ا.م.د. ايات سلمان شهيب

كلية الحقوق/ جامعة النهرين / جمهورية العراق

Alsaadi_ayat@yahoo.com

009647725959188

الملخص:

تتميز المبادئ الدستورية في مرحلة التحقيق الابتدائي بحماية الأفراد وتقيهم من خطر الوقوف موقف الاتهام أمام المحكمة، ويمكن من خلال هذهِ المبادئ التأكد من براءة المتهم قدر المستطاع فالتحقيق يستم بالسرعة وعن طريقه يمكن الاستدلال على براءة المتهم من عدمها، لكن هذهِ المبادئ قد تتعارض مع مقتضيات الدفاع، فلا بد من إقامة التوازن بين المبادئ الدستورية والقوانين في مرحلة التحقيق، لغرض ضمان الحقوق والحريات الفردية، ونظراً لإجراءات التحقيق الابتدائي التي تتسم بمساس الحريات والحقوق بصورة مباشرة للوصول الى الحقيقة، فقد تكفل المشرع العراقي بوضع ضمانات معينة ينبغي مراعاتها لتجنب هدر الحريات الفردية، لذا أوجب المشرع ضرورة التحقيق الابتدائي قبل إحالة الدعوى الى المحاكم المختصة ومنها محكمة الجنح ومحكمة الجنايات، حيث أن بطلان هذهِ المرحلة يؤدي الى بطلان إجراءات رفع الدعوى أما المبادئ الدستورية في مراحل الدعوى الجزائية والتي هي موضوع البحث تعتبر أهم المبادئ لحماية حقوق المتهم في مراحل الدعوى الجنائية الموجه ضده، ومنها المساواة، مبدأ علانية المحاكمة مبدأ حق الدفاع، مبدأ حظر الحجز، ويؤكد المشرع العراقي على هذهِ المبادئ في مراحل الدعوى الجزائية ومدى تعارضها مع النصوص القانونية في الحالات الاستثنائية التي يتوجب فيها التدابير الاحترازية من أجل الحفاظ على سير الدعوى الجزائية دون المساس بعدالة القضاء.ويكتسب موضوع مبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية أهمية كبيرة في القانون الجنائي، لما لها من أهمية لضمان التقاضي في الدعوى الجزائية.

الكلمات المفتاحية: المبادئ الدستورية , المتهم ,المحاكمة ,الدعوى الجزئية ,العدالة .

Constitutional principles in criminal proceedings

A.M.D. Ayat Salman Chehayeb

College of Law/Al-Nahrain University

 

Abstract

The subject of the principles of constitutionality in criminal cases acquires great importance in criminal law, because of their importance to ensure litigation in criminal cases, taking into account consideration of all civilized criminal justice systems. Criminal law was influenced by political thought at the time of its enactment and by the strength of its influence on the behaviour of society and the extent of public freedoms. This is evident in the branch of criminal law, the Iraqi Penal Code and the Code of Criminal Procedure, and with this we can seek the fundamental differences between the two systems, the international legal system and the police or authoritarian state through the prevailing criminal policy. This explains the interest of thinkers, philosophers and intellectuals in general since the beginning of legal thought in the criminal branch. Because of its importance in affecting the restriction of public freedoms

Keywords: constitutional principles, the accused, the trial, the partial lawsuit, justice.

المقدمة

يكتسب موضوع مبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية أهمية كبيرة في القانون الجنائي، لما لها من أهمية لضمان التقاضي في الدعوى الجزائية، مع الأخذ بنظر الاعتبار مراعاة كل نظم العدالة الجنائية المتحضرة، فقد تأثره القانون الجنائي بالفكر السياسي وقت تشريعه وبقوة تأثيره على سلوك المجتمع ومدى الحريات العامة ليتجلى ذلك في فرع القانون الجنائي، قانون العقوبات العراقي وقانون أصول المحاكمات الجزائية، وبهذا نتمكن من التماس الفروق الجوهرية بين نظامي، نظام الدولية القانوني والدولة البوليسية أو الاستبدادية عن طريق السياسة الجنائية السائدة وهذا يفسر اهتمام المفكرين والفلاسفة والمثقفين عموماً منذ قدم الفكر القانوني بالفرع الجنائي، لما له من أهمية في التأثير على تقييد الحريات العامة والخاصة، ومنها حرية المعتقد والتعبير .

لذا يمكن تحديد  اهمية البحث وإشكالية البحث وأهداف البحث ومنهج البحث، وخطة البحث على النحو الاتي :

اهمية البحث .

تستمد أهمية البحث من أهمية حقوق وحريات الإنسان المنصوص عليها في الدستور العراقي لسنة 2005، لضمان أمن المجتمع وتحقيق العدالة، وبالأخص حقوق المتهم أمام القضاء.

حيث نصت المادة (15) منه بأن (( لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذهِ الحقوق او تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرارٍ صادرٍ من جهة قضائية مختصة)) وتكمن اهمية البحث في المادة (19/ثانياً) والتي تنص على (( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا عقوبة الا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة، ولا يجوز تطبيق اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة)) وهذهِ النصوص تدل على حقوق المتهم التي يكلفها الدستور في صراحة نصوصه، لكون هذهِ النصوص تمثل أهم المبادئ في مرحلتي التحقيق الابتدائي والمحاكمة.

وتبرز أهمية هذا الموضوع عند الخوض في إجراءات التحقيق وإجراءات المحاكمة كونها على مساس بالحرية الشخصية التي تراعي المواثيق والاتفاقيات الدولية، بالإضافة على الدساتير حمايتها من خلال إجراءات قانونية منصفة يراعى فيها التوازن المنشود بين حماية المصلحة العامة وضمان حقوق وحريات المتهم:

 فروض البحث .

تستند خطة البحث على موضوع الدراسة (المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية) إذ سنقسمه على فصلين : في الأول منه نتناول التعريف بالمبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية، لذا سنقسم هذا الفصل على مبحثين : الأول منه الدستور والمبادئ الدستورية، أما في المبحث الثاني سنتناول مفهوم الدعوى الجزائية، وفيما يخص الفصل الثاني سنتناول المبادئ الدستورية في مراحل الدعوى الجزائية، لذا سنقسمه على مبحثين : ففي الأول منه المبادئ الدستورية في مراحلة التحقيق الابتدائي، أما المبحث الثاني سنتناول المبادئ الدستورية في مرحلة المحاكمة.

إشكالية البحث :

تكمن مشكلة البحث في مدى التوافق بين المبادئ الدستورية التي تكفل حماية حقوق وحريات الإنسان وبين مراحل الدعوى الجزائية، وكدى حماية المجتمع عن طريق التجريم والعقاب وبين الإجراءات الجزائية المتخذة لكشف الحقيقة ولضمان محاكمة عادلة بكفالة المبادئ الدستورية، حيث يتوقف ذلك على السياسة الجنائية المتبعة في القوانين العقابية وبين المبادئ التي نص عليها المشرع العراقي في الدستور العراقي لسنة 2005 ومدى احترامه لحقوق الانسان .

وإذ ان مشكلة الدراسة هي تعارض المبادئ الدستورية المنصوص عليها في الدستور العراقي مع إجراءات التحقيق الابتدائي وإجراءات المحاكمة عندما يتم تطبيق القوانين العقابية بالإضافة الى انها تتعارض مع نشاط السلطة القضائية عنده تطبيق النصوص القانونية لفرض العقوبة .

قد يأمر قاضي التحقيق بحبس المتم اثناء فترة التحقيق كإجراء احتياطي من أجل إكمال إجراءات التحقيق، أو خوفاً من هروب المشتبه به، فقد تبين وجود الاشكالية في عدم توافق المبادئ الدستورية مع هذا الاجراء الذي يتم بحث المتهم، مما يؤدي الى إحراج المتهم او المشتبهة به وصعوبة الاندماج مع المجتمع من جديد بعد أن تثبت براءته.

أهداف البحث .

يسعى البحث الى مجموعة من الأهداف في ضوء المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية، ويمكن الإشارة لها بالنقاط التالية :

1-الوقوف على السياسة الجنائية المتبعة في ظل الدستور العراقي لسنة 2005.

2-ينبغي أن تتبع المبادئ الدستورية لتحقيق حماية جنائية فعالة لحقوق المتقاضين في الدعوى الجزائية .

3 – يجب التفرقة بين المبادئ الأساسية في دستور 2005 وبين المبادئ الدستورية في مراحل الدعوة الجزائية، فالغاية من ذلك هو الوقوف على أهم المبادئ أو الضمانات التي تحمي النصوص الدستورية، لضمان حقوق وحريات أفراد المجتمع.

.الدراسات السابقة :لقد اشارت معظم الدراسات الى المبادئ الدستورية بحد داتها ولم تتناول ما هو معتمد منها في صلب الدعوى الجزائية وفي كل تفصيلة من تفصيلاتها ابتداء بالتحقيق وصولا الى الحكم .

 منهج البحث .

سنتبع في دراسة البحث الموسوم الذي يتعلق بـ(المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية) المنهج الوصفي، الذي يوضح المبادئ الاساسية في الدستور العراقي لسنة 2005 ويصف الإجراءات المعتمدة في مراحل الدعوى الجزائية.

 

الفصل الاول

التعريف بالمبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية

تعد المبادئ الدستورية ذات أهمية كبيرة في حماية حقوق وحريات الانسان من استبداد القضاة في مراحل الدعوى الجزائية، وأوردها المشرع العراقي في صلب الوثيقة الدستورية لحماية حقوق وحريات الانسان في المجتمع، وتناول عدة مبادئ منها مبدأ سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلالية القضاء وتعدّ هذهِ الضمانات الاساسية في الدستور العراقي، أما المبادئ الدستورية في مراحل الدعوى الجزائية والتي هي موضوع البحث تعتبر أهم المبادئ لحماية حقوق المتهم في مراحل الدعوى الجنائية الموجه ضده، ومنها المساواة، مبدأ علانية المحاكمة مبدأ حق الدفاع، مبدأ حظر الحجز، ويؤكد المشرع العراقي على هذهِ المبادئ في مراحل الدعوى الجزائية ومدى تعارضها مع النصوص القانونية في الحالات الاستثنائية التي يتوجب فيها التدابير الاحترازية من أجل الحفاظ على سير الدعوى الجزائية دون المساس بعدالة القضاء.

وعليه سنقسم هذا الفصل على مبحثين : سنتناول في المبحث الأول الدستور والمبادئ الدستورية، أما في المبحث الثاني سنتناول مفهوم الدعوى الجزائية.

 

المبحث الأول

الدستور والمبادئ الدستورية

تعد المبادئ الدستورية ذات أهمية كبيرة في الدستور العراقي، فهي تشكل القاعدة الاساسية في الدستور، وعليه يجب تعريف الدستور لغةً واصطلاحاً، كونه يعتبر القاعدة الاساس أو الوثيقة التي تضمن مجموعة من القواعد القانونية، لحماية حقوق وحريات الانسان، فالدستور يستند الى مجموعة المبادئ الدستورية، التي تحمي حقوق المتهم في كافة مراحل الدعوى الجزائية، ويجب الوقوف كذلك على طبيعة القاعدة الدستورية، كونها قد تتعارض مع بعض القوانين العقابية.

فلا بد من التفرقة بين الضمانات العامة لقوانين الدولة وسيادة الحكم في البلاد وبين المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية، لكي نحقق الغرض الذي تسعى إليه دراسة الموضوع، الدساتير العربية والمواثيق الدولية حرصت على إيراد هذهِ الضمانات لأنها تحمي نصوص الدستور، وتؤكد على حماية الأفراد وحقوقهم وحرياتهم.

لذا سنقسم هذا المبحث على مطلبين، ففي المطلب الأول سنتناول مفهوم الدستور وطبيعة قواعده وفي المطلب الثاني المبادئ الدستورية الاساسية وأهميتها.

 

المطلب الأول

مفهوم الدستور وطبيعة قواعده

يجب الإشارة الى الأصل التشريعي الثابت للدستور في (القرآن الكريم والسنة النبوية)، ومع تغير الظروف والمكان وتطور العلم وجدت القوانين في المجتمعات مع وجود هيئة قوية مؤمنة بالشريعة الإسلامية، حيث استمدت إرادتها من الإيمان ومن ثم الامة (الشعب المنتخبة ولقد كانت أغلب المبادئ الدستورية المنصوص عليها في الشريعة الاسلامية ومنها ما يتعلق بعقوبات الجرائم والقصاص والدية، فضلاً عن المبادئ الاساسية التي أدكت عليها الشريعة الإسلامية، منها المساواة في الحقوق وتحقيق العدالة.(علي, 2013، ص8.)

فلا بد من الاشارة الى أهم هذهِ الدساتير ومنها الدستور العراقي، فهو دستور فيدرالي، وقد تمت الموافقة على الدستور في استفتاء 15/ 10/ 2005، ودخل حيز التنفيذ في عام 2006، وهو أول وثيقة قانونية تقرها جمعية تأسيسية منتخبة منذ عام 1924.(علي, 2013، ص8.)

لذا سنقسم هذا المطلب على فرعين، سنتناول في الفرع الأول تعريف الدستور لغةً واصطلاحاً، أما في الفرع الثاني سنتناول طبيعة القواعد الدستورية.

 

الفرع الأول : تعريف الدستور لغة واصطلاحاً

أول ظهور لمصطلح الدستور في ايطاليا الذي كان يطلق عليه (القانون الدستوري) في عام 1797، وبالتحديد في ايطاليا الشمالية، قد درس لأول مرة فيها، وهو مشتق من اللغة الايطالية.(الشكراوي، 2011).

أما في فرنسا فقد بدء ظهور مصطلح الدستور عام (1834م) حيث قرر (جيزو) وزير البحث والتعليم في زمن الملك (لويس فيليب) تدريس مادة القانون الدستوري في جامعة باريس وهدفهم من ذلك هو تدريس الدستور والإعلان عنه في النظام السياسي، لكسب آراء الشعب والدعم للحكم الملكي واستمراره، وبفضل ذلك تم الغاء كرسي القانون الدستوري وأدمجت المادة مع مواد القانون الإداري في القانون العام، أما في مصر ظهر الدستور سنة (1923) وبعدها أخذ بالانتشار الى غالبية الدول العربية.(كرم، 2009، ص203).

أولاً : مدلول الدستور لغةً .

للتعبير عن المعنى اللغوي للدستور نجد كلمة (دستور) من أصل فارسي، فهي ليست من أصل عربي، وتعني القاعدة أو الأساس أو الأذن او الترخيص، ويقابله المعنى في اللغة الفرنسي حيث يعني الدستور ((التأسيس أو البناء أو التنظيم)).(شيحا، 2006، ص12).

ويلاحظ أن التعبير اللغوي يتبعه الفقهاء الانكليز كما مبين في تعاريفهم للقانون الدستوري تماماً، أما في الفقه المصري نجد صعوبة تحديد التعريف اللغوي للدستور لما يتضمنه من معنى اوسع وأشمل للمصطلحات والتعابير الاكاديمية والتقاليد الجامعية السائدة في البلاد اللاتينية، حيث أكدت على مدلول القانون الدستوري في مجموعة القواعد المرتبطة بالتنظيم السياسي والذي يشمل السلطات الحاكمة في الدولة(العاني، 2007، ص64)، وأخرجت السلطة الادارية والسلطة القضائية ومسائل الجنسية من مضامينه.

ثالثاً : مدلول الدستور اصطلاحاً:

يمكن تعريف الدستور اصطلاحاً عن طريق معيارين وهما المعيار الشكلي والمعيار الموضوعي والمادي، وكالتالي :

1-المعيار الشكلي : يقصد به الوثيقة الدستورية التي تتضمن النصوص الاساسية له وفق هذا المعيار يعتبر القانون الدستوري مجرد وثيقة دستورية مدون فيها القواعد الواردة في الدستور ورغم بساطة المعيار إلا أنه تعرض للنقد حيث أنتقده على أن الدستور يختلف من بلد الى آخر فالاختلاف ليس بين البلدان فقط، بل ايضاً يختلف في الدولة الواحدة من حيث تغيير النصوص أو أضافة نصوص جديدة أو ألغاء نصوص قديمة من فترة الى أخرى.(شيحا،ص16).

ومن ثم وجود نصوص ذات صفة دستورية لا تنص عليها الوثيقة الدستورية فمثلاً قواعد انتخابات اعضاء البرلمان بالإضافة قد توجد قواعد موضوعية لا تعتبر في جوهرها من مواضيع الدستور مثلاً النصوص الادارية والمالية، وقد عرف القانون الدستوري على أنه : (( هو تلك النصوص الواردة في الوثيقة الدستورية قد يعجر عن الإشارة لها في الدساتير غير المكتوبة لعدم وجود الوثيقة المكتوبة)).(العاني، ص64).

ولا يمكن بهذهِ الحال ضم القواعد الدستورية الفعلية والعرفية بل تستبعد وذلك لأنها لم تدون في الوثيقة الدستورية، ومثالاً على ذلك عندما تم تأسيس الدولة في لبنان جرى اختيار رئيس الجمهورية مارونيا، ورئيس مجلس الوزراء سنياً، ورئيس مجلس النواب شيعياً وهذهِ من القواعد التي لم تدون في الدستور او في قانون عادي وهي قواعد دستورية في العرف الدستوري.(العاني، ص69).

2-المعيار الموضوعي والمادي : وهو يدل على المعنى الفني او الاصطلاحي للدستور عن طريق الموضوع او مضمون أو جوهر النصوص في القاعدة مستبعد شكلها او مصدرها ويقصد هذا المعيار أم المواضيع التي تعتبر دستورية من طبيعتها او في جوهرها سواء وردت في الوثيقة (الدستور) أو لم ترد، وتقرر بناء على عرف دستوري أو ترد في قوانين عادية.(شيحا ، ص26).

 

الفرع الثاني : طبيعة القواعد الدستورية

اختلفت آراء الفقهاء حول تحديد طبيعة القواعد الدستورية عندما اضافوا إليها صفة القاعدة القانونية، وذلك بالاعتماد على عنصر الجزاء في القانون الدستوري لأن السلطة العامة لا يمكن أن توقع الجزاء على نفسها إذا ما خالفت بعض أحكام القانون الدستوري، أما عن الفقهاء الفرنسيين أشاروا الى هذهِ الطبيعة عن طريق كل قاعدة قانونية تحمل بين طيات أجزاءها الجزاء الخاص وفي حال مخالفة القواعد القانونية وتجسدها يكون الجزاء مباشر وهو استخدام القوة مع المخالف فإن ذلك لا ينفع لكل القواعد القانونية.(البحري، 2009، ص30).

ثانياً : انكار القاعدة الدستورية ذات الطبيعة السياسية

أنكر الفقهاء الطبيعية السياسية للقاعدة الدستورية، وذلك باتباعهم المدرسة الشكلية وعلى رأسهم الفقهية الانكليزي (جون اوستن)، (1790 -1859)، باعتقادهم أن الجزاء يجب أن يكون مادياً، ذو مظهر خارجي يمثل العقوبة أو الأذى الذي يوقع على من يخالف القواعد القانونية ويفترض بأن يأخذ الجزاء صورة إكراه مادياً يتم توقيعه على المخالف من جانب الجهات المختصة بما تملك من وسائل معتمدة(البحري ، ص28)، وهذا يؤدي بأن تكون السلطة مطالبة بتوقع الجزاء على نفسها في حال خروجها عن القيود التي تفرض على القواعد الدستورية ولكن هذا لم يحدث في الكثير من الدول، ويمكن أن يكون الجزاء في صور عدة منها الجزاء المالي وهي الغرامة وتتمثل بالرقابة المتبادلة على الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية على نصوص القانون الدستوري، أما الجزاء غير المالي وهو ردة فعل افراد المجتمع في حال مخالفة الحاكم للقواعد الدستورية والتي تتمثل بالانتفاضات والثورات.(العاني ، ص69).

ثالثاً : تقييم طبيعة القواعد الدستورية

وهي قاعدة عامة مجردة حسب ما أشارَ إليها الفقه المصري ولا شك في عمومية القاعدة واغلبها يتعلق بأشخاص أو قواعد قانونية، وتحتفظ بالعمومية حتى لو تحدد تطبيقها في شخص معين مثلاً رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، وذلك لأن النصوص تناولت الشخص بوصفه لا بذاته فالنص الذي وصفع رئيس مجلس الوزراء يخضع له من يشغل المنصب بعده او في المستقبل أي لا يمس الشخص بعينه وتعتبر قاعدة اجتماعية حيث يختص جزء منها لعلاقة الأفراد بالدولة الخاضعين لها وكذلك تعد قاعدة ملزمة لأنها توفر عنصر الجزاء الذي يترتب على المخالف للقواعد الدستورية الكثير من الجزاءات، منها يأخذ صور وأشكال متعددة ومنها يكون منظم أي أن الدولة تختص بتوقيع الجزاء.(البحري، ص31).

ولا بد من تعريف القاعدة الدستورية على انها : (( مجموعة القواعد العامة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع والتي تكفل الدولة احترامها بالقوة عند الاقتضاء عن طريق توقيع جزاء على من يخالفها))، ويدل التعريف على أن القواعد الدستورية هي قاعدة اجتماعية، هدفها تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.(ليندة، 2018، ص250).

 

المطلب الثاني

المبادئ الدستورية الاساسية وأهميتها

يجب حماية نصوص الدستور وفق مجموعة من المبادئ الدستورية الاساسية التي يطلق عليها القواعد الدستورية أو الضمانات الدستورية، حتى تكون القواعد الدستورية الأساس في الدستور، يجب أن نضمن حسن تطبيقها وتنفيذها، ومن المفترض إقرار بعض الضمانات في الدستور، لكي تكون معياراً للحد من انتهاكات خاصة من قبل السلطات، وهذهِ المبادئ تتمثل بمبدأ الفصل بين السلطات وما يترتب عليه من إجراءات الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة، بالإضافة الى ذلك تحديد جهة مختصة للرقابة على دستورية القوانين، مع احترام السلطة التشريعية لأحكام الدستور.( ليندة، ص253).

وعليه سنقسم هذا المطلب على فرعين : سنتناول في الفرع الاول المبادئ الدستورية الاساسية، أما في الفرع الثاني سنتناول أهمية المبادئ الدستورية.

الفرع الأول : المبادئ الدستورية الأساسية

تعد المبادئ الدستورية من أهم الأسس في الدستور وتأتي بعد الديباجة ويمكن عن طريقها تبويب الدستور ليبين شكل النظم الأساسية في الدولة وحقوق الأفراد وواجباتهم ويطلق عليها البعض بالمبادئ المرشدة وذلك لأنها تشير الى القواعد العامة التي على خطها يتم أنشاء النصوص الدستورية للدولة بهدف ضمان السلامة العامة وتحقيق العدالة في الحكم، ولم يوجد اتفاق على أهم المبادئ الدستورية في محتوى الدستور، ولكن بشكل عام يمكن صناعة وصياغة الدساتير، كما يمكن توجيه المحتوى الأساسي للدساتير والذي لا يخرج عن المحتوى بأهمية سيادة القانون واستقلالية القضاء، مبدأ احترام وحماية حقوق الانسان، ومن هذهِ الدساتير التي لا تحتوي على مبادئ دستورية دستور دولة الإمارات العربية المتحدة 1971م ودستور السودان 2005، والدستور السوري 1973م.

ومن المبادئ الأساسية في الدستور العراقي لسنة ما جاءت المادة به (1) والتي تشير الى أنه ((جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي اتحادي)).( الدستور العراقي لسنة 2005)

ومن المبادئ الأساسية في الدستور العراقي أيضاً : (( مبدأ سمو الدستور، مبدأ سيادة القانون مبدأ الفصل بين السلطات، مبدأ شرعية حقوق الإنسان كضمان للنظام الدستوري، مبدأ توزيع السلطة والثروة في الدولة الواحدة واللامركزية بمعايير دستوري))، أن مصدر القانون الدستوري لكل دولة يستند على القواعد الدستورية سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة أو عرفية ويجمع الفقهاء على المبادئ الدستورية ومنها مبدأ سمو الدستور ومبدأ المساواة إذ يلاحظ أن الدساتير تشير الى هذا المبدأ على أنه أساس علو الدستور وسموه، وذلك لأن القانون هو انعكاس لمصالح اجتماعية واقتصادية في المجتمع.(كرم، ص267).

أشارت المادة (5) من الدستور العراقي الى مبدأ السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، ويمارسها بالاقتراع السري العام المباشر، وعبر مؤسساته الدستورية أما المادة (6) منه نصت على أن ((يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور)) كذلك جاءت المادة (13) منه تنص على أن (( يعد هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء)).

الفرع الثاني : أهمية المبادئ الدستورية

بعد أن تمكنا من توضيح المبادئ الدستورية الأساسية يجب الإشارة الى أهمية المبادئ الدستورية التي تضمن النظام الدستوري لدولة، لكون الدولة تتصف بأنها دولة ذات سيادة في القانون ويخضع فيها الحاكم والمحكوم وهذا لا يكفي بخضوع المحكومين بل يتطلب خضوع الجميع للقانون وبالأخص خضوع السلطات الثلاث وهم (التشريعية والتنفيذية والقضائية))(الخطيب، 2012، ص531)ويمكن توضيح أهمية المبادئ الدستورية كالآتي :

1-مبدأ سمو الدستور : ويعني الدستور الأعلى في الحكومة فهو اعلى قانون ولا يعلو عليه أي قانون آخر، وهو مسلماً به، في حال نصب عليه الدساتير أو لم تنص عليه، وأن أول الدساتير وأحدثها التي نصت الى السمو الدستوري هو دستور الاتحاد السوفياتي عام (1977) جاءت المادة (173) والتي نصت على أنه (( الدستور الاتحاد السوفياتي قوة القانون الأعلى وسائر مقررات هيئات الدولة تصدر على اساس دستور الاتحاد السوفياتي ووفقاً له))(الدستور السوفيتي لسنة 1977). وكذلك الدستور العراقي الذي (( يعد هذا الدستور القانون الاسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزم في انحائه كافة وبدون استثناء))(الدستور العراقي لسنة 2005).

2-مبدأ سيادة القانون : يعني هذا المبدأ هو إلزام إدارة الدولة بحدود القانون عند مباشرتها لمختلف الأعمال والأنشطة إذ لا يمكن أن تتجاوز هذهِ القواعد القانونية، لأن ذلك يعدّ مخالفة قانونية، وتقوم بكل عمل قانوني أو مادي وفقاً لأحكام القانون وللإجراءات الشكلية المحددة فيه، ولتحقيق غاياته وهي المصلحة العامة للشعب، وإن هذا المبدأ يعتبر عديم الفائدة في حال لم يراقب ويوقف سلطات الدولة المخالفة للقانون، أي يجب محاسبتهم على المخالفة وهذا بمثابة تعويض للأشخاص المتضررين من هذهِ المخالفة ويعاقب من ارتكبها عن قصد ولا يجوز فرض العقوبة بدون السلطة القضائية فهي المسؤولة عن فرض العقوبة حيث تأخذ بعين الاعتبار احترام القواعد القانونية ومراقبة انتهاكاتها.(جبر،2018، ص35).

إن مبدأ سيادة القانون هو أهم مبدأ في الدولة حيث يسيطر على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعرف بأنه : (( القواعد القانونية فوق ارادات الافراد حاكم ومحكوم ويلزم الجميع بأحكامه، فإن لم يلتزمون بهذهِ الاحكام بالقواعد القانونية ينقلب التصرف المخالف للقانون الى تصرف غير قانوني)).(سهام، 2008، ص11)

وكذلك عرف بأنه : (( مبدأ للحكم يكون فيه جميع الأشخاص والهيئات العامة والخاصة بما فيها الدولة نفسها مسؤولين أمام قوانين صادرة علانية وتطبق على المجتمع بالتساوي ويحكم في إطارها الى قضاء مستقل، وتتوافق مع المعايير والمعاهدات  الدولية لحقوق الإنسان)).( المركز اليمني لقياس الرأي العام)

وأشار المشرع في الدستور العراقي الى مبدأ سيادة القانون الى أنه : (( السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية)).( الدستور العراقي لسنة 2005)

وهذا المبدأ تنص عليه أغلبية الدساتير والقوانين المعاصرة لحماية حقوق الانسان من الظلم والاستبداد، كما أورده المشرع الدستوري العراقي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات كونه من المبادئ المهمة في سياسة تجريم العقاب، وقد ظهرت مبادئ أخرى ذات أهمية منها مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية إلا إذا كان أصلح للمتهم، ومبدأ عدم جواز القياس على النصوص التي تحدد الجرائم والعقوبات.(الرهيمي، ص7).

المبحث الثاني

مفهوم الدعوى الجزائية

الغاية الاساسية من الدعوى الجزائية هو الوصول الى الحقيقة سواء كانت بإدانة المتهم أو ببراءته، ولذلك فالدعوى عادةً ما يتم تحركها من قبل الجهات المنصوص عليهم قانوناً، ومن بعدها تمر الدعوى بعدة مراحل، في كل مرحلة يتم مراعاة جملة من المبادئ الدستورية، ومن ثم القيود الواردة على تحريك الدعوى الجزائية، فإن علم النفس القضائي بين لما له من جوانب مهمة مشتركة في الدعوى الجزائية، وهي القاضي والدفاع والاتهام والمحكوم عليه والمبلغ والشهود والجمهور، اضافة الى دراسة الجوانب المهمة في دائرة الدعوى الجزائية وعلى هذا الاساس تكتمل الدعوى بتوفر الشروط المهمة في الإجراءات الجنائية والتي تبدأ من مرحلة التحري والاستدلال عن الأدلة لاكتشاف الجريمة، ثم الانتقال الى مرحلة التحقيق الابتدائي وبعدها مرحلة المحاكمة.

لذا سنقسم هذا المبحث على ثلاث مطالب : سنتناول في المطلب الأول مفهوم الدعوى الجزائية وتحريكها، أما في المطلب الثاني سنتناول القيود الواردة على تحريك الدعوى الجزائية، وفي المطلب الثالث سنتناول مرحلة الدعوى الجزائية

 

المطلب الأول

مفهوم الدعوى الجزائية وتحريكها

تعد الدعوى الجزائية ذات مفهوم واسع يشمل مجموعة من إجراءات مترابطة والتب تبدأ من تحريك الدعوى الى صدور قرار الحكم فيها، ونجد هذهِ الإجراءات في قانون أثول المحاكمات الجزائية حيث تضمن مراحل القيام البدء في التحقيق الابتدائي ومراحل التحقيق القضائي، ولتحقيق سلامة ومباشرة مجرى الدعوى الجزائية وشرعيتها لذا اسبغ المشرع الإجراءات المهمة حول كيفية إقامة الدعوى الجنائية وانقضاء الدعوى وبطلان الدعوى الجزائية، وبموجب قانون أصول المحاكمات رقم (23) لسنة 1971 المعدل تنص المادة (1 الفقرة/أ) منه على (( تحريك الدعوى الجزائية بشكوى شفوية أو تحريرية تقدم الى قاضي التحقيق او المحقق أو أي مسؤول في مركز الشرطة أو أي من اعضاء الضبط القضائي من المتضرر من الجريمة أو من يقوم مقامه قانوناً او أي شخص علم بوقوعها او بإخبار يقدم الى أي منهم من الادعاء العام ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويجوز تقديم الشكوى في حالة الجرم المشهور الى من يكون حاضراً من ضباط الشرطة ومفوضيها)).

لا سنقسم هذا المطلب على فرعين : ففي الأول سيتم التطرق الى تعريف الدعوى الجزائية لغةً واصطلاحاً، أما في الفرع الثاني سنتناول تحريك الدعوى الجزائية.

الفرع الأول : تعريف الدعوى الجزائية لغةً واصطلاحاً

عند حدوث الجريمة في المجتمع تنشأ دعوى ضد المتهم لارتكابه الجريمة وتسمى الدعوى الجنائية، تهدف بالحصول على الفصل في الجريمة ومعرفة المسؤول عنها بحكم القضاء، ثم أن المجتمع يملك حق مباشرة هذهِ الدعوى باسم الجهة أو هيئة تحقيق الادعاء) أحمد ، 2008، ص9)، وبالإمكان تعريف الدعوى الجزائية في اللغة والفقه الإسلامي ففي الأصل تكون كلمة مركبة مكونة من دعوى وجزاء ليكتمل المعنى العامل في تحقيق العدالة، لذا سنعرف الدعوى الجزائية في فقرتين كالآتي :

أولاً : تعريف الدعوى الجزائية لغةً :

الدعوى في اللغة تعرف بـ(اسم) وهي ادعى، ادعاءً، وفي الجمع (دعاوى) والدعوى تعني اسم والمصدر هو ادعاء أي تدل على من يدعي، ويقال ادعى فلان على أن له حقاً عنده فلان او باطلاً.(ابن منظور ، 711هـ)

فهي من أصل فعل ثلاثي دعو ويدل على أن الشيء إليك من الكلام والصوت الصادر منك، فيكون (دعا يدعو، ادعو دعاء، وكلمة دعوى تنتهي بألف التأنيث، فلا يمكن التنوين لأن ممنوعة من الصرف، وجمع دعوى، دعاوي أو دعاوى، وهي كسر الواو وفتحها ويشير معنى الدعوى في اللغة الى الدعاء : فهي تصلح بمعنى الدعاء : لقوله تعالى ﱡﭐﱩﱪﱫﱬﱭﱮﱯﱰﱱﱲﱳﱴﱵﱶﱷﱠ،( يونس، الآية : (10)) وتفيد الطلب والتمني: لقوله تعالى : ﱡﭐﱑﱒﱓﱔﱕﱖﱠ(يس، الآية : (57))وتدل على ما يتمنون.

ثانياً : تعريف الدعوى الجزائية اصطلاحاً.

سنتناول مدلول الدعوى الجزائية في الفقه الاسلامي والقانون لما لها من مكانة اساسية في القانون الجنائي، ففي الفقه اختلف الفقهاء على تعريف الدعوى الجزائية فالبعض عرفها على أنها : (( هي الدعوى التي تتولاها هيئة عليا في القضاء، لجريمة مرتكبة بواسطة من ينوب عنها، بهدف معرفة الجاني لمحاكمته وتنفيذ العقوبة المناسبة عليه))(عبد المنعم، ص10) .

كما عرفت الدعوى بأنها : (( دعوى تباشر أمام المحكمة الجزائية بأنواع الجرائم الثلاث : جناية جنحة مخالفة)).(بشناق ، ص25)

والبعض الآخر أطلق على الدعوى الجزائية اسم دعوى المتهم، لأن المحل هو الجريمة والقصد منها : (( محظرات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزيز أو قصاص في الدنيا)).(عبد المنعم، ص10)

أما مدلول الدعوى الجزائية في القانون تعدّ وسيلة لحماية المجتمع من المجرمين ومنع افراده من ارتكاب الجرائم، وإعادة حقوقه بتحقيق القصاص العادل على الجاني الذي تسبب بأضرار الآخرين وعرض المصلحة للخطر وعرفت الدعوى الجزائية على أنها : (( وسيلة يستطيع من خلالها المجتمع الدفاع عن نفسه واستقراره وصيانة مصالحه من خطر الجريمة المرتكبة ومعرفة فاعليها بغية محاكمته وتنفيذ العقوبة به)).(الرهيمي، 2003، ص107)

وعرفها البعض على إنها : (( مجموعة الإجراءات التي يحددها القانون بهدف الوصول الى حكم قضائي عادل يقرر تطبيقاً صحيحاً للقانون في شأن وضع إجرامي معين)).(بشناق، ص26)

الفرع الثاني : تحريك الدعوى الجزائية

ماذا نعني بتحريك الدعوى الجزائية؟ القصد من تحريك الدعوة هي الخطوة الأولى للبدء في سير الدعوى أمام الجهة المختصة بالتحقيق، أول اجراء وتعد مقطة البداية الى الذي سيقدم الدعوى لجهات التحقيق والحكم، فإن تحريك الدعوى لا تعني مباشرتها أو متابعتها أمام جهة التحقيق أو المحكمة لحين صدور الحكم فيها إضافة الى وجود جهات عدة لها الحق بتحريك الدعوى ومنهم الادعاء العام، ومن التشريعات التي أعطت مهمة تحريك الدعوى الجزائية قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث اعطتها للإدعاء العام أمام القانون الانكليزي اعطى مهمة تولي تحريك الدعوى الجزائية للأفراد في الأصل ولكن يتطلب في بعض الجرائم موافقة الادعاء العام لتحريم الدعوى.(عبد الكريم، 2017، ص34).

أورده المشرع العراقي من قانون أصول المحاكمات الجزائية، الجهات التي لها الحق بتحريك الدعوى الجزائية وهم : (( المتضرر من الجريمة شخص له علم بالجرمية يقدم الى أي منهم الادعاء العام، يجوز تقديم الشكوى الى من يكون حاضراً ضباط الشرطة أو مفوضيها)).(قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي 1971)

المطلب الثاني

قيود تحريك الدعوى الجزائية

إن مهمة تحريك الدعوى الجزائية تقع على عاتق الجهات المختصة كل من قاضي التحقيق وضابط التحقيق وضابط الشرطة والمحقق كما ذكرنا سابقاً في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة (1/الفقرة أ)، حيث لهم حرية تحريك الدعوى الجزائية، ولكن قيد القانون هذهِ الجهات المختصة بتحريك الدعوى الجزائية بقيود معينة، وهي تمثل عقبة أمام سلطة تحريك الدعوى يجب اجراءها حتى يتمكنوا من تحريك هذهِ الدعوى، وتتمثل القيود بـ(الشكوى، والإذن، والطلب).(شمس الدين، 2012، ص48)

ولكن نجد التشريعات العربية تتفق على أن أصول تحريك الدعوى الجزائية تقوم بها الجهات المختصة دون قيود أو شروط وذلك بوصف الجريمة فإنها تمس حقوق المجتمع وعلى رغم من ذلك نجد بعض الاستثناءات لتحريك الدعوى الجزائية.(الرهيمي، ص111)

لذا سنقسم هذا المطلب على ثلاث فروع : ففي الأول يختص بقيد الشكوى، أما الثاني يختص بقيد الإذن، وفي الثالث قيد الطلب.

الفرع الأول : قيد الشكوى

جعل المشرع العراقي مهمة تحريك الدعوى الجزائية واجراءاتها القانونية مرهون بإرادة المجني عليه أو طالب الشكوى أو المتضرر ومن ينوب عنه بالوكالة أو الوصي او القيم وله الحق بأن يشرع أمر تحريك الدعوى أو يحجمها، لذا لا يمكن أن يباشر الادعاء العام بتحريك الدعوى  ولا لغيره أن يتقدم بذلك إلا في حالة تحرك المتضرر في هذا الاتجاه، أما في حال تحرك المتضرر من الجريمة بتقديم شكوى عاد الحق للإدعاء العام بتحريك الدعوى ومتابعة سير إجرائها.(عبد اللطيف، ص38)

والجرائم التي يتطلب فيها الشكوى من قبل المجني عليه هي (( جريمة زنا الزوجية، أو تعدد الزوجات خلافاً لقانون الاحوال الشخصية وجرائم القذف أو السب او إفشاء الأسرار أو الأخبار الكاذب او التهديد بالقول أو الإيذاء الخفيف في حال لم تقع الجريمة على موظف او مكلف بخدمة عامة أثناء قيامه بواجبه او بسبب ذلك)).(العكيلي، ص32)

وكذلك لبقية الجرائم التي تتمثل (( جرائم الأموال التي تقع على الأصول والفروع كالسرقة والاحتيال وخيانة الأمانة)).(الرهيمي، ص111).

ويمكننا القول بان تحريك الدعوى الجزائية يتطلب تقديم الشكوى من قبل المجني عليه بناء على الجرائم المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية وفق المادة (3) عقوبات عراقي، وأن المشرع العراقي حصر كافة الجرائم بالمجني عليه وذلك للحفاظ على الاسرة حيث تعد أغلب هذهِ الجرائم بسيطة وتخص الحقوق الخاصة أكثر تعلقاً من الحق العامل ولكن هذهِ الجرائم لا تحرك الدعوى الا بشكوى من المجني عليه مختصة بالجنحة فقط.(عبد الكريم، ص76)

الفرع الثاني : قيد الإذن

يعدّ تحريك الدعوى الجزائية مرهون بطلب الإذن من جهة خاصة في الجرائم المرتكبة خارج العراق، وذلك بنص القانون (( لا يجوز تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم الواقعة خارج جمهورية العراق الا بإذن من وزير العدل))(قانون أصول المحاكمات الجزائية 1971)وتم نقل هذهِ اصلاحية الى مجلس القضاء الأعلى بعد استقلال القضاء بصدور قرار سلطة الائتلاف المؤقتة في أيلول لسنة (2003).

وأشار المشرع العراقي الى وجوب أخذ الإذن لتعلق ذلك بمصلحة البلد في حال ارتكاب الجريمة خارج البلد، ولا يمكن اتخاذ  أي اجراء بحق المتهم الا بعد الإذن من الجهة العليا في العراق، وذهب المشرع العراقي في موضوع آخر أنه : (( لا تجري التعقيبات القانونية على من ارتكب جريمة خارج الجمهورية الا بإذن من وزير العدل ولا تجوز محاكمته إذا كان قد صدر حكم نهائي من محكمة اجنبية ببراءته أو بإدانته وأستوفي عقوبته كاملة أو كانت الدعوى أو عقوبة المحكوم بها قد سقطت قانوناً ويرجع في تقرير نهائية الحكم وسقوط الدعوى او العقوبة الى قانون البلد الذي صدر فيه الحكم)).( قانون العقوبات العراقي 1969)

الفرع الثالث : قيد الطلب

عرف الطلب بأنه : (( تعليق تحريك الدعوى الجزائية على إرادة السلطة أو الجهة التي وقعت الجريمة اضراراً بمصالحها، لذا يشترط في الطلب أن يكون معبراً عن رغبة وإرادة السلطة او الجهة المجني عليها، بتحريك الدعوى الجزائية ضد شخص معين، حيث أن الطلب هو عمل اجرائي ويصدر بشكل كتابي)).(كاظم، 214، ص6).

(( ولا يجوز تحريك الدعوى الجزائية بالنسبة للجرائم الواقعة خارج الجمهورية العراقية الا بإذن من وزير العدل))( المادة (3) قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي(( لا تجري التعقيبات القانونية ضد من أرتكب جريمة خارج الجمهورية إلا بإذن من وزير العدل)).( المادة (14)قانون العقوبات العراقي)

ويلاحظ أن ملائمة اتخاذ الإجراءات الجنائية لهذهِ الجرائم الى هذهِ السلطات عن طريق ما يقدم بالطلب، أي أن طلب تحريك الدعوى الجزائية يتسم بطابع موضوعي ويهدف الى تحقيق المصلحة العامة وليس تحقيق مصلحة شخصية لفراداً ما أو جماعة معينة.(شمس الدين، ص70)

 

الفصل الثاني

المبادئ الدستورية في مراحل الدعوى الجزائية

تعد المبادئ الدستورية من أهم الإجراءات في الدعوى الجزائية كونها تتعلق بضمانات المتهم في مرحلتي التحقيق الابتدائي والمحاكمة، استناداً لنصوص الدستور العراقي لسنة 2005، إذ يكتسب أهمية في التشريعات الدستورية المعاصرة المتعلقة بالقانون الجنائي، لضمان التقاضي في الدعوى الجزائية، لذا أقرت أغلب الأنظمة القانونية ضمانات تحيط بالمتهم وتحميه مرتبطة بحقوق وحريات الانسان ذاته والغرض من المبادئ الدستورية في مراحل الدعوى الجزائية هو حماية حقوق المتهم، فلا يمكن تجريد المتهم من حقوقه المرتبطة بكيانه وكرامته حتى لو كان متهماً.

لذا سنقسم دراسة هذا الفصل على مبحثين، ففي المبحث الأول سنتناول المبادئ الدستورية في مرحلة التحقيق الابتدائي وهي : (مبدأ شرعية إجراءات القبض والتوقيف ومبدأ وقرينة البراءة ومبدأ حظر الحجز)، أما في المبحث الثاني سنتناول المبادئ الدستورية في مرحلة المحاكمة وهي (مبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ علانية المحاكمة ومبدأ حق الدفاع).

 

المبحث الأول

المبادئ الدستورية في مرحلة التحقيق الابتدائي.

تتميز المبادئ الدستورية في مرحلة التحقيق الابتدائي بحماية الأفراد وتقيهم من خطر الوقوف موقف الاتهام أمام المحكمة، ويمكن من خلال هذهِ المبادئ التأكد من براءة المتهم قدر المستطاع فالتحقيق يستم بالسرعة وعن طريقه يمكن الاستدلال على براءة المتهم من عدمها، لكن هذهِ المبادئ قد تتعارض مع مقتضيات الدفاع، فلا بد من إقامة التوازن بين المبادئ الدستورية والقوانين في مرحلة التحقيق، لغرض ضمان الحقوق والحريات الفردية، ونظراً لإجراءات التحقيق الابتدائي التي تتسم بمساس الحريات والحقوق بصورة مباشرة للوصول الى الحقيقة، فقد تكفل المشرع العراقي بوضع ضمانات معينة ينبغي مراعاتها لتجنب هدر الحريات الفردية، لذا أوجب المشرع ضرورة التحقيق الابتدائي قبل إحالة الدعوى الى المحاكم المختصة ومنها محكمة الجنح ومحكمة الجنايات، حيث أن بطلان هذهِ المرحلة يؤدي الى بطلان إجراءات رفع الدعوى لعدم توفر أحد الشروط التي قد تتبين عن طريق المبادئ الدستورية في هذهِ المرحلة.(السعدي، ص26)

لذا سنقسم هذا المبحث الى مطلبين ففي المطلب الأول مبدأ شرعية إجراءات القبض والتوقيف، أما في المطلب الثاني مبدأ قرينة البراءة.

 

المطلب الأول

مبدأ شرعية إجراءات القبض والتوقيف

سنقسم هذا المطلب على فرعين، سنتناول في الفرع الأول القبض، أما في الفرع الثاني سنتناول التوقيف.

الفرع الأول: إجراء القبض

يعد إجراء القبض من إجراءات التحقيق الابتدائي التي تتعلق بإلقاء القبض على المتهم، لغرض التحقيق معه قبل التأكد من ادانته قبل إحالة الدعوى الجزائية الى المحاكم المختصة بذلك، فهو أمر يصدر من قاضي التحقيق أو المحكمة يقوم بتنفيذه المأمور بإحضار المتهم او الشخص المطلوب منه أمر القبض، واستخدام القوة المناسبة في حال إذا تطلب الأمر بإحضاره(عبد اللطيف، ص165استناداً الى احكام المادة (108) أصول المحاكمات الجزائية والتي تنص على أنه : (( إذا قاوم المتهم القبض عليه أو حاول الهرب فيجوز لمن كان مأذوناً بالقبض عليه وتحول دون هربه على أن لا يؤدي ذلك بأية حال الى موته ما لم يكن متهماً بجريمة معاقب عليها بالإعدام او بالسحن المؤبد))( المادة (108) قانون أصول محاكمات جزائية العراقي).

وقد حدد المشرع العراقي الجهة المسؤولة عن اصدار امر القبض كل من قضاة التحقيق والمحاكم الجزائية، ذلك لخطورة إجراء القبض الذي يخالف الأصل بعدم الاعتداء على حريات الفرد بمسوغ قانوني، لذا أورده المشرع المادة (90) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي المتعلقة بذلك والتي نصت على (( لا يجوز القبض على أي شخص أو توقيفه الا بمقتضى أمر صادر من قاضٍ أو محكمة وفي الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك)).( المادة (90) قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي)

أما بيانات المتهم يجب أن تكتب في أمر القبض والتي تتعلق باسم المتهم وشهرته ولقبه وأوصافه، ومحل اقامته وعمله، ونوع الجريمة والمادة القانونية التي تنطبق على الجريمة، كما يجب تسجيل تاريخ الأمر واصداره وتوقيع وختم من أصدره.(عبد الكريم، ص170)

ويحدد أعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة المكلفين بالقبض على المتهم، وإجباره على الحضور، وفي حالة رفض الشخص الحضور يتم احضاره بالقوة، لذا أورده الشرع العراقي المادة (19) الفقرة (الثالثة عشر) من الدستور العراقي لسنة 2005 والتي تنص على أن (( تعرض أوراق التحقيق الابتدائي على القاضي المختص خلال مدة لا تتجاوز أربعاً وعشرين ساعة من حين القبض على المتهم لا يجوز تمديدها الا مرة واحدة وللمدة ذاتها)).( المادة (19) الدستور العراقي لسنة 2005)

 

المطلب الثاني

مبدأ قرينة البراءة

إن مضمون مبدأ البراءة مفاده إثبات حق المتهم البريء، فيعتبر المتهم بريئاً على اساه لحين ثبوت ادانته او براءته بحكم صادر عن القضاء المختص، ويعد مبدأ البراءة ذات أهمية بالغة في الدعوى الجزائية، وذلك بضمان معاملة المتهم على أنه بريء، ابتداءً من تحريك الدعوى الجزائية لغاية صدور الحكم بإدانته.)الشاوي ، 1990، ص35)

إن مبدأ الأصل في المتهم البراءة يتفق مع حقوق وحريات الفرد، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق المحاكمة العادلة التي تقتضي التوازن بين إجراءات التحقيق الابتدائي وبين التطبيق الفعال للقانون في الحماية الشخصية للمتهم وحماية المصلحة العامة في الوقت ذاته، ولا يفترض معاملة المتهم بمبدأ البراءة في المحاكمة وتقيم الأدلة فحسب، بل يفترض معاملته قبل المحاكمة ايضاً، وذلك لأن مبدأ البراءة ينطبق على المشتبه فيهم قبل الاتهام رسمياً بأنهم مرتكبي الجريمة، تمهيداً لإحالة الدعوة للمحكمة ويستمر الحق في اعتبار المتهم برئ قائماً حتى يتم تأييد الحكم بالإدانة بعد استنفذا مرحلة الطعن.(سلمان، ص83)

لذا سنقسم هذا المطلب الى فرع واحد سنتناول في الفرع الأول اصل البراءة حق يحميه الدستور.

الفرع الأول : أصل البراءة حق يحميه الدستور

يعد أصل البراءة حق من حقوق الانسان وحرياته، وهو اجراء  من اجراءات التحقيق الابتدائي، ومبدأ اساسي في النظام الديمقراطي، حيث اهتمت الدساتير بهذا التعبير في الحقوق التي تنال الحماية الدستورية ومنها الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (19) الفقرة (الخامسة) منه ونصت على أن (( المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية عادلة، ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرة أخرى بعد الإفراج عنه إلا إذا ظهرت أدلة جديدة)).(سرور، ص246)

ويشير نص المادة أعلاه في الدستور العراقي الى أمرين :

الأول : المتهم بريء حتى تثبت ادانته والثاني عدم محاكمة الماهم عن الفعل مرتين، وظهر مبدأ عدم المحاكمة المتهم عن الفعل مرتين من الأصل في المتهم البراءة، ويمكن توضيح ذلك كالآتي :

1-المتهم بريء حتى تثبت إدانته : هو مبدأ افتراض براءة المتهم حتى تثبت ادانته وعبء اثباته يقع على عاتق السلطة التحقيقية، ويفترض بأن لا يطالب المتهم بأي دليل وفق هذا الافتراض هو بريء حتى تثبت إدانته، فافتراض براءة المتهم حتى من حقوقه يضمنه الدستور، وتقتضي قرينة المبدأ وجوب احاطة المتهم بضمانات احترامها، حتى لا تبقى مجرد قرينة من قرائن الاثبات.(عواد، 2018، ص174)

ويترتب على معاملة المتهم البريء الاجراءات التي تتخذ في التحقيق الابتدائي أو القضائي، مثل التفتيش والتوقيف، ويجب أن تتخذ بحدود ضمانات الحرية الفردية لغرض الكشف عن الحقيقة، وبالتالي يكفل القانون هذين الاجراءين بضمانات عدم التجاوز على حقوق المواطنين، وينتج عن هذهِ القاعدة تحمل عبء اثبات الاتهام يقع على المدعي ” الادعاء العام” وافتراض براءة المتهم، فمن ينسب الى شخص ارتكاب جريمة وجب اثبات هذا الادعاء، ولا يطالب المتهم بأدلة لإثبات براءته.)الرهيمي، ص240)

2-عدم محاكمة المتهم عن الفعل مرتين : أساس هذا النص من الدستور العراقي لسنة 2005 ويعرف هذا الضمان في الفقرة (7) في المادة (14) من الحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على أنه (( لا يجوز محاكمة أحد أو معاقبة مرة ثانية عن جريمة صدر الحكم بشأنها حكم نهائي أو افرج عنه فيها طبقاً للقانون)) بمعنى أن هذا المبدأ يتعارض مع مبدأ التناسب في العقاب، ذلك لأنه يرتكز في ذات الوقت على تأسيس التجريم والعقاب على مبدأ الضرورة والتناسب، لذا يتطلب احترام مبدأ التناسب في قانون العقوبات، وعدم تعدد العقوبات دون حدود، أي وقعت عدة جرائم لغرض واحد مرتبطة ببعضها، حيث لا تقبل التجزئة (حالة التعدد المادي).(سرور، ص456)

ووفقاً لهذا المبدأ يجب عدم إجراء محاكمات جديدة أو فرض عقوبات جديدة على نفس المتهم وعلى ذات الجريمة، ينتهك هذا المبدأ عند محاكمة نفس المتهم مرة أخرى على نفس الجريمة.(سلمان، ص84)

 

المبحث الثاني

المبادئ الدستورية في مرحلة المحاكمة

تعد المحاكمة العادلة او المحاكمة القانونية أحد الحقوق الاساسية للإنسان ويتحقق قيام المحاكمة على مجموعة من الإجراءات يتم عن طريقها الخصومة الجنائية، لذا أورده المشرع العراقي مجموعة من المبادئ الدستورية التي تتعلق بحريات الانسان وحماية حقوقه، فأهميتها تكمن في تحديد مصير المتهم، ومنها مبدأ المساواة  أمام القضاء، ومبدأ علانية المحاكمة ومبدأ حق الدفاع، ومن الجدير بالذكر إن العراق صادق على العديد من الاتفاقيات بموجب القانون الخاص ومنها المعاهدات الدولية رقم (111) لسنة 1979 النافذ، حيث أكدت هذهِ الاتفاقيات على احترام الحقوق والحريات الفردية، مما أصبح موضوع حقوق الانسان وحرياته من المطالب الاساسية للشعوب، وفي مقدمتها  العراق خاصة بعد التغيرات التي شهدها بعد عام (2003) لذا اهتم الدستور العراقي لسنة 2005 بحقوق الانسان وحرياته.

لذا سنقسم هذا المبحث على مطلبين سنتناول في المطلب الأول مبدأ المساواة أمام القضاء، أما في المطلب الثاني مبدأ علانية المحاكمة.

 

المطلب الأول

مبدأ المساواة أمام القضاء

نصت المادة (14) من الدستور العراقي على أن (( العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرف او القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب او المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي))، يعد المبدأ من أهم الضمانات في مرحلة المحاكمة، ويشتمل هذا المبدأ في ظل القانون الجنائي، كل من المتهم والمشتكي من جهة والقضاء من جهة أخرى، ويمثل في الواقع المساواة بين حقوق أطراف الخصومة في الدعوى الجزائية، فضرورة مبدأ المساواة ((تنشأ نتيجة وجود التهديد، فالحماية مقرونة بوجود التهديد ولكي تكون الحماية ذات فاعلية فإنه يقتضي أن تكون متناسبة مع التهديد الذي تتعرض له))، فإن القواعد القانونية عندما لا ينتج عن مخالفتها جزاء بحق المخالف، فلا يكتمل معنى المبدأ نظرياً وعملياً، فإن مبدأ المساواة بأمس الحاجة للطابع العقابي لتأمين احترام المبدأ.)العبيدي، 2009، ص2)

لذا سنقسم المطلب الى فرع سنتناول في الفرع الأول النصوص الدستورية المؤكدة لمبدأ المساواة.

الفرع الأول : النصوص الدستورية المؤكدة لمبدأ المساواة

أكدت المادة (16) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789 على إنه (( كل جماعة سياسية لا توفر الضمانات الاساسية للحقوق والحريات العامة هي جماعة بغير دستور)).( اعلان الانسان والمواطن 1789)

إذن الهدف الاساسي للدستور هو ضمان حماية الحقوق الحريات الفردية، ولكن قبل الثورة الفرنسية وجدنا أن حقوق وحريات الافراد القائمة على اساس المساواة لم تحظى بأي اهتمام، ولم توفر قوانينها الحماية المطلوبة لهذا المبدأ، أما عند قيام الثورة الامريكية  كان سبب هذهِ الثورة إقامة دستور ينص على حقوق وحريات الافراد العامة (القائمة على مبدأ المساواة) لذا حرصت الدساتير على ايراد النصوص المؤكدة لمبدأ المساواة، ففي دستور فرنسا 1958 تمثلت المساواة في مبدأ عدم التمييز بين المواطنين ومبدأ المساواة يمثل جزءاً لا يتجزأ من شعار الجمهورية (الحرية، الإخاء، المساواة)(العبيدي، ص6)، أما الدستور العراقي فقد أكده على مبدأ المساواة في المادة (4) والتي تنص على مساواة جميع الافراد أمام القانون.(الدستور العراقي لسنة 2005 المادة (14))

المطلب الثاني

مبدأ علانية المحاكمة

يستند مبدأ علانية المحاكمة الى نص المادة (19/ف7) من الدستور العراقي لسنة 2005 على أن (( جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية)) يؤكد النص على أهمية علنية الجلسة.(الدستور العراقي 2005 المادة (19))

وكذلك أكدت المادة (152) أصول جزائية على إنه : (( يجب أن تكون جلسات المحاكمة علنية ما لم تقرر المحكمة أن تكون كلها أو بعضها سرية، لا يحضرها غير ذوي العلاقة بالدعوى مراعاة للأمن أو المحافظة على الآداب ولها أن تمنع من حضورها فئات معينة من الناس)).

ويؤكد المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على وجوب علنية الجلسة فيما تقرر المحكمة سرية الدعوى الجزائية، وذلك للمحافظة على أمن سير الدعوى، ولها الحق بأن تحدد حضور فئات أو اشخاص في الدعوى الجزائية.

أما في المادة (143) من القانون ذاته نصت على (( المحكمة عند ورود اضبارة الدعوى إليها أن تعين يوماً للمحاكمة فيها تخبر به الادعاء العام وتبلغ به المتهم وذوي العلاقة ومن ترى سماع شهادته من الشهور بورقة تكليف بالحضور قبل موعد المحاكمة بيوم واحد في المخالفات وثلاثة أيام في الجنح وثمانية أيام في الجنايات على الأقل)).( قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971)

الفرع الأول

أهمية علانية المحاكمة

يعد مبدأ علانية المحاكمة من المبادئ الدستورية التي تضمن حقوق الافراد وحرياتهم، وتعتبر أحد الضمانات الرئيسية لجلسات المحاكمة أمام العامة ومن حق عامة الناس بأن يكونوا على علم كيفية سير العدالة والاحكام التي ينتهي إليها النظام القضائي(بعيوي، ص6وللمحكمة الحق بتحديد حضور اطراف الدعوى بقرار قضاءي، فلا يعني علانية الجلسة بأن يحضر جميع أطراف الدعوى، بل تكون علنية أمام الجمهور، ويعتبر النظر العلني ضمان لتحقيق العالة واستقلالية القضاء.

ولا يجوز تقييد حق الجمهور في حضور جلسات الدعوى الجزائية الا في بعض الحالات، تقرر المحكمة استبعاد الصحافة من حضور الجلسات.(سلمان، ص82)

ويمكن تحقيق الردع العام من خلال علانية جلسات المحاكمة في الدعوة الجزائية، وهو أحد أهداف العقوبة، ففي المحكمة اثناء الجلسات يشهد كل من الجمهور والصحافة احداث سير المحاكمة التي تصيب مرتكب الجريمة من جزاء، فيتحقق الردع العام في حال حاول أحد أفراد المجتمع مخالفة القانون سيؤدي به إلى المحاكمة أمام الجميع، لذا يتحقق احترام القانون.(العزري، ص168)

كما يحقق الإحساس بالعدالة لدى عامة الناس، فإن النطق بالحكم يتيح له تحقيق أهدافه، فقد يصدر حكم المحكمة بإدانة المتهم لغرض تحقيق العقوبة في الردع العام، وقد يكون صدور الحكم ببراءة المتهم وهنا يتحقق قرينة البراءة بإزالة الشبهات وتجريد الشخص من التهمة الموجه اليه أمام عامة الناس، حتى يتمكن من ممارسة حياته بين افراد المجتمع بكرامته، ويترتب على علانية الحكم جواز نشره في الصحف والمجلات ووسائل الاعلام بشرط الا يشوبه التعسف.(حسني، ص139)

 

الخاتمة

وفي ختام بحثنا الموسوم المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية، صار بالإمكان استخلاص مجموعة من النتائج والتوصيات التي توصلنا لها من خلال الدراسة وسنوردها على النحو الآتي :

أولاً : النتائج

1-تبين بأن المبادئ الدستورية في الدعوى الجزائية الواردة في الدستور العراقي لسنة 2005 تعد الاساس في ضمان حقوق وحريات المجتمع، وبالأخص حقوق المتهم، إذ تبنى المشرع الدستوري صياغة هذهِ المبادئ لحماية حقوق المتهم ليتمكن من الدفاع عن نفسه أمام القضاء.

2-اتضح بأن المشرع العراقي قد حددت صلاحيات من يحق له القيام بتحريك الدعوى الجزائية وفق إجراءات تتخذ من قبل المحقق أو قاضي التحقيق أو الادعاء العام، المشتكي بنفسه، وذلك باتباع القيود الواردة على تحريك الدعوى الجزائية، كما هو موضح في نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما هو موضح في نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، ويتم تحريك الدعوى الجزائية عن طريق تقديم شكوى من قبل المجني عليه أو موكله أو من قبل قاضي التحقيق أو الادعاء العام، استناداً لأحكام المادة.

3-اورد المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية عدة اجراءات يجب الرجوع إليها منها اجراء التحقيق الابتدائي واجراء القبض واجراء التوقيف، من قبل قاضي التحقيق أو المحقق أو المخول من مركز الشرطة عندما يتم تكليفهم بقرار قضاءي حول التحقيق بجريمة ما، لا بد من الالتزام بما هو مسموح لهم ضمن حدود القانون، وذلك عند قيامهم بإحضار المتهم، فقد أكده المشرع العراقي بأن يتم إحضار المتهم الا بقرار قضاءي، وهو ما تبناه المشرع الدستوري عندما أكده على ذلك في مبدأ إجراءات القبض والتوقيف، ولكن تبين أن المحقق او قاضي التحقيق قد يستخدمون القوة والعنف عند امتناع المتهم عن الحضور، وهذا يتعارض المبدأ الدستوري في الدستور العراقي الذي نادى بعدم استخدام العنف أو القوة بإحضار المتهم من خلال مبدأ إجراءات القبض والتوقيف في الدعوى الجزائية.

٤_ ان مبدا علانية المحاكمة من المبادئ الدستوريه التي نصصت عليها معظم الدساتير صراحه وهو معتبر لاسباب موضوعية لضمان شفتفية المحاكمة والاستفادة من حيثيات الاحكام القضائية ولا يمكن تقييد حق الجمهور الا بحالات خاصه ومنها الصحافه ولاسباب وجيهة

٥-جعل المشرع العراقي تحريك الدعاوى الحزائية المرفوعه خارج البلاد مشروطا بقيد الاذن وحسنا فعل في ذلك لتعزيز مكانة المواطن والقضاء الغراقي .

المقترحات :

١_ نهيب بالمشرع العراقي ان يخصص مزيد من التشريعات تصمن المتهم مزيدا من الحقوق لا سيما سماع اقوال الشهود بالتفصيل .

٢_ نهيب بالمشرع العراقي تخصيص الحالات التي يتم فيها جعل الجلسة سرية مراعاة للاداب العامة السمعه الخاصة بالمدعي او المدعى عليه .

٣_  تعديل المادة ١٩ /٢ من لا جريمة  ولا عقوبة الا بنص الى لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون حتى لا يتم تفسير كلمة نص بانه نص لقرار تنفيذي او اي نص اخر دون مستوى التشريع الصادر من السلطة للتشريعية .

٤_نهيب بالمشرع العراقي العمل على تعزيز الاحكام الخاصة ب تحريك الدعاوى الجزائية خارج البلاد من ثم اجراءات القاء القبض والاحتجاز لاضفاء مزيد من الضمانات التي تعزز مكانة المواطن والقضاء الغراقي

٥_نهيب بالمشرع العراقي تشريع نصوص تعزز مكانة الادعاء العام سواء امام المحاكم الجنائية او امام المحكمة الاتحادية العليا بما يصمن الحفاظ على الحق العام .

٦_نهيب بالمشرع العراقي تعزيز مبدأ المساواة امام القضاء من خلال معالجة القصور في النصوص التشريعية بهذا المجال واضافة نصوص جديدة تسترعي توهي الدقه لعدم اتاحة اي فرصة للتمييز بين مواطن واخر وعلى اسس مختلفه .

٧_ نهيب بالمشرع العراقي اضفاء الاهمية القصوى لمسالة تسبيب الاحكام القضائية بشكل مفصل من ثم نشر التسبيب في الاعلام ليكون المواطنين والقضاء عموما على دراية بتوجهات المحاكم الكبرى بشان ما .

٨_نهيب بالمحكمة الاتحادية العليا في تخصصها بالجنبة  الجنائية وكذلك كبرى محاكم الجنايات اعتماد حالة من الثبات على الاحكام القضائية وعدم الميل المتكرر الى العدول عن المبادئ التي اقرتها بنفسها سابقا  لضمان حالة من الاستقرار وتحقيق مبدأ الامن القضائي.

 

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

  1. ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 711هـ.
  2. د. ابراهيم عبد العزيز شيحا، المبادئ الدستورية العامة، منشأة المعارف للتوزيع الاسكندرية، القاهرة، 2006 .
  3. د. أحمد فاضل حسين العبيدي، نصوص الدستور العراقي 2005 ودورها في حماية مبدأ المساواة، مجلة ديالى، عدد الحادي والاربعون، 2009.
  4. د. أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون الاجراءات الجنائية، طبعة التعليم المفتوح، 2012 .
  5. د. أونيسي ليندة، ضمانات نفاذ القواعد الدستورية في الجزائر، مجلة الفكر، جامعة محمد بسكرة، الجزائر، العدد العاشر، 2018 .
  6. د. جواد الرهيمي، أحكام البطلان في قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2003 .
  7. د. حسان محمد شفيق العاني، الانظمة السياسية والدستوري المقارنة، الناشر العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد، 2007 .
  8. د. حسن مصطفى البحري، القانون الدستوري – النظرية العامة، ط1، جامعة دمشق للنشر، سورية 2009 .
  9. د. حسين عبد الصاحب عبد الكريم، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، شركة العاتك لصناعة الكتاب، 2017.
  10. د. حسين وحيد عبود العيساوي، الحقوق والحريات السياسية في الدستور العراقي، 2005، ط1، المركز العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017.
  11. د. سلطان الشاوي، ضمانات المتهم في الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية، اطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، 1990 .
  12. د. عبد الجبار ضاحي عواد، ضمانات المتهم خلال مراحل التحقيق المختلفة، مجلة العلوم القانونية، بغداد، مجلد التاسع عشر، 2018 .
  13. د. عبير سهام، بناء دولة القانون في العراق، المجلة السياسية والدولة 2008 .
  14. د. علي هادي حميدي الشكراوي، القانون الدستوري وفق معايير الفقه الدستوري، محاضرات ألقيت مع طلاب كلية القانون – جامعة بابل، 2011.
  15. د. غازي كرم، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، مكتبة الجامعة الشارقة، اثراء للنشر والتوزيع، الاردن، 2009 .
  16. د. فؤاد عبد المنعم أحمد، الدعوى الجزائية وإجراءات المحاكمة، مكتبة الالوكة للنشر، 2008 .
  17. د. محمد حسن كاظم، دور الادعاء العام في التحري والتحقيق الابتدائي، ورقة بحثية جامعة ذي قار .
  18. د. محمود حسين علي، مبادئ الدستور الاسلامي الاساسية، مجلة كلية العلوم الاسلامية، المجلد السابع، العدد الرابع عشر، 2013 .
  19. د. ميثم غانم جبر، الوسائل الدستورية لحماية حقوق الانسان في دستور جمهورية العراق لسنة 2005، مجلة جامعة بابل، المجلد 26، العدد الثالث، 2018 .
  20. د. نعمان أحمد الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، ط4، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، 2012 .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *