهميتها، وسواء تعلق الأمر بعقار أم منقول”، وكذلك تعرف الآثار بأنها “ما خلفته الحضارات القديمة من ترك مكتوب وغير مكتوب كالأهرامات والمعابد وأوراق البردي واللوحات الجنائزية والتوابيت…الخ” (حمو، 2019، الصفحات 237-238)، ومنهم من عرفها بأنها “ليس مجرد قطعة حجر أو قطعة فنية أو نقشاً ملونا لكنه راو للتاريخ باعتباره مظهراً من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض الوطن أو كانت له صلات تاريخية فيه”. (الهاجاني، 2014، صفحة 71)

أما على الصعيد الدولي فقد وجدنا بعض الاتفاقيات الدولية التي عرفت الآثار الحضارية، ومن تلك التعريفات نذكر على سبيل المثال “الأعمال المعمارية، وأعمال النحت و التصوير على المباني، و العناصر أو التكوينات ذات الصفة الثرية، و النقوش، و الكهوف، ومجموعات المعالم التي لها جميعا قيمة عالمية استثنائية من وجهة نظر التاريخ، أو الفن، أو العلم” (اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، 1972، المادة (1))، وكذلك “الممتلكات المنقولة أو الثابتة ذات الأهمية الكبرى لتراث الشعوب الثقافي كالمباني المعمارية أو الفنية منها أو التاريخية، الديني منها أو الدنيوي، والأماكن الأثرية، ومجموعات المباني التي تكتسب بتجمعها قيمة تاريخية أو فنية، والتحف الفنية والمخطوطات والكتب والأشياء الأخرى ذات القيمة الفنية التاريخية والأثرية، وكذلك المجموعات العلمية ومجموعات الكتب الهامة و المحفوظات ومنسوخات الممتلكات السابق ذكرها” (اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح ، 1954، المادة (1)).

ولم تخلو التشريعات المقارنة من وضع تعريفات للآثار محل الدراسة، ومن تلك التشريعات القانون السوري الذي حدد الآثار بأنها “الممتلكات الثابتة والمنقولة التي بناها أو صنعها أو أنتجتها أو كتبها أو رسمها الإنسان قبل مئتي سنة ميلادية أو قبل مئتين وست سنوات هجرية . ويجوز للسلطات الأثرية أن تعد الآثار أيضاً الممتلكات الثابتة أو المنقولة التي ترجع إلى عهد أحدث أذا رأت أن لها خصائص تاريخية أو فنية أو قومية. ويصدر بذلك قرار وزاري” (قانون الآثار السوري، 1963، المادة (1)) والقانون اليمني الذي نص على أنه”يعتبر أثراً أي مادة منقولة أو ثابتة خلفتها الحضارة أو تركتها الأجيال السابقة في اليمن مما تم صنعه أو إنتاجه أو تشييده أو نقشه أو كتابته قبل 200 سنة، ويشمل ذلك الوثائق والمخطوطات وبقايا السلالات البشرية والحيوانية والنباتية، ويجوز للهيئة أن تعتبر من الآثار أيضاً أية مادة منقولة أو ثابتة لا يقل عمرها عن (50) سنه ميلادية إذا رؤي أن المصلحة العامة تقتضي المحافظة عليها بسبب قيمتها التاريخية أو الفنية على أن يتم ذلك بقرار من الرئيس” (قانون الآثار اليمني، 1994، المادة (3)).

في حين أتجه المشرع المصري إلى تحديد الآثار بالنص على أنه “يعتبر أثرا كل عقار أو منقول أنتجته الحضارات المختلفة أو أحدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان من عصر ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية المتعاقبة حتى ما قبل مائة عام متى كانت له قيمة أو أهمية أثرية أو تاريخية باعتباره مظهرا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على ارض مصر أو كانت لها صلة تاريخية لها، وكذلك رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة له” (قانون حماية الآثار المصري، 1983، المادة (4/سابعا)).

أما بالنسبة للتشريع العراقي فقد عرف الآثار بأنها “الأموال المنقولة وغير المنقولة التي بناها أو صنعها أو نحتها أو أنتجها أو كتبها أو رسمها أو صورها الإنسان ولا يقل عمرها عن (200) مئتي سنة وكذلك الهياكل البشرية والحيوانية والنباتية”. (قانون الآثار والتراث العراقي ، 2002، المادة (4/ سابعاً))

أن التشريعات المقارنة لم تكتفِ بإيراد تعريف للآثار وحسب وإنما تضمنت تعريفا للتنقيب أيضاً، وبالرجوع إلى نصوص تلك التشريعات نجد أن المقصود بالتنقيب في القانون السوري هو”جميع أعمال الحفر والسبر والتحري، التي تستهدف العثور على آثار منقولة أو غير منقولة في باطن الأرض أو على سطحها أو في مجاري المياه أو البحيرات أو في المياه الإقليمية” (قانون الآثار السوري، 1963، المادة (41))، أما في القانون اليمني فأنه “يقصد بالتنقيب عن الآثار جميع أعمال الحفر والسبر والتحري بهدف العثور على الآثار منقولة كانت أو ثابتة في باطن الأرض أو مجاري المياه والأنهار أو المياه الإقليمية، ولا يعتبر مجرد العثور على أثر أو آثار دون ذلك تنقيب”. (قانون الآثار اليمني، 1994، المادة (23)) أما المشرع الجزائري فقد عرفه بالقول “يقصد بالبحث الأثري في مفهوم هذا القانون كل تقص يتم القيام به بصورة علمية في الميدان، وتستخدم فيه التكنولوجيات الحديثة بهدف التعرف على المخلفات الأثرية بمختلف أنواعها و عصورها، و تحديد مواقعها و هويتها بغية القيام بعملية إعادة إنشاء ذات طابع اقتصادي و اجتماعي و ثقافي، وهذا لإنماء معرفة التاريخ بمفهومه الأوسع و تطويرها. و يمكن أن تستند أشغال البحث هذه على ما يأتي: أعمال تنقيب و بحث مطردة في مستوى مساحة معينة أو منطقة محددة سواء كانت ذات طبيعة برية أو تحت مائية، حفريات أو استقصاءات برية أو تحت مائية، أبحاث أثرية على المعالم، تحف و مجموعات متحفية” (قانون حماية التراث الثقافي الجزائري ، 1998، المادة (70))، أما بالنسبة للمشرع العراقي فقد عرف التنقيب بأنه “أعمال الحفر والسبر التي تهدف إلى الكشف عن الآثار المنقولة وغير المنقولة في باطن الأرض أو في قيعان الأنهار أو البحيرات أو الاهوار أو المياه الإقليمي” (قانون الآثار والتراث العراقي، 2002، المادة (4/ عاشرا)).

المطلب الثاني

التنظيم القانوني للتنقيب عن الآثار الحضارية

أن السلطة المختصة بالتنقيب عن الآثار الحضارية هي السلطة الآثارية، ويقصد بها الهيئة العامة للآثار والتراث بالنسبة للتشريع العراقي، وتكون مسؤولة عن التنقيب في جميع أنحاء العراق وفقا لأحدث الوسائل المتطورة العلمية والفنية منها، ولها أن تجيز التنقيب لكل من ترى فيه المقدرة والكفاءة العلمية والمالية من الهيئات والجامعات والعلماء سواء من داخل العراق أو من خارجه من الدول العربية أو الأجنبية، ويجري التنقيب من قبل هذه الجهات لمدة معينة تحدد من قبل السلطة الآثارية قابلة للتمديد بأمر من الوزير. (قانون الآثار والتراث العراقي، 2002، المواد (2, 4, 29 ,30))

أما عن الشروط الواجب توافرها لمباشرة التنقيب من الجهات المذكورة في أعلاه فأنها تتمثل بتقديم طلب إلى الهيئة العامة للآثار والتراث، ويذكر فيه صفة مقدمه وما يمتلكه من خبرات وقدرات مالية، وأن يتضمن ما يثبت انتسابه إلى جهة تعنى بالتنقيب عن الآثار وانه مخول منها، فضلا عن تحديد عدد الأشخاص الذين سيعملون معه ومؤهلاتهم، وخارطة تبين الموقع المراد تنقيبه، وبرنامج عمله الذي سيطبقه خلال (5) سنوات، وبعد أن يستوف الطلب الشروط المذكورة تبدي السلطة الآثارية رأيها بعد دراسته، ثم يرفع الأمر للوزير لغرض الموافقة، وبعد منح الأخيرة يجري تنظيم عقد لتحديد حقوق الطرفين والتزاماتهم. (قانون الآثار والتراث العراقي، 2002، المادة (32))

وتحتفظ السلطة الآثارية بحقها في تفتيش أعمال التنقيب في الوقت الذي تراه مناسبا ولها أن تتخذ ما يلزم، وتكون الآثار المكتشفة جميعا من الأموال العامة التي لا يجوز القيام بأي تصرف فيها إلا بموافقة السلطة المذكورة، ويمكن أن يمنح المنقب مقابل أعماله بعض من القوالب المكتشفة أو صور منها، وكذلك المخططات الخاصة بها والخرائط، فضلاً عن المواد التربية والعضوية لغرض إجراء الدراسة. (قانون الآثار والتراث، 2002، المادتان (33، 35))

وبالنسبة للشروط والإجراءات في التشريعات المقارنة، فنجد أنها لا تختلف كثيرا عما أخذ به مشرعنا العراقي، فالمشرع الجزائري نص على أحكام متقاربة معه في المواد (71-78)، وكذلك المشرع السوري في المواد (42- 55)، والمشرع اليمني في المواد (24-28)، أما المشرع المصري فأنه ألزم في المادة (33) مجلس الإدارة لهيئة الآثار المصرية أن تقوم بإصدار قرارا يتضمن الشروط والواجبات التي يجب أن تراعى في التراخيص، بحيث تتضمن تفصيلا عن كل ما يتعلق بالمنطقة المشمولة بالترخيص والمدة والتأمينات وشروط الحفر والالتزام بالتسجيل والحراسة وتقديم تقارير شاملة عن كل ما يتعلق بالحفر أو التنقيب عن الآثار، وأشار في المادة (34) إلى القواعد التي يخضع لها التنقيب الذي تباشره البعثات الأجنبية، ومنها إلزام البعثة بترميم ما يتم اكتشافه من الآثار قبل أن تنهي عملها، وأن ترفق خطة التنقيب عن الآثار بخطة مكملة لها تتضمن أعمال الترميم للآثار، وأن يكون إنتاج النماذج الحديثة لما تم اكتشافه من الآثار بيد الهيئة فقط ويمكن أن تمنح نسخا منها إلى المرخص له.

وبالنسبة لمخالفة الشروط فنجد أن المشرع العراقي خول السلطة الآثارية في المادة (34) منه سلطة وقف أعمال التنقيب وإنذار القائم به بضرورة إزالة المخالفة خلال المدة التي تحددها له، وفي حال عدم الإزالة فأن للوزير أن يلغي الأذن بالتنقيب، وكذلك الحال أن كانت المخالفة جسيمة أو كان وضع المنقب يتطلب إلغاء الإذن بالتنقيب، أما المشرع الجزائري فقد قرر السحب المؤقت أو النهائي للرخصة الممنوحة للقائمين بالبحث والتنقيب في المادة (71)، ويتحقق السحب المؤقت في حالتين: أحدهما إذا كانت المكتشفات على قدر من الأهمية وما يرافق ذلك من احتمال اقتناء العقار، وثانيهما حالة الخروج عن التعليمات المحددة لإجراء التنقيب، أما السحب النهائي فأنه يتحقق في ثلاث حالات: حالة عدم تنفيذ الالتزام المتمثل بالتصريح عن الآثار التي تم اكتشافها إلى الوزارة أو الجهات المختصة، وحالة أن تقرر الإدارة مهمة متابعة الإشراف على التنقيب بنفسها نظرا لأهمية المكتشفات وما قد يترتب عليها من آثار على ملكية العقار الذي يجري فيه التنقيب، وحالة المخالفة المتكررة لتعليمات التنقيب، ويبلغ قرار السحب خلال (15) خمسة عشر يوما، ويترتب عليه إنهاء عمليات التنقيب بأكملها.

أما عن المشرع السوري فقد أشار في المادة (48) منه إلى أنه إذا خالف القائم بالتنقيب الشروط الواردة في المادة (46) فأن للسلطة المختصة أن تقرر وقف أعمال التنقيب إلى أن يتم إزالة المخالفة، وإذا كانت الأخيرة جسيمة فلها وبقرار وزاري أن تلغي الإذن بالتنقيب، ومنحت المادة (49) الوزير المختص حق إلغاء الترخيص في حال توقف البعثة وبدون عذر مشروع عن التنقيب لمدة سنتين متتاليتين، ويمكن أن يمنح الترخيص لبعثة أخرى في المنطقة ذاتها، وبموجب المادة (50) يمكن للسلطة الآثارية وبقرار من الوزير أن توقف أعمال البعثة إذا استدعت سلامة البعثة ذلك. وبالنسبة للوضع في مصر فنجد أن المشرع قد نص بصورة صريحة على اعتبار مخالفة شروط الترخيص جريمة يعاقب عليها بالحبس من (1-2) سنة وغرامة (100-500) جنيه أو أحداهما بحسب ما أشارت المادة (43)، وقد جرى تعديل حكم هذه المادة لتصبح عقوبة تجاوز الشروط الحبس الذي لا يقل عن سنة واحدة والغرامة التي تتراوح بين (10-500) ألف جنيه أو إحداهما بحسب ما أشارت المادة (45) من تعديل رقم (91) لسنة 2018، وفضلا عن هذه العقوبة نجد أن المشرع المصري خول مجلس الإدارة صلاحية أن تنهي الترخيص الممنوح للبعثات في حال حصول مخالفات في العمل بحسب ما أوضحت المادة (37).

وأخيرا فأن موقف المشرع اليمني لم يختلف كثيرا عن موقف المشرع المصري، إذ نص صراحة على تقرير عقوبة لكل من يخالف شروط الترخيص، وحدد هذه العقوبة بالحبس الذي لا يقل عن (6) أشهر والغرامة التي لا تتعدى (15) ألف ريال أو أحدى هاتين العقوبتين بحسب ما أشارت المادة (40).

ويظهر مما ذكر في أعلاه، أن التشريعات كافة نظمت كل ما يتعلق بالتنقيب من أحكام، وأحاطت تلك الأحكام بإجراءات تضمن التزام المنقب بالعمل وفقا لما يحقق سلامة البحث عن الآثار الحضارية وصيانتها من أي ضرر، إذ من خلال استقراء النصوص المشار إليها أعلاه نجد أنها قد ألزمت المنقبين بواجبات كثيرة عند مباشرة عملهم، وخولت السلطات الآثارية صلاحية التفتيش على أعمال الجهات المنقبة بين فترة وأخرى، ومنحتها الحق في سحب الترخيص عند مخالفة المنقبين لشروط العمل، ولم تكتف بذلك وإنما نصت (البعض منها) صراحة على اعتبار مخالفة شروط التنقيب جريمة جنائية يعاقب مرتكبها بعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية، وهذا التنظيم لموضوع التنقيب يرجع إلى رغبة المشرع في توفير أقصى حماية ممكنة للآثار الحضارية عند استخراجها أو الكشف عنها؛ لضمان عدم تعرضها للأضرار التي تنشأ نتيجة عمليات التنقيب غير المنظمة.

المبحث الثاني

المسؤولية الجزائية الناشئة عن التنقيب غير المشروع

سنتطرق في هذا المبحث إلى جريمة التنقيب غير المشروع للآثار الحضارية، إذ سنبين أركانها الثلاثة الشرعي والمادي والمعنوي في المطلب الأول، والآثار القانونية المترتبة عليها في المطلب الثاني، وسنبحث هذه الجريمة والآثار في ضوء الأحكام التي تبنتها التشريعات المقارنة محل الدراسة، وكما يأتي:

المطلب الأول

أركان جريمة التنقيب غير المشروع عن الآثار الحضارية

تتكون جريمة التنقيب غير المشروع من ثلاثة أركان هي الركن الشرعي، والمادي، والمعنوي، ويراد بالركن الشرعي السمة غير المشروعة للفعل، وهي تنشأ نتيجة دخوله (الفعل) ضمن أحد النصوص العقابية، فالركن الشرعي يقتضي أن يتوافر أمرين لأجل أن يتحقق: أحدهما أن ينطبق على الفعل محل الجريمة نص جزائي ايجابي، وثانيهما أن لا ينطبق عليه نص جزائي سلبي. (الخلف و الشاوي، 2012، الصفحات 151-152)

وبالرجوع إلى التشريعات محل الدراسة نجد أن المشرع العراقي نص على تجريم هذا الفعل في المادة (42) من قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002، ونص المشرع الجزائري عليه في المادة (94) من قانون حماية التراث الثقافي رقم (98- 04) لسنة 1998، والمشرع السوري في المادة (57) من قانون الآثار رقم (222) لسنة 1963 المعدل، والمشرع المصري في المادة (42) من قانون الآثار رقم (117) لسنة 1983 المعدل، والمشرع اليمني في المادة (38) من قانون الآثار رقم (21) لسنة 1994 المعدل، وهذه النصوص بمجملها تمثلا الركن الشرعي لجريمة التنقيب غير المشروع، إذ أنها جرمت كل فعل يستهدف البحث عن الآثار دون موافقة رسمية من السلطة المختصة، ولم تتضمن تلك النصوص إباحة لتلك الأفعال، وهو ما يعني اكتمال مقومات الركن الشرعي وتحقق الركن الأول في الجريمة محل الدراسة.

إما بالنسبة للركن المادي فأنه بحسب ما جاء في المواد المذكورة في أعلاه يتمثل بأعمال التنقيب دون موافقة رسمية من السلطة المختصة بالآثار، وهذا النشاط الإجرامي يتخذ صورا متعددة فقد يكون في صورة الحفر، أو الغوص تحت الماء، أو انتشالها من على سطح الماء أن كانت طافية وغيرها، ويعد الحفر الصورة الأكثر انتشارا له، ولا يشترط فيه أن يصل إلى عمق معين ولا أن يتم بأداة محددة، فهو قد يتم بالتفجير أو تقليب الأرض عبر أدوات خاصة بالحفر، ولا يشترط لقيام الجريمة أن يتم العثور على آثار، (صولة و شروف، 2020، صفحة 65) إذ أن التنقيب غير المشروع يعد من جرائم الخطر التي تتحقق بمجرد الحفر دون الحاجة لوجود نتيجة مادية، ويجب أن تتحقق العلاقة السببية بين هذا النشاط الايجابي والنتيجة لقيام الجريمة، ويعد التنقيب غير المشروع سلوك ايجابي مستمر، إذ أنه يبدأ منذ القيام بالحفر ويستمر إلى أن تنتهي تلك الأفعال بالعثور على الآثار أو بدونها، أما عن محل الجريمة فأنه يستوي أن يكون من الأموال المنقولة أو العقارية، كما يستوي أن يكون الموقع الأثري مسجلاً أم غير مسجل، إذ يكفي في الأخير أن يكون محددا كموقع أثري ضمن الخرائط المحددة من قبل السلطة المختصة. (العبدالله، 2015، الصفحات 156-158)

وبالرجوع إلى التشريعات نجد أنها لم تشترط في الموقع أن يكون مسجلا، فالمشرع العراقي على سبيل المثال أشار في المادة (15) من قانون الآثار إلى أنه يكفي أن يكون الموقع في ظروف تسمح للشخص المعتاد أن يعرف بأنه أثري حتى وأن لم يعلن عنه في الجريدة الرسمية، أما بالنسبة للقضاء المقارن فقد تباينت أحكامه في هذا الشأن، وقد ذهب الرأي الراجح إلى تطلب التسجيل لأجل أن يعد موقعا أثرياً، فالقضاء المصري ممثلا بمحكمة النقض اتجه إلى اعتبار الأرض أثرية متى قررت الحكومة ذلك، وبخلافه لا يعتد بأي تصريح أو خطاب يصدر من مصلحة الآثار ولا غيرها، ومن ثم لا تكون الأرض أثرية، والسائد في الوقت الحالي هو أن يصدر القرار من الوزارة بتسجيل هذا الموقع في السجلات الخاصة بالسلطات الأثرية لأجل اعتباره موقعا أثرياً، وعلى هذا المنهج سار القضاء السوري ممثلاً بمحكمة النقض التي عدّت تسجيل الموقع شرطاً لتجريم الاعتداء على الآثار، ومن ثم لا يمكن المساءلة عنها وفق نصوص قانون الآثار، وإنما تكون وفق القوانين الأخرى أن توفرت شروطها. (العبدالله، 2015، الصفحات 167-168)

أما بالنسبة للأذن الرسمي من السلطة المختصة فنجد أن هنالك اتجاهين: أحدهما عدّ التنقيب جريمة في كل الأحوال، أي سواء أكان بدون أذن أم كان بأذن وتم تجاوز حدوده مثل القانون المصري والسوري، وثانيهما فرق بين التنقيب بدون أذن وبين تجاوز الشروط المحددة للتنقيب كما هو الحال في القانون اليمني. (العبدالله، 2015، صفحة 159)

ومن الجدير بالذكر، أن التنقيب المخالف للقانون يؤدي في بعض الأحيان إلى أضرار كبيرة لا يمكن تلافيها،كإتلاف الأموال الأثرية، أو تهريبها خارج الدولة، فضلا عما يرافق عمليات التنقيب من أضرار بشرية غالبا ما تحدث أثناء الحفر، ومن هذه الأضرار أن تنهار أماكن الحفر على القائمين بالتنقيب فتودي بحياتهم، وهو ما حصل فعلا في بعض الوقائع التي حدثت في مصر، ومنها واقعة اختفاء شاب في الـ(27) من العمر في عام (2015)، وقد تم العثور عليه من قبل الأجهزة الأمنية في العام (2018) متوفيا مع بعض أصدقائه في صحراء بمحافظة “قنا”، بعد أن انهارت عليهم أعمال الحفر والتنقيب التي باشروها في صحراء مركز “فقط” دون أذن من السلطة المختصة، أما الدوافع الأساسية التي تجعل الفرد يلجأ إلى التنقيب غير المشروع فهي عدم الوعي بالأهمية التي تشكلها تلك الآثار بالنسبة للمجتمع من الناحية الحضارية والتاريخية، الرغبة في سد احتياجاتهم من مصدر سهل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، الرغبة في الثراء السريع، انخفاض مستوى الحماية المقررة للمناطق الأثرية، عدم فعالية إجراءات السلطة المختصة في ضم وتسجيل المناطق الأثرية لتكون ضمن وزارة الآثار وتشمل بمراقبتها، والأهم هو عدم فعالية التشريعات العقابية، إذ أنها تضمنت عقوبات لا تحقق الردع ولا تكفي لحماية الآثار. (دقيل، 2021، الصفحات 5-8)

في حين يتمثل الركن المعنوي بالقصد الجرمي، فالتنقيب غير المشروع من الجرائم العمدية التي تقوم على العلم والإرادة، إذ يجب أن يكون الجاني عالما بأن التنقيب مجرم أن تم بدون موافقة السلطة المختصة ومع ذلك تتجه إرادته إليه، ويستوي في ذلك أن تكون النتيجة وهي العثور على الآثار تحققت أم لم تتحقق، (غانم، 2018، صفحة 262) وتعد الإرادة جوهر الركن المعنوي، وتمثل الصلة النفسية التي تربط بين السلوك الإجرامي المتمثل بالحفر أو السبر أو البحث أو التحري وبين مرتكب الفعل، ويشترط فيها أن تكون معتبرة قانونا، وذلك بأن تكون مدركة وغير مكرهة، وبخلافه فإن انتفاءها يجعل الفاعل غير مسؤولٍ عما يصدر منه. (الخفاجي، السادسة، صفحة 30)

المطلب الثاني

الآثار القانونية لجريمة التنقيب غير المشروع

تباينت التشريعات المقارنة محل الدراسة في تحديد وصف جريمة التنقيب غير المشروع عن الآثار الحضارية، فمنهم من تشدد في معالجتها وأسبغ عليها وصف الجناية، ومنهم من تساهل في تحديد عقوباتها وأدخلها ضمن الجنح، وبالرجوع إلى موقف مشرعنا العراقي نجد أنه سار على وفق المنهج المتشدد، وعدّ التنقيب عن الآثار جناية عقوبتها السجن الذي لا تزيد مدته عن (10) سنوات، وساوى في العقوبة بين فعل المباشرة بالتنقيب ومجرد المحاولة للكشف عنها، وهذا يعد خروجا عن القواعد العامة التي تجعل للمحاولة عقوبة أقل باعتبارها جريمة ناقصة لم تكتمل أركانها، وإذا كان هذا الأمر من ايجابيات هذا التشريع باعتبار أن المشرع يسعى فيه إلى توفير أقصى حماية للآثار، ألا أنه يعاب عليه من ناحية أخرى أنه قرن فرض العقوبة بحدوث أضرار تلحق بالموقع أو مواده الأثرية أو محرمات الموقع، وهذه تعد مثلبة على التشريع من شأنها أن تضعف من القوة الرادعة التي استهدفها المشرع في النص، فضلا عن العقوبة المذكورة نجد أن المشرع قرر الضبط لجميع ما تم استخراجه من المواد الأثرية، ومصادرة كل ما تم استخدامه من أدوات في الحفر، فضلا عن التعويض الذي قدر بضعف قيمة الأضرار التي لحقت بالآثار، وقد تشدد المشرع في تحديد العقوبة في حال كان مرتكب الجريمة من أشخاص السلطة الآثارية أيا كانت صفته، وتصل العقوبة في هذه الحالة إلى السجن الذي لا تزيد مدته على (15) سنة. (قانون الآثار والتراث العراقي، 2002، المادة (42))

أن الثغرات التي وجدت في النص المذكور تعكس مدى الحاجة إلى التدخل التشريعي بتعديل أحكامه؛ ليصبح أكثر فاعلية في حماية المواد الأثرية، وهذا التعديل يكون برفع القيد المتعلق بفرض العقوبة المذكور أعلاه، وتقرير عقوبة الغرامة التي جاء النص خالياً منها إلى جانب عقوبة السجن، وإضافة ظروف مشددة للنص لتكتمل الحماية الجزائية للآثار، وهو ما سنبينه بالتفصيل عند حديثنا عن الخاتمة في فقرة المقترحات.

أما المشرع الجزائري فقد أتخذ الموقف المعاكس للتشريع العراقي وأسبغ وصف الجنحة على كل بحث عن الآثار يجري بدون الترخيص من الوزير، إذ حدد عقوبته بالحبس من (سنة إلى ثلاث سنوات) وقرر إضافة للحبس عقوبة الغرامة من (10,000- 100,000) د ج، وقرر مضاعفة العقوبة في حال تحقق الظرف المشدد “العود”، ودون أن تخل تلك العقوبات بما هو مقرر من تعويضات عما يلحق الآثار من الضرر، (قانون حماية التراث الثقافي الجزائري، 1998، المادة (94)) ويلاحظ أن المشرع الجزائري كان أفضل من العراقي من ناحية العقوبات المالية التي فرضها؛ كونها تزيد من فاعلية النص العقابي، وأن كان المشرع الجزائري متساهلا في تحديد العقوبات السالبة للحرية مقارنة بالتشريع العراقي وغيرها من التشريعات التي حددت عقوبات أشد، كما منح هذا القانون الوزير المختص صلاحية المطالبة بإعادة المكان إلى ما كان عليه على حساب المخالف.

ويلاحظ أن المشرع السوري كان أفضل القوانين المقارنة من حيث معالجته لهذه الجريمة، إذ أنه أسبغ عليها وصف الجناية تماشيا مع الاتجاه المتشدد في العقوبة، وجعل لها عقوبة سالبة للحرية (الاعتقال) تتراوح بين (10-15) سنة مع تقريره لعقوبات مالية تتراوح بين (100,000-500،000) ليرة، وجعل تطبيق هذه العقوبة على الجاني بمجرد مباشرة التنقيب غير المرخص دون اشتراط التسبب بحدوث أضرار، وجعل حدوث الضرر الجسيم ظرفا مشددا يعاقب مرتكبه بالحد الأقصى المقرر في النص، وهو خلاف ما فعله المشرع العراقي كما ذكرنا في أعلاه.كما قرر هذا القانون معاقبة المكلفين بحماية الآثار أو ضبط ما يرتكب ضدها من جرائم بالعقوبة المقررة للفاعل طالما علموا بالجريمة ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنع وقوعها، كما قرر مصادرة كل ما يتم ضبطه من آثار وتسليمها إلى السلطة المختصة، وأن تعذر مصادرتها يفرض على مرتكب الجريمة غرامة تعادل قيمة الآثار وعلى ضوء ما تقدره السلطة المختصة دون أن يخل ذلك بالعقوبات المذكورة أعلاه. (قانون الآثار السوري، 1963، المواد (57، 63، 68)) كما أنه قرر في المادة (65) إلزام المخالف بأن يزيل أسباب المخالفة وأن يعيد الوضع إلى أصله خلال أجل يعين له وللسلطة المختصة أن تقوم بذلك على نفقة المخالف أن لم يزل المخالفة.

وساير المشرع المصري في معالجته لهذه الجريمة الاتجاه الأول، فالتنقيب دون ترخيص يعد جناية وفقا لقانون الآثار، ويعاقب عليه بالسجن الذي لا تقل مدته عن (5 سنوات) ولا تتعدى (7 سنوات)، فضلا عن الغرامة التي حددها بين حدي أدنى (لا يقل عن (3) آلاف جنيه) وأعلى (لا تزيد عن (50) ألف جنيه)، ويستوي أن يكون الجاني فاعلا أم شريكا، وقد جعل المشرع المصري لشخصية الجاني محل اعتبار في تحديد مقدار العقوبة، فإذا كان له علاقة بالآثار سواء كان من المشرفين أو الموظفين أو العاملين في بعثات الحفر، أو مقاول متعاقد مع الهيئة أو العمال، فأن العقوبة تشدد إلى الأشغال الشاقة المؤقتة بالنسبة للعقوبات السالبة للحرية، والغرامة التي لا تقل عن (5) آلاف جنيه ولا تتجاوز (50) ألف جنيه بالنسبة للعقوبات المالية، وتفرض كلا العقوبتين دون أن يترك للقاضي الخيار بينهما.  (قانون حماية الآثار المصري، 1983، المادة (43))

وقد جرى تعديل نص المادة المذكور في أعلاه، وأصبحت العقوبة السجن الذي لا يقل عن (3) سنوات ولا يزيد عن (7) سنوات، فضلا عن الغرامة المالية التي لا تنقص عن (500,000) جنيه ولا تتعدى (1,000,000) جنيه لكل من يجري الحفر بدون أذن قاصداً الحصول على الآثار، وأشار النص إلى أن الموقع الذي تم الحفر فيه يبقى تحت التحفظ إلى أن يتولى المجلس القيام بأعمال الحفر على نفقة من أجرى الحفر، وترفع العقوبة السالبة للحرية إلى السجن المشدد والعقوبة المالية إلى ما لا يقل عن (1,000,000) جنيه ولا يتعدى (2,000,000) جنيه في حال توفر صفة مشددة في مرتكب الجريمة، وذلك بأن يكون عاملا في الوزارة أو المجلس أو كان تابعا للهيئة المختصة، أو كان مسؤولا في بعثة الحفر أو أحد موظفيها أو عمالها، أو كان مقاولا متعاقدا مع المجلس أو من العاملين لديه. (قانون تعديل قانون الآثار المصري ، 2018، المادة (42))

أما المشرع اليمني فقد جعل من هذه الجريمة جنحة لا تزيد عقوبتها السالبة للحرية عن (2) سنة، ولا تقل عقوبتها المالية عن (30) ألف ريال، وخول القاضي صلاحية الحكم بهما معاً، أو الاكتفاء بأحدهما، وسواء أكان الجاني فاعلا أم شريكاً. (قانون الآثار اليمني، 1994، المادة (38))

المبحث الثالث

المسؤولية المدنية  الناشئة عن التنقيب غير المشروع

سنتطرق في هذا المبحث إلى المسؤولية المدنية التي يمكن أن تترتب على عمليات التنقيب غير المشروعة، إذ سنتعرف أولاً على المسؤولية القانونية المدنية المترتبة على الدول نتيجة التنقيب غير المشروع، وسنبحث في الآثار المترتبة عليها وهي الاسترداد والتعويض في فرعين أثنين، ثم نوضح المسؤولية القانونية للفرد عن تنقيبه غير المشروع للآثار، وذلك في فرعين أثنين أيضاً نبين في الأول منهما المسؤولية وفق القانون المدني، وفي الثاني المسؤولية وفق قانون الاستملاك العراقي، وكما يأتي:

المطلب الأول

المسؤولية القانونية المدنية المترتبة على الدول نتيجة التنقيب غير المشروع

التعويض هو النتيجة الطبيعية والقانونية الأولى التي تفكر فيها الدول بعد ثبوت المسؤولية الدولية بسبب إخلال دول أخرى بالتزاماتها القانونية الدولية بالقواعد المتفق عليها بعدم التجاوز على آثار وتراث الدول الأخرى ،سواء في النزاعات المسلحة أم أثناء أوقات السلم. إذ أن التعويض التزام يفرضه القانون الدولي بوصفه أثرا لتحقيق شروط المسؤولية الدولية كونه التزاماً تبعياً لارتكاب الشخص الدولي عمل غير مشروع، حُكم على نحو يشابه في مضامينه وأحكامه قواعد المسؤولية المدنية التي يقررها القانون الخاص، وتتمثل الآثار المترتبة عن قيام المسؤولية الدولية عن انتهاك أحكام حماية الآثار بوجه عام في وجوب رد الآثار أو التعويض عنها في حال تعذر ردها إلى بلدانها الأصلية، لذا سننظر هذا الأمر وفق الفرعين الآتيين:

 

الفرع الأول

الاسترداد

يعرف الاسترداد في حالة الاختلال بأنه “حق الدولة المحتلة في أن تستعيد من دولة الاحتلال الآثار والممتلكات الثقافية التي انتزعت من إقليمها بالقوة أو بالإكراه أثناء الاحتلال”. (حمادو، 2019، صفحة 110) إذا فالأساس القانوني لاسترداد الآثار المهربة هو المخالفة لأحكام الحماية القانونية الدولية للآثار، سواء كان هذا الانتهاك قد تم بالتنقيب غير المشروع – أي بالتعدي سواء تم بسوء نية أو بحسن نية – أو بالإكراه أو القوة . نستنتج أن القاعدة الوحيدة التي تلزم الدول المتعدية على آثار غيرها من الدول ما هي إلا آثار عرفية تقضي بضرورة احترام التراث الثقافي والروحي للدول المحتلة ، ويمثل الاسترداد الكامل لتلك الآثار المنهوبة انتصاراً دولياً معنوياً وقانونياً، إذا يتم إعادة هيبة واحترام هوية الشعوب المحتلة بهذه الآلية القانونية . ألا أن هذا الاسترداد لا يتم إلا إذا توافرت الشروط الآتية :

أولاً-تحديد الآثار والتعرف عليها محل الرد : أجملت اتفاقية لاهاي لعام 1954 الآثار التي تكون محل رد أو استرداد “بأنها كل ما هو ثابت أو منقول يتمتع بأهمية كبرى لتراث الشعوب الثقافي ،كالمباني مثلاً سواء كانت تاريخية أو فنية أو آماكن أثرية أو مجوعات مباني التي تكتسب بتجميعها قيمة تاريخية أو فنية والتحف الفنية…”. (اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، 1954)

ثانياً-وجود مخالفة دولية في نزع تلك الآثار:كما أوضحنا سابقاً بأن الاسترداد يقوم على أساس عرفي متمثلاً في انتهاك قاعدة عرفية تقضي باحترام آثار الشعوب المُحتلة وإلا تلتزم بردها في حالة التنقيب عنها أو الاستيلاء عليها إلى دولتها الأصل ،إذا أساس عدم المشروعية إما أن يكون التنقيب والسرقة وإما التصدير غير المشروع ،حيث يُشكل كِلا الفعلين جريمتان تخالفان أحكام القانون الدولي والأعراف الدولية.

ثالثاً- تقديم التعويض مقابل استرداد الآثار: أكدت على هذا الشرط الفقرة الرابعة من المادة الأولى من البروتوكول الأول لعام 1954 بأن”الطرف السامي المتعاقد الذي يقع على عاتقه منع تصدير الآثار الموجودة على الأراضي التي تحتلها أن يعوض من يحوز بحسن نية الآثار التي يجب تسليمها” .ووفقًا لأحكام هذه المادة فالالتزام بالتعويض يقع على عاتق الدولة الملزمة برد الآثار وليس على عاتق الدولة المطالبة بالرد، وذلك نتيجة حتمية للقاعدة التي تقضي بأن من يقوم بعمل غير مشروع يجب أن يتحمل تبعات عمله هذا.

ووفق أحكام القانون المدني أن هناك شكلاً من أشكال الرد والمتمثل في التعويض المماثل الذي يكون بموجبه للدولة المتضررة حقاً بأن تطالب بتعويض من الدولة المسؤولة عن إصلاح الضرر، عن طريق تقديم شيء من آثارها، فهو يشكل في أي حال من الأحوال تنازلاً عن الرد أو مخرجاً قانونياً أمام البلاد التي تحتفظ بآثارها المسلوبة ،حيث انه اقرب لاختيار حر يتم الاتفاق عليه .

وهذا المبدأ ذاته الذي أكدت عليه اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد قانون خاص بشأن القطع المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة لعام 1995 ،حيث نصت بأنه “يحق لحائز الممتلك أو الآثار الذي يكون قد اقتنى هذه الآثار بعد تصديرها بطرق غير مشروعة أن يتلقى من الدولة الطالبة عند إعادة الآثار تعويضاً عادلاً ومعقولاً، شريطة ألا يكون قد علم أو ما كان بالإمكان له في حدود المعقول أن يعلم عند اقتنائها لهذه الآثار أن هذه الأخيرة قد تم تصديرها بطرق غير مشروعة، إضافةً إلى ذلك بأنه يحق لكل من بحوزته الآثار المسروقة، أن يتلّقى عند رده تعويضاً عادلاً ومنصفًا ومعقولاً”. (اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشأن القطع المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة، 1995، المادة (60))

رابعاً-تقديم دعوى الاسترداد خلال فترة زمنية محددة : نصت على هذا الشرط الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من اتفاقية اليونيدورا عام 1995 على أن تُقدم المطالبة برد أي آثار في غضون فترة أقصاها ثلاث سنوات اعتباراً من التاريخ الذي يعلم فيه المطالب بمكان الممتلك وهوية حائزه، واستثناءا على أحكام السابقة، يمكن لأي دولة متعاقدة أن تعلن أن الدعوى تنقضي في مدة 75 سنة أجلا لعملية الاسترجاع أو مدة أطول تنص عليها قوانينها وتنقضي ضمن المدة نفسها الدعوى التي ترفعها دولة أخرى متعاقدة لاسترجاع الآثار تم نقلها من معلم أو موقع أثري أو جمع عمومي واقع في دولة متعاقدة تقوم بمثل هذا الإعلان. ألا أن هذا الشرط لا يبدو منصفاً حيث أن اغلب فترات الاحتلال تُطيل على الزمن ولا يكون من باب أولى سقوط حق الدلو بآثارها وارثها وما يعبر عن هويتها بمثل هذا التقادم. وبخصوص هذا الموضوع فقد استطاع العراق استرداد العديد من آثاره التي تم التنقيب عنها بشكل غير مشروع وتصديرها إلى دول مختلفة منها (ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والأردن) تدعمه عدة اتفاقيات دولية بشأن إعادة الممتلكات الثقافية المسروقة بما في ذلك قرار مجلس الأمن الدولي 2199 لعام 2015. (الموقع الرسمي للحكومة العراقية)

وفي ذات السياق تضمنت الاتفاقية المبرمة بين الجزائر وفرنسا لعام 1968 الخاصة بتسوية جميع المنازعات التي نتجت عن احتلال فرنسا للجزائر على التزام فرنسا برد جميع الآثار والممتلكات التي تم نقلها من الجزائر خلال فترة الاحتلال. (حمادو، 2019، صفحة 117)

توصلت كلاً من روسيا وبلجيكا في سنة 2001 إلى اتفاق بشأن إعادة المحفوظات العسكرية إلى بلجيكا، والتي كان النازيون قد سرقوها أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد نقاشات طويلة وافقت روسيا على إعادة تلك المحفوظات شريطة أن تقوم بلجيكا بدفع تكلفة المحافظة عليها من الممارسات. (حمادو، 2019، صفحة 118)

نلاحظ بأن الدول قد اعتبرت رد الآثار أول شكل من أشكال جبر الضرر في حالة فَقْد تلك الآثار أو التعدي عليه أو إتلافها ، حيث يعني في مجمله إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العمليات العدائية ووقوع الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي .

 

 

 

الفرع الثاني

التعويض

أن الغرض من التعويض هو لجبر الضرر، حيث يعتبر مبدأ ثابت في كافة التشريعات الدولية والوطنية، فنتيجة القيام بعمل غير مشروع هي جبر هذا الضرر، بإزالته أولا ثم إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الضرر قدر الإمكان، ثم التعويض على هذا الضرر على أن إعادة الحال إلى ما كان عليه لا تُلغي واقعة الضرر وبالتالي جبر الضرر وهذا ما يعبر عنه بالتعويض العيني.

أن الأساس القانوني لمبدأ التعويض عن الممتلكات الثقافية، نجده متمثلا في قاعدة ” المعاملة بالمثل، وقد يستحيل على الدولة رد الآثار وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليها، ولذلك استقر الرأي على إمكانية قيامها بأداء التعويض المالي للدولة المضرورة بغية إصلاح الضرر فيكون هو الحل الأخير الذي لابد منه. والتعويض يأخذ عدة صور إما أن يكون تعويضا عينياً وهو ما تم الإشارة إليه في الفقرة السابقة، أو تعويضا ماديا وعادة ما يقوم بالمال، أو يكون التعويض إرضائي.

أولاً-التعويض المادي :-

أي أن تلتزم الدول بدفع مبلغ من المال في حال تعذر إعادة الوضع السابق، ويُحدد بالاتفاق بين أطراف النزاع ، أو عن طريق التحكيم أو القضاء الدولي.وفي الغالب يتم الاتفاق على التعويض نتيجة لمفاوضات تتم بين الأطراف المعنية، يعقبها اتفاق يبين مقدار التعويض بحسب القيمة للآثار وليس القيمة الاقتصادية، أن الحكمة من هذا الأمر هو لاتصال تلك الآثار بمفهوم كيان الأمة وتراثها الحضاري الذي لا يمكن يُقدر بأي تعويض مادي.

ونستشهد كمثال لهذا النوع من الوفاء بالتزام الدول بتعويض الضرر المترتب على تدمير ونهب الآثار في فترات النزاع المسلح، إذ نصت اتفاقية فرساي لعام 1919 على تأسيس محكمة التحكيم للنظر في تعويضات المدنيين عن مصادرة ممتلكاتهم أثناء الحرب بواسطة القوات الألمانية،كما تضمنت اتفاقية برلين لعام 1921 نصاً مماثلاً، وتنفيذًا لذلك الاتفاق نصت في عام 1922 على تأسيس لجنة مختلطة للنظر في حجم التعويضات الواجب أدائها نتيجة تدمير ونهب عدد من الآثار. (مستاري، 2016، صفحة 137)

تلاحظ الباحثة أن هذا النوع من التعويض يحمل وجه أدبي لغرض التعبير، فالدولة التي تنتهك حرمة الآثار لدولة أخرى ستجد نفسها بنهاية المطاف ليس فقط معرضة للمسائلة الجزائية أو التعاقدية، بل وملزمة قانوناً بخسارة أموال وبعض آثارها التي تُشكّل جزءاً من هويتها، بالتالي ستشعر بحجم وخطورة العواقب المترتبة على انتهاكها القواعد القانونية الدولية الحامية للآثار من أي تنقيب غير مشروع أو استيلاء أو سرقة أو أتلاف .

ثانياً- الترضية :-

تُطبق هذه الصورة من صور التعويض حينما لا يترتّب على العمل غير المشروع المتسبب في المسؤولية أي ضرر مادي.إذ إن مقتضاها هو عدم إقرار الدولة المسؤولة التصرفات الصادرة عن سلطتها أو تقديم اعتذار دبلوماسي أو فصل المسؤول وتقديمه للمحاكمة، أو تقديم ضمانات لعدم المعاودة على قدر ما تقتضي الظروف ذلك، أو أي شكل آخر مناسب من الناحية الأدبية، أي بدون تضمين. وبذلك ترى لجنة القانون الدولي في أن الترضية تتميز عن باقي صور التعويض، فهي لا تهدف إلى إعادة الحال إلى ما كانت عليه، بل إلى ضمان عدم تكرار الفعل.

ثالثاً- الاعتذار :-

   تُعد هذه الصورة من أنواع التعويض المعنوي عند قيام الدولة بفعل غير مشروع، فهو عبارة عن اعتراف الدولة بارتكابها تصرفاً غير مشروع، فتسعى إلى تقديم اعتذاراً رسمياً، أو تعبر عن أسفها عن الضرر الناتج للدولة الضحية، وتتعهد بعدم تكرار حدوث هذا التصرف في المستقبل. (مستاري، 2016، صفحة 137)

المطلب الثاني

المسؤولية القانونية المدنية المترتبة على الأفراد نتيجة التنقيب غير المشروع

سوف تتطرق الباحثة في هذا المطلب عن الآثار القانونية التي تترتب على الأفراد في حالة قيامهم بانتهاك حرمات الآثار الوطنية عن طريق عملية التنقيب غير المشروع، وفقاً لأحكام القانون المدني العراقي، وأيضا الأحكام الخاصة بقانون الاستملاك العراقي، كما هو مبين في الفرعين الآتيين:-

الفرع الأول

المسؤولية عن التنقيب وفق القانون المدني العراقي

نصت المادة (1101) من القانون المدني العراقي على إن ملكيـة الكنز المدفون أو المخبئ في باطن الأرض لمالك الأرض إذا لم يتمكن احد من أن يثبـت ملكيـة الكنز له وتكون ملكية الكنز للدولة أن كانت الأرض أميرية ولجهـة الوقـف أن كانـت الأرض موقوفة وقفاً صحيحاً .

كذلك نصت المادة (١٠٤٨) منه أن الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تـصرفاً مطلقاً في ما يملكه عيناً ومنفعة واستغلالاً، فينتفع بالعين المملوكة وبغلتهـا وثمارهـا ونتاجهـا ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة. ومع ذلك فبالإمكان انتقاص هذه السلطات التي يملكها المالك متى اقتضت المصلحة العامـة في ذلك. وكذلك نص هذا القانون على أن ملكية الأرض تشمل ما فوقها علـواً ومـا تحتها سفلاً إلى الحد المفيد في التمتع بها وفق المادة (1049/ ٢)..

وكما لاحظنا بأن جميع الدول والحضارات البشرية تحرص على حماية وصيانة آثارها وتراثها تشريعاً، وضمن نطـاق الحماية المدنية أيضا فأنه يعد جزءاً لا يتجزأ من الأموال العامة حيث نصت المادة (٧١) من القـانون المدني العراقي على أن الأموال العامة لا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقـادم لـذلك تسري كل أوجه الحماية المدنية على الآثار والتراث سواء تعلق بعدم جواز التصرف فيها أو عدم الحجز عليها، أو تملكها بالتقادم سواء أقرت هذه الحماية صراحة أو ضمناً فـي قـانون الآثار والتراث النافذ .

ومن الناحية التطبيقية نجد أن قانون المرافعات المدنية العراقي رقم ٨٣ لسنة ١٩٦٩ قد نص في المادة ٢٤٨ على انه “لا يجـوز حجز أو بيع الأموال …. لاقتضاء الدين سواء كان الحجز احتياطياً أو تنفيـذياً…”، وتعتبر مـن هـذه الأموال الآثار والتراث الثقافي الذي لا يجوز أن يوضع الحجز عليه لاقتضاء دين ما سواء أكـان هذا الدين مترتباً على الدولة أو السلطة الآثارية، وكذلك لا يجوز تقرير أي حقوق عينية تبعية عليه وذلك لضمان بقاء الانتفاع منه وفقاً لما خصص له وعدم تعطيل تخصصيه للنفع العام.

الفرع الثاني

المسؤولية عن التنقيب وفق قانون الاستملاك العراقي

منح المشرع العراقي في هذا القانون الدولة صلاحية اتخاذ إجراءات الاستملاك أو نزع الملكية للأراضي أو المواقع التي ترى فيها الدولة حماية للآثار الموجودة في هذه المواقع أو الأراضي. حيث يسمح هذا التخويل أو الإذن لدائرة الآثار والتراث أن تنتـزع ملكيـة الآثار المنقولـة المملوكة للأشخاص وكذلك المخطوطات المسلمة إليها أو التي تضع يدها عليها على أن تعـوض المالك تعويضاً عادلاً تقدره لجنة محايدة يكون تعيينها من قبل الوزير المختص ويمكن الاعتراض على قرار تلك اللجنة من قبل كل من المديرية وصاحب الحق ويكون ذلك أمام محكمـة البـداءة المختـصة وخلال مدة قدرها خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغ القرار .

وفي حالة ما إذ وجدت آثار مدفونـة فـي ارض معينة وتحتاج دائرة الآثار والتراث إلى مدة من الزمن كي تتمكن من إخراجها فان الـدائرة المذكورة تستطيع استناداً للمادة ٢٦ من هذا القانون عن طريق الاستيلاء المؤقـت وان تضع يدها على تلك الأرض مدة لا تتجاوز سنتين من تاريخ صدور قرار الاستملاك المؤقت على أن يكون ذلك مقابل تعويض عادل عن الضرر الحاصل نتيجة عدم استغلال الأرض خـلال هذه المدة.بواقع الحال أن استملاك الآثار العقارية منها والمنقولة يكـون وفق الآتي :-

1-استملاكاً رضـائياً : الأصل ان لا يؤخذ ملك احد من دون رضاه كقاعدة قانونية عامة، وعلى هذا يتم الاستملاك باتفاق صـاحب العقـار المراد استملاكه ودائرة الآثار والتراث.

2-استملاكاً قضائياً : يكون ذلك في حالة ما إذا حـصل خـلاف بين المستملك منه ودائرة الآثار والتراث حول مبلغ التعويض أو في حالة ما إذا امتنع المـستملك منه من الاستجابة لطلب الاستملاك

3-الاستملاك إداريا :ويكون الاستملاك إداريا في حالة إذا كان الأثر مملوك لدائرة من دوائر الدولة وأرادت دائرة الآثار والتراث استملاكه.

خاتمة

ومن خلال دراستنا لموضوع التنقيب غير المشروع في نطاق التشريعات المقارنة توصلنا إلى النتائج الآتية:

1-أن موضوع التنقيب عن الآثار منظم بأحكام تفصيلية في نطاق التشريعات المقارنة، وقد قرنت تلك التشريعات عمليات التنقيب بضمانات كثيرة وشروط عديدة، وفي مقدمتها الحصول على ترخيص من الجهات المختصة، وذلك لضمان حماية فعالة للآثار عند استخراجها أو الكشف عنها.

2-أن التنقيب عن الآثار بحسب التعريفات التي وردت في التشريعات المقارنة يشمل أعمال الحفر أو السبر أو التحري عن الآثار سواء أكان ذلك في باطن الأرض أم مجاري الأنهار أم البحيرات أم المياه الإقليمية، وسواء أكانت منقولات أم عقارات، فالتعريفات المذكورة جاءت بعبارات مرنة وواسعة تشمل كل عمل وبأي وسيلة كانت طالما أن هدفه العثور على الآثار.

3-تعد تنقيبا غير مشروع كل عملية بحث عن الآثار تتم بدون موافقة رسمية من السلطة المختصة، وقد عالجت التشريعات المقارنة هذا الموضوع، وتباينت في الحلول التي تصدت بها له، فمنها من أسبغ عليه وصف الجناية ومنها من أدخله ضمن الجنح، ومنهم من اقتصر على العقوبات الجزائية السالبة للحرية ومنها من أضاف إليها الغرامات المالية؛ لذا كانت معالجة بعض التشريعات ضعيفة ولم تحقق الغاية من وجودها، الأمر الذي دفعها إلى تعديل قوانينها بما يحقق الحماية الكافية للآثار.

4- أن معالجة المشرع العراقي لموضوع التنقيب غير المشروع للآثار الحضارية جاءت قاصرة وغير فاعلة، إذ أنه اقتصر على العقوبات السالبة للحرية دون العقوبات المالية، كما أنه قيد فرضها بحصول الأضرار، ويستثنى من قصور المشرع هذا أنه قرر المساواة في العقوبة بين حالة ارتكاب الفعل ومجرد المحاولة لارتكابه، وتعد هذه المساواة من العناصر المحققة لفاعلية النص في الحد من الجريمة.

5-ضعف الحماية المدنية المقررة للآثار في قوانين حماية الآثار للتشريعات المقارنة، إذ لم تنص غالبيتها على تعويض الأضرار الماسة بالآثار نتيجة عمليات التنقيب غير المشروع، وأقتصر التعويض على البعض منها فقط كالتشريع العراقي والجزائري، وأشار بعضا آخر منها إلى إلزام المخالف بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التنقيب، وفي حال عدم تنفيذ ذلك تتولى السلطة المختصة إعادته على نفقة المخالف كالتشريع السوري، وأن عدم وجود نصوص صريحة للحماية المدنية في هذه القوانين يعني أنها أحالت جبر الضرر ضمنيا إلى نصوص القوانين المدنية النافذة ؛كونها القاعدة العامة التي تعتمد في تقرير مسؤولية محدث الضرر وإلزامه بالتعويض وفقا لما هو مقرر قانوناً.

6-أن المسؤولية المترتبة على التنقيب غير المشروع لا تقتصر على الأفراد وإنما تمتد إلى الدول أيضا، إذ قد تمارس عمليات التنقيب غير المشروع من قبل دول أخرى عدوانا على التراث الثقافي والحضاري للدول المعتدى عليه، ولاسيما في النزاعات المسلحة، وفيها غالبا ما تلجأ الدولة المنتصرة إلى استنزاف الأموال الأثرية التابعة للدولة الخاضعة للاحتلال منتهكة بذلك الالتزامات الدولية التي قضت في كثير من الاتفاقيات بصيانة الآثار والتراث وعدم جواز المساس بها.

 ولأجل تلافي أضرار هذه الجريمة ولتحقيق الحد منها نقترح الآتي:

1- إقامة البرامج التثقيفية والتوعية التي من شأنها أن تساهم في توعية الجمهور بأهمية الآثار والممتلكات الثقافية باعتبارها تشكل أرثا حضاريا تعود ملكيته لجميع الأفراد، وأن من واجبهم مساندة السلطات الآثارية في السعي إلى حمايته، وسواء أكانت تلك المساندة من خلال التبليغ عن عمليات التنقيب المشبوهة التي تمارس من قبل الغير أم من خلال تبليغها بكل أثر يتم اكتشافه مصادفة.

2-التصدي التشريعي لظاهرة التنقيب غير المشروع عن الآثار الحضارية بالنسبة للتشريعات التي لم تجرمه لغاية الآن، وذلك أما من خلال وضع قانون خاص بالآثار، وينص فيه على تجريم أعمال التنقيب غير المشروع بعقوبات جزائية صارمة تكفل الحد من الاعتداء عليها وهو ما أخذت به غالبية التشريعات المقارنة، وإما من خلال تعديل القوانين العقابية النافذة، وإضافة نص عقابي إلى جانب أحكامه يعاقب على هذه الاعتداءات، ويجب أن تكون العقوبة على قدر من الجسامة تتناسب مع ما يتضمنه محل الاعتداء (الآثار) من أهمية، وأن يضاف إليها نص يقرر التعويض المدني عن الأضرار التي تصيب الآثار من جراء التنقيب غير المشروع.

وبالنسبة للعراق فأننا نجد أن المشرع نص على تجريم تلك الاعتداءات في المادة (42) من قانون الآثار والتراث رقم (55) لسنة 2002، ولكن هذا النص بحاجة إلى التعديل نظرا لكون المشرع قد فرض عقوبات جزائية لا تتناسب مع ما يتضمنه محل الجريمة من أهمية، ومن ثم فأنه أضعف من قوته الرادعة، وعليه نقترح تعديل هذا النص وتشديد العقوبات السالبة للحرية مع فرض الغرامات وزيادة نسبة التعويض عما هو مقرر ليصبح النص أكثر فاعلية في التصدي للاعتداء المذكور أعلاه، وليكون وفق الآتي:

“أ-يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (10) عشر سنوات وغرامة لا تقل عن (5,000,000) خمسة مليون دينار عراقي من باشر التنقيب عن الآثار أو حاول كشفها دون موافقة تحريرية من السلطة الآثارية.

ب- تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد عن (15) خمسة عشر سنة وغرامة لا تقل عن (7,000,000) سبعة مليون دينار عراقي في حال تسبب من باشر أو حاول التنقيب في أضرار الموقع الأثري أو محرماته والمواد الاثرية فيه.

ج- تكون العقوبة السجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن (10,000,000) عشرة مليون دينار عراقي إذا كان مسبب الضرر من منتسبي السلطة الآثارية.

د- ويحكم بتعويض يحدد بثلاثة أضعاف قيمة الأضرار المقدرة.

ه-يحكم إضافة إلى ما ذكر بضبط الآثار المستخرجة ومصادرة مواد الحفر.

و- يعاقب من يحرض على التنقيب غير المشروع بعقوبة الفاعل الأصلي”.

3 ـ العمل على إنشاء قوات خاصة تتولى مهمة صيانة المناطق الآثرية، ويجب أن تكون تلك القوات مدربة على التصدي لمختلف أنواع الاعتداءات، وان يتم تجهيزها بأحدث الوسائل والآليات التي تمكنها من صيانة الآثار الحضارية وحمايتها.

4-أنشاء محكمة متخصصة بنظر القضايا المتعلقة بالآثار وذلك لضمان سرعة حسمها تحقيقا لفاعلية الجزاءات المقررة في قانون الآثار والتراث، ويطبق على إجراءاتها أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

5- تفعيل بنود الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الآثار والتراث الحضاري للدول، والاستفادة من المساعدات التي يمكن أن تقدمها الدول المتعاقدة، وذلك لأجل العمل على استرداد كافة الآثار التي تم التنقيب عنها بصورة غير مشروعة وتهريبها خارج البلد.

 

 

المراجع

  1. اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص بشأن القطع المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة. (1995)
  2. اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي. (1972).
  3. اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح . (1954).
  4. اسلام عبدالله عبدالغني غانم. (2018). الحماية الجنائية للآثار في القانون الجزائري والقانون المصري. (المجلد (7)) مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية والاقتصادية.
  5. أنس محمود خلف الجبوري، و دلشاد عبدالرحمن يوسف البريفكاني. (2010). جريمة سرقة الآثار والتراث، دراسة تحليلية في ضوء أحكام قانون الآثار والتراث العراقي رقم (55) لسنة 2002. (المجلد 2) مجلة جامعة تكريت للحقوق (العدد 5).
  6. الموقع الرسمي للحكومة العراقية. (بلا تاريخ). تاريخ الاسترداد 30 3, 2021، من https://gds.gov.iq/ar/iraq-welcomes-return-of-stolen-smuggled-artifacts/.
  7. حسين دقيل. (2021). التنقيب غير الشرعي عن الآثار في مصر.تقارير اجتماعية. المعهد المصري للدراسات.
  8. حفيظة مستاري. (جوان, 2016). المسؤولية الدولية عن انتهاك قواعد حماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة. مجلة العلوم القانونية والسياسية.
  9. سليمان عباس العبدالله. (2015). الحماية الجزائية للآثار في التشريعات العربية. كلية الحقوق جامعة حلب.
  10. سليمان محمد سليمان الهاجاني. (2014). الحماية الجنائية للموروث الحضاري. رسالة ماجستير .كلية الحقوق جامعة المنصورة.
  11. علي حسين الخلف، و سلطان عبدالقادر الشاوي. (2012). المبادئ العامة في قانون العقوبات. بغداد: مكتبة السنهوري.
  12. علي حمزة عسل الخفاجي. (السادسة). الحماية الجنائية للآثار والتراث. مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية (العدد (2)).
  13. فاطمة حمادو. (2019). الحماية القانونية للاثار على ضوء التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية. أطروحة دكتوراه ، 110. الجزائر: كلية الحقوق جامعة جيلالي.
  14. قانون الآثار السوري. (1963). رقم (222) .
  15. قانون الآثار اليمني. (1994). رقم (21) المعدل بالقانون رقم (8) لسنة 1997.
  16. قانون الآثار والتراث العراقي . (2002). رقم (55) .
  17. قانون الاستملاك العراقي. (1981).رقم (12).
  18. قانون المدني العراقي. (1951).رقم (40).
  19. قانون المرافعات المدنية العراقي (1969). رقم (83).
  20. قانون تعديل قانون حماية الآثار المصري . (2018). رقم (91) .
  21. قانون حماية الآثار المصري. (1983). رقم (117) .
  22. قانون حماية التراث الثقافي الجزائري . (1998). رقم (98-04) .
  23. محمد حسن حمو. (2019). الآليات الدولية لاسترداد الآثار العراقية المسروقة. (المجلد 19) مجلة الرافدين للحقوق (السنة 21).
  24. ناصر صولة، و مراد شروف. (2020). الحماية الجنائية للآثار من التنقيب دون ترخيص. (المجلد (5)) مجلة إيليز للبحوث والدراسات.

 

About Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *