الباحثة الغماري كريمة

طالبة باحثة بسلك الماستر، تخصص علم النفس المدرسي

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض مراكش

Kkarima1998@gmail.com

00212766396189

الملخص:

إن الصحة النفسية موضوع كبير وشاسع مهما كتب فيه ومهما قيل، يظل دائما في حاجة للبحث. من جهة ما تفرضه طبيعة التغيرات على الصعيد العالمي. تغيرات على جميع المستويات؛ منها الاقتصادية، الاجتماعية، الصحية والنفسية. زيادة على ما بات يعرفه العالم اليوم من تطور تكنولوجي، مما جعل من الصعب وضعه بمعزل عن الحياة اليومية للأفراد. ومن جهة أخرى التحولات النمائية  التي ترافق الفرد بشكل مستمر بما فيها من تحولات عمرية، مرحلية، علائقية ومهنية. مما يفرض التدخل لمواكبة الفرد ومساعدته على الانتقال بشكل متوازن وسليم في كل مراحل حياته. وهكذا فقد هدف هذا البحث إلى التعمق في مفهوم الصحة النفسية والتعرف على مختلف مقوماتها من وجهة نظر بعض نظريات العلاج النفسي ثم استخلاص أهم المكونات التي من شأنها أن تساهم في تشكل الصحة النفسية وتعزيزها.

الكلمات المفتاحية : الصحة النفسية، الاضطرابات النفسية، المجتمع، العلاج النفسي

Psychological Health Between Reality and Expectations

ELGHEMARY Karima

Master’sdegree Research Student, Specializing in School Psychology,CadiAyyad University, Marrakesh.

 

Abstract :

Mental health is an extensive and vital subject that always necessitates further exploration, regardless of the wealth of literature and discourse surrounding it. On one hand, it is influenced by global changes across economic, social, health, and psychological realms. These changes are compounded by the increasing integration of technology into individuals’ daily lives, blurring the lines between mental health and everyday existence. On the other hand, individuals undergo continuous developmental transitions, encompassing age-related, stage-related, relational, and occupational shifts. These transformations require interventions to support individuals in navigating their life stages in a balanced and healthy manner. Therefore, the objective of this research is to delve deeply into the concept of mental health, examining its various components through the lens of select psychological therapy theories, and identifying key elements that contribute to the formation and enhancement of mental well-being.

Keywords: mental health, psychological disorders, society, psychotherapy

 

مقدمة:

إن تصاعد التحديات المعاصرة وتعقيداتها التي باتت تفرضها متطلبات الحياة اليوم، أصبحت تجعل مسألة التكيف والقدرة على مجابهة الحياة والنجاح فيها بمختلف مستوياتها العملية، الأسرية، العلائقية؛ يتطلب جهدا وطاقة أكبر،وأيضا قدرة أعلى على مسايرة التغيرات المتسارعة والمختلفة في أنماط الحياة على مختلف الأصعدة.

ومما لا شك فيه أن الإنسان هو اللبنة الأساسية داخل كل مجتمع، وهو جوهر نهضته ومصدر تقدمه.. ولكي يحقق هذا الإنسان دوره المنوط به داخل سياق الحياة ويؤدي واجباته الذاتية والاجتماعية على نحو يحقق نهضة وتقدم المجتمع، لابد أن يكون هناك اهتمام بتوفير ظروف تحقق له ولو نسبيا التمتع بالصحة جسدية، عقلية ونفسية جيدة تؤهله لذلك.

فلا يختلف اثنان أن الشعور بالأمن والطمأنينة النفسية والرضا عن النفس من أهم المقومات التي تجعل من الفرد يحظى بالتوازن والتوافق. إلا أن التحديات والضغوط كما ذكرنا سابقا، تحول دون تحقيق الفرد لهذا التوازن الطبيعي الذي يسعى للوصول إليه.

إنموضوع الصحة النفسية هو موضوع يغلب عليه القدم، حيث أن معظم الكتابات التي تناولته تعود إلى العقدين الماضيين.. مما جعلها لا تطرح بشكل كبير قضايا العصر الحديثة والتحولات الكبرى التي حملتها العولمة، وما تطلبه من قدرات  واستعدادات للتعامل معها. مما أظهر الحاجة الملحة للبحث والفهم في موضوع الصحة النفسية.(حجازي، 2017، صفحة 13)

وهكذا فإن اهتمامنا سيتركز حول ما يخص تعزيز قدرات التكيف والنماء عند الأفراد وما يصادفها من مشاكل وعراقيل، بحيث لا تكون الغاية هي الخوض ولا السرد والإطناب داخل حقل علم النفس المرضي بالخصوص. ولكن الهدف هو محاولة مناقشة النظريات التي أعطت مقومات للصحة النفسية من خلال تبيان نقاط تقاطعها واختلافها في طابع تحليلي نقدي ومتكامل في الآن ذاته. الشيء الذي يرسم صورة التأثير والتأثر بين الفرد وصحته النفسية.

إجمالا، سنحاول خلال سطور هذا البحث، الوقوف على أهم مقومات الصحة النفسية التي قدمتها مختلف النظريات داخل العلاج النفسي بتعددها واختلافها، في محاولة لمقاربة هذه المقومات من جانب واقعي..

ثم ننتقل بعدها إلى التطرق للسبل والاستراتيجيات الناجعة التي من شأنها أن تعزز وتحافظ على الصحة النفسية للأفراد  داخل المجتمع، وبالتالي ضمان تحقيقه للتوافق والتوازن السليم. مما يعني تمكنه من التصدي  لما من شأنه الوقوف أمام تحقيقه للنمو الجسدي، النفسي، العلائقي على كافه المستويات.

إشكالية الدراسة:

إن الحديث عن الصحة النفسية أصبح أمرا ضروريا وملحا، لما له من أهمية بالغة على الفرد والمجتمع، ولما تستدعيه الحاجة إلى فهم وتفسير كيفية تأثير الضغوطات اليومية التي يعيشها الأفراد بشكل مستمر على حياتهم.

لقد أبانت التقارير والإحصائيات؛ كتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ” الصحة العقلية وأسباب الانتحار بالمغرب” 31 مارس 2022.

أيضا إحصائيات منظمة الصحة العالمية 2019 حول الصحة النفسية؛أن 1 من أصل 8 أشخاص عبر العالم يعانون من اضطراب عقلي.

  • 1من أصل 100 شخص يقدمون على الانتحار. زيادة على أن 75% من الأشخاص المصابين بالاضطراب العقلي في البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية( اللجنة الدائمة الملكلفة بالقضايا الإجتماعية، 2022-2023).
  • ازدياد نسبة انتشار الاكتئاب والقلق بنسبة 25 إلى27 % في جميع أنحاء العالم.(منظمة الصحة العالمية 2022)
  • 1 من أصل 4 أشخاص حول العالم يعاني من حالة نفسية مع فجوة علاجية تصل إلى 90 %في بعض البلدان.(منظمة الصحة العالمية 2022)

إن الحاجة إلى  الاهتمام بالأفراد على مستوى الصحة النفسية باتمن الأولويات الواجب العمل عليها.ذلك  أن الوتيرة السريعة التي أصبحت تنتشر بها الاضطرابات النفسية، تشكل خطرا يحول دون تحقيق الأفراد لحياة متوازنة، سليمة وصحية.

زيادة على التطور التكنولوجي الحاصل اليوم وما له من تأثير كبير في زيادة الضغوطات على الأفراد بشكل يومي. مما جعل مسألة التوافق والتكيف والتفاعل الاجتماعي؛ مسألة تتطلب قدرا أكبر من المرونة والتحمل لمواجهة هذا التسارع الحاصل في نمط الحياة.

إن الصحة النفسية في جوهرها مرتبطة بأبعاد متعددة منها الاجتماعي، الانفعالي والمعرفي أيضا، مما يجعل منها مفهوما فضفاضا غير قابل للضبط أو الحصر. كما أن تحديد الخصائص والمقومات الخاصة بالصحة النفسية تختلف تبعا لثقافة وأخرى، مما يجعل الوقوف على معايير موحدة أمرا صعبا نسبيا. وهو ما يتبين من خلال التعاريف المختلفة التي يعرف بها العلماء والباحثون منذ البدايات الأولى لظهور هذا المفهوم. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن ما يعتبر دليلا على توفر الصحة النفسية لدى الأفراد داخل مجتمع معين، قد يعتبر نقصا في مجتمعات أخرى(حجازي، 2017).

ومن هذا المنطلق فإن مفهوم الصحة النفسية بات أرضية خصبة للبحث والدراسة. وعليه ارتأينا من خلال هذا البحث، التعرف أكثر على هذا المفهوم وسبر أغواره من خلال الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي ستشكل هذا التحليل فيما بعد.

نبدؤها بالوقوف على تاريخ نشأة وتطور الصحة النفسية. وكذا مقوماتها حسب مدارس العلاج النفسي باختلاف وتعدد نظرياتها، ثم السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا اعتبرنا أن الصحة النفسية هي ركيزة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي للأفراد وبالتالي تحقيق شروط العيش السليم، فكيف السبيل إلى تعزيزها في ظل التطور التكنولوجي وسيطرة الآلة كبديل لخدمات الفرد؟

سيكون هدفنا هو الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال ثلاثة محاور رئيسية نصوغها كما يلي:

  • الصحة النفسية: النشأة، والأبعاد.
  • المقومات الصحة النفسية من وجهة نظر مدارس العلاج النفسي.
  • سبل واستراتيجيات تحقيق الصحة النفسية.

أهمية البحث:

إن أهمية هذا البحث تنبثق من أهمية موضوعه، حيث تمثل الصحة النفسية الأساس المرتبط مباشرة بالتوازن النفسي والاجتماعي للفرد. زيادة على التزايد الخطير على مستوى الأمراض عامة والاضطرابات النفسية خاصة، هذا الأمر الذي ظهر كنتيجة حتمية لظروف العيش المعاصرة التي أصبحت تفرض على الأفراد نمطا متسارعا من الحياة وهذا ما يجعل الموضوع يفرض قوته داخل البحث العلمي السيكولوجي.

أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى ما يلي:

  • التعرف على الصحة النفسيةمن حيث النشأة.
  • مقومات الصحة النفسية من وجهة نظر مدارس العلاج النفسي.
  • سبل واستراتيجيات تحقيق الصحة النفسية.

حدود البحث:

إن هذه الدراسة هي دراسة وصفية لبعض الأطر النظرية في مجال الصحة النفسية ولا تصلح نتائجها للتعميم.

فروض البحث:

تتمثل  فروض البحث فيما يلي:

  • بلعب المجتمع دورا أساسيا في بناء الصحة النفسية للأفراد.
  • إن الوصول إلى تحقيق الصحة النفسية مسألة تتدخل فيها عدة عوامل تتشارك في بناء بيئة متوازنة وسليمة يستطيع الفرد الاندماج داخلها.
  • تمتع الأفراد بصحة نفسية جيدة هو دليل على تقدم المجتمع ونهضته.

الدراسات السابقة:

لقد استندنا في بحثنا هذا على دراسات سابقة أردنا من خلالها الاضطلاع على مدى مقاربة مفهوم الصحة النفسية، وأيضا إلى أي حد تمت دراسة هذا المفهوم وهل استطاعت الدراسات الإحاطة بكافة الجوانب المتعلقة بتحقيق الصحة النفسية. لكن كما هو معروف لا يمكن لأي دراسة الإحاطة بكافة جوانب المفهوم لأنه كما ذكرنا سلفا أن موضوع الصحة النفسية هو موضوع كبير وشاسع يمكن لكل دراسة الإحاطة ببعض جوانبه لكن ليس كلها، وهذا هو العلم عموما لا يمكن حصره ولا دراسته، فقط نحاول مقاربة بعض الجوانب التي تمكننا من فهم الموضوع المراد. وفي ما يلي بعض من الدراسات التي اضطلعنا عليها خلال البحث في موضوعنا هذا:

  • دراسة أحمد جمعة، أوليفير أرفايزسوآخرون سنة 2021 بعنوان: الصحة النفسية واستراتيجيات التكيف أثناء انتشار فيروس كورونا المستجد-19:

طبقت هذه الدراسة على عينة مختلفة بعدة دول عربية مختلفة باستخدام أداة للدراسة من مقياس للصحة النفسية، وكان الهدف منها هو الوصول إلى معرفة مستوى الصحة النفسية واستراتيجيات التكيف أثناء انتشار فيروس كورونا. وقد استخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، فأظهرت النتائج أن مستوى الصحة النفسية مرتفع عند عينة الدراسة. حيث كانت التغيرات الأكثر انتشارا بين أفراد العينة هي التغيرات النفسية العاطفية، ثم تلتها التغيرات المعرفية فالسلوكية بعدها التغيرات الجسمية. وكشفت النتائج في الأخير أن هنا فروق ذات دلالة إحصائية في مستوى الصحة النفسية تغزى لمتغيرات متعددة منها الجنس، العمر، الدولة، الحالة الاجتماعية، المستوى التعليمي، الحالة الصحية. أما فيما يخص الاستراتيجيات التكيفية المستعملة فقد تمثلت في الصلاة، الدعاء، التواصل مع الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.( أمجد جمعة واخرون، 2021)

دراسة Patton  سنة 2003 بعنوان: الارتقاء بالصحة النفسية في المدرسة الثانوية:

في هذه الدراسة قام باتون وآخرون بمحاولة لإيجاد مدخل للارتقاء بالصحة النفسية بالثانوية التأهيلية. وقد تكونت عينة الدراسة من 586 تلميذا من المدارس السويدية العامة. وتوصلوا  في الأخير إلى نتيجة مفادها أن هناك ارتباطا بين العوامل النفسية والاجتماعية في البيئة المدرسية وتقدير الذات عند التلاميذ. كما توصلوا إلى أن مستوى الصحة النفسية عند الإناث أكثر منها عند الذكور.(بابش عتيقة, 2015)

دراسة gorin, veroff, feld 1960. بعنوان العلاقة بين النشاط الديني والصحة النفسية والتوافق النفسي:

لقد هدفت الدراسة إلى التعرف على نوعية العلاقة بين الصحة النفسية والنشاط الديني في عدة مجالات من بينها مجال العمل ومجال الأسرة. وقد شملت 2460 شخصا من الراشدين الأمريكيين، وقد استعمل الباحثون مقياس تكرار التردد على الكنيسة ومقياس التقدير الذاتي من أجل الوصول إلى مدى تحقق التوافق والصحة النفسية في المجالات المراد دراستها. وتوصلوا إلى أن هناك علاقة موجبة بين النشاط الديني والتوافق النفسي في مجالات مختلفة.(عتيقة، 2016)

منهجية البحث:

اعتمدناخلال هذا البحث على منهج وصفي تحليلي تمثل أولا في صياغة إشكالية للموضوع، ثم وضع قراءة أولية حول مفهوم الصحة النفسية من حيث التعريف، النشأة والمقومات.

ثم انتقلنا إلى طرح مقومات الصحة النفسية من وجهة نظر مدارس العلاج النفسي الكبرى،عبر نقد ومقارنة ما جاءت به. بغية الوصول إلىاستنتاج إلى أي حد ساهمت هذه التفسيرات في الوصول إلى تفسير هذا المفهوم.مما سيمكننا في الأخير من وضع بعض القواعد التي من شأنها تعزيز الصحة النفسية. وفي الأخير وضع ملخص موجز مع بعض التوصيات.

متن البحث:

الصحة النفسية: النشأة والأبعاد:

لم يكن موضوع الصحة النفسية حديث الدراسة، بل شغل اهتمام العلماء والمفكرين منذ الحضارات القديمة. فكانت تفسر الاضطرابات العقلية على أساس أنها نتاج استحواذ الأرواح الشريرةعلى الفرد وتمكنها منه، ويتم التعامل معها على هذا الأساس من طرف الكهنة والسحرة  ورجال الدين  من أجل علاجها(زهران، 2005، صفحة 95).

ثم جاء بعدهاأبو قراط عند الإغريق ليرجع سبب الاضطرابات العقلية إلى وجود خلل في المخ. وأفلاطون اعتبر أن المرض العقلي هو نوع من الجنون مما  يوجب إخلاء المصابين به من المسؤولية والمحاسبة في أعمالهم. كما اعتبر أرسطو أن الصحة النفسية مرتبطة أساسا بقدرة الفرد على القيام بوظائفه الحيوية على أكمل وجه.(عتيقة، 2016، صفحة 75)

ازدهر بعد ذلك علم الصحة العقلية في البلدان الإسلامية، وأصبح يتمتناوله من جانب روحاني، إيماني. فكان الإمام الغزالي يرى أن الصحة النفسية للإنسان لا تتحقق إلا عندوصول الإنسان إلى غاية سامية، وهي الوصول إلى الله، وهذا ما لا يتحقق إلا بوصول النفس إلى لكمالها الخاص وتجردها من كل أطماع الدنيا؛ حينها فقط تستطيع الوصول إلى اللذة والسعادة والراحة المطلقة.(المطيري، 2005، صفحة 56)

فكان أول مستشفى للطب العقلي في العهد الأموي، وكان العلاج فيه يحاكيطرقالعلاج الحالي؛ كالعلاج بالموسيقى والعلاج الأسري.. وبرز ابن سينا والرازي في المجال حينها.

ثم بعده في العهد العباسي كان هناك أيضا ازدهارا من حيث الاهتمام بالطب النفسي وتأهيل المرضى(حجازي، 2017، صفحة 21).

في الضفة الأخرى وبالموازاة مع التطور الحاصل، كان للغرب فكرة مغايرة للموضوع، حيث لم يكن هناك اهتمام  قط بالمرض النفسي إلا مع بداية القرن 19، ولم يكن يميز في قوانينه إلا بين حالتين اثنتين: مريض عقلي يساوي اللامسؤولية وبالتالي مصيره العزل والتهميش والإقصاء. والسوي – بمعايير السواء التي كانوا يحددونها- مقترن بالمسؤولية وبالتالي بالمساءلة . وهذا ما فسرته بعض الكتابات بأن هذه الجذور التاريخية  هي المسؤولة عن مصطلح الصحة العقلية Mental Health الذي  لازال لحد اليوم يستخدم في لغات الدول الأوروبية.(حجازي، 2017، الصفحات 21-22)

بدأ تطور الاهتمام بالمرض النفسي في العالم الغربي في البداية مقترن بتلبية الحاجات الصناعية للمجتمع. فكان لزاما أن  يكون الفرد سليما من الناحية الجسدية كما العقلية من أجل ضمان  مردوديته وإنتاجه العالي. وهكذا بدأ تبلور هذا المفهوم وترافق مع التحول من الاهتمام بالأفراد كطاقات منتجة إلى البحث عن الطاقات منتجة ومبدعةفي نفس الوقت تستطيع تحقيق الجودة والتميز معا.

ليبدأ فيما بعد تقنين مصطلح الصحة العقلية  مع وروده لأول مرة في كتاب ” العقل الذي وجد ذاته ” سنة 1908 لمؤلفه BeersClifford وهو مريض عقلي قضى سنوات من حياته داخل مصحة عقلية عانى خلالها تجربة وصفها في كتابه بالسيئة جدا، مما جعله بعد تعافيه وخروجه ينادي بضرورة تحسين ظروف العلاج في المستشفيات. ويذكر أن ويليام جيمس كان من بين الذين تأثروا بهذا الكتاب(حجازي، 2017، صفحة 24).

أسس Beers في نفس السنة  جمعية لرعاية الصحة النفسية، وقاد بعدها سنة 1909 إنشاء اللجنة الوطنية لرعاية الصحة النفسية، ثم اللجنة الدولية  سنة 1919، مما أدى إلى انعقاد أول مؤتمر دولي لرعاية الصحة النفسية عام 1930، ويتطور الأمر بعدها إلى تأسيس وحدة للصحة النفسية داخل منظمة الصحة العالمية لأول مرة سنة 1949.. وهوما أدى إلى تزايد الوعي والاهتمام بالموضوع باعتباره قضية رئيسية لم تعد منحصرة فقط داخل المستشفيات والمراكز، بل تحول إلى مسألة تهم المجتمع بصفة عامة والأفراد بصة خاصة.

وطبعا لا يجب الإغفال عماخلفته الحرب العالمية الثانية آنذاك من آثار ومشاكل كبيرةاستدعت بالضرورة التدخل العلاجي النفسي للحد من الأضرار التي من شأنها أن تضر بالفرد والمجتمع. وهذا ما جعل موضوع الصحة النفسية حاضرا بقوة وانشرت أهميته بشكل واسع على كافة المستويات.

إن لمنظمة الصحة العالمية الدور الكبير في تحديد المفهوم الأولي للصحة النفسية، حيث كانت تظم لجنة خبراء متخصصين كان ضمنهم الطبيب النفسي John Bowlby، كون بدوره لجنة أخرى تضم نخبة من العلماء والمفكرين في علم النفس بمختلف تخصصاتهم كان أبرزهم: Jean Piaget.

عرف دستور منظمة الصحة العالمية سنة 1946 الصحة النفسية بأنها حالة كاملة من العافية الجسمية والعقلية والاجتماعية، وليست مجرد غياب للمرض أو الإعاقة”(دائرة المعارف البريطانية، المجلد 11 طبعة 1985 ص26). وقد تطور الموضوع بشكل أكبر مع التعريف الذي قدمته لجنة الخبراء السالف ذكرها، والذي كان أكثر شمولا سنة 1951، نبهت فيه أن الصحة النفسية ليست حالة ثابتة بل قابلة للتغير والتذبذب في درجتها وتتأثر بمجموعة  من العوامل، منها العوامل البيولوجية  والاجتماعية. ويضم هذا التعريف ضمنيا منظور Bowlby من جانب وPiaget ومفاهيمه في التكيف النمائي من جانب اخر (سعد، 1986 ، الصفحات 88-89).

لقدشكل التعريف المتضمن ضمن تقرير لجنة الخبراء لسنة 1951، القاعدة التي انطلقت منها مختلف التعريفات التي قدمها المختصون فيما بعد. لتتوسع دائرة البحث والاقتراحات باختلاف المجالات مع كل توصيات كانت تطرحها لجنة الخبراء في تقاريرها الشاملة، مما جعلها ترسي أسس واستراتيجيات الرعاية الصحية من منظور تكاملي يوفر رؤية شاملة.(حجازي، 2017، صفحة 27)

وهكذا تبلورت الصحة النفسية وأهميتها عالميا وصار الاهتمام بها مطلبا ضروريا تفرضه مختلف المجالات والتخصصات داخل المجتمعات. ولازال تطور هذا المفهوم قائما إلى يومنا هذا على المستوى العلمي ولا أظنه سيتوقف أبدا، نظرا لمرونته ولأن المقاربات والنظريات والبرامج الني تحدده كثيرة ومختلفة، كل من زاويته، رغم أن الهدف واحد وهو كيفية وصول الفرد إلى تحقيق أعلى مستويات الصحة النفسية.

بعد هذه اللمحات الموجزة عن السياق الذي ظهر فيه مفهومالصحة النفسية .والتي أبانت عن ثورة عرفها هذا المفهوم من حيث التعريف، خصوصا ما جاءت به لجنة الخبراء المنبثقة عن منظمة الصحة العالمية، يمكن الاعتبار أن ما قاموا به اتسم نوعا ما بالتكامل والشمولية.

إلا أنه مع كل تلك الجهود والمحاولات، ظل مفهوم الصحة النفسية غير واضح وغير محدد بصفة نهائية.بحيثأن اعتبار الصحة النفسية هي الخلو من المرض يوجب بالضرورة إرساء تعريف دقيق وقاطع للمرض، وهذا غير ممكن نظرا لعدم إمكانية حصر خصائص المرض(Akerman, 1958, p. 29). لاسيما وأن كل التعاريف السابقة كانت خلال الستينيات والسبعينات، ورغم إعادة محاولة التعريف مع بداية عصر العولمة، فقد ظل المفهوم  نوعا ما رهينا بالتحديدات السابقة التي كانت تتخذ من المجتمع الصناعي والقدرة على الإنتاج مرجعا لها. الأمر الذي يجعلنا مرتبطين بالنسبية الثقافية، وبالتالي تحديد المرض على أنه خروج الفرد من المعايير والمتطلبات التي تحددها حالة ثقافية لمجتمع معين، والصحة هي توفر التلاؤم مع تلك المتطلبات والمعايير التي تفرضها نفس الثقافة.(حجازي، 2017، صفحة 29)

هذا الاختلاف والتباين والجدل في ضبط مفهوم للصحة النفسية هو ما جعلنا منه محورا أساسيا داخل هذا البحث. حيث أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: حتى لو اعتبرنا أن الفرد يحقق معيار توفره على الصحة النفسية كما حددته منظمة التعاريف سابقا، أي الخلو من الأمراض، فهذا لا يعني مطلقا عدم وجود نقص أو نقط ضعف داخل شخصيته كإنسانمعافى، فكل فرد لديه تجارب، صراعات داخلية، خبرات سيئة عاشها سابقا قد تتطور في أي لحظة فتشكل استجابة  مرضية حسب سياق كل فرد.

وعليه؛ لا نستطيعحصر المفهوم ضمن محددات مضبوطة، لكون الإنسان يمر بفترات انتقالية تكون فيها تغيرات متباينة تتفاوت درجة التوافق معها حسب الشدة والاستعداد والقابلية المتوفرة عند الشخص. وهذا ما يجعل من الصحة النفسية مفهوما نفسيا تختلف تعاريفه حسب اختلاف الثقافة والمعايير التي تحددها هذه الثقافة داخل كل مجتمع.

وهذا لا يمنعنا من التطرق إلى بعض التعريفات التي وضعت لمفهوم الصحة النفسية، نبدأها بتعريف منظمة الصحة العالمية: والتي تعرفها بأنها حالة من الرفاه النفسي تمكّن الشخص من مواجهة ضغوط الحياة وتحقيق إمكاناته، والمساهمة في مجتمعه المحلي. وهي جزء لا يتجزأ من الصحة والرفاه اللذين يدعمان قدراتنا الفردية والجماعية على اتخاذ القرارات وإقامة العلاقات وتشكيل العالم الذي نعيش فيه… وهي لا تقتصر على غياب الاضطرابات النفسية. فهي جزء من سلسلة متصلة معقدة، تختلف من شخص إلى آخر، وتتسم بدرجات متفاوتة من الصعوبة والضيق، وبحصائل اجتماعية وسريرية يُحتمل أن تكون مختلفة للغاية.(منظمة الصحة العالمية 2022)

ويعرفها أيضا الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية” (DSM-5)، على النحو التالي:الصحة النفسية هي حالة الشعور بالراحة النفسية والاستقرار العاطفي، والقدرة على التعامل مع التحديات والضغوطات في الحياة بطريقة فعالة. تشمل  الصحة النفسية الجوانب النفسية والاجتماعية والعاطفية والعقلية التي تؤثر على جودة حياة الفرد وتفاعلاته مع البيئة المحيطة به . (DSM5, Association,American Psychiatric)

بينما التصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) يعرف”الصحة النفسية بأنها الحالة العامة للرفاهية العقلية، وتتضمن القدرة على التعامل مع الضغوط اليومية، والتفكير والشعور بشكل إيجابي، والتفاعل مع الآخرين بطريقة صحية. تشمل الصحة النفسية أيضًا القدرة على التكيف مع التغيرات في الحياة، والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية ومناسبة.(11, the International statistical classification of diseases and related health)

وبناء على هذه التعريفات نستطيع تحديد أبعاد للصحة النفسية على الشكل التالي:

شكل 1: أبعاد الصحة النفسية وفقا لتعريف منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية. (حلاوة، 2012، صفحة 7)

كل هذا سينقلناللمحور التالي الذي سنناقش خلاله مقومات الصحة النفسية من وجهة نظر مدارس العلاج النفسي المختلفة.

مقومات الصحة النفسية من وجهة نظر بعض مدارس العلاج النفسي:

كما سبق لنا الذكر أن الصحة النفسية هي مفهوم غير ثابت وغير قابل للحصر، له نسبية زمانية ومكانية  تمكننا من تعريفه حسبها، وهوما يجعل هذا المفهوم فضفاضا قابلا للتعمق وغير قابل للضبط. هذا من جهة، أما من جهة أخرى ما يزيد من صعوبة تحديد معايير أو مقومات للصحة النفسية؛ فهي الخصائص المشتركة في الصحة مقابل المرض. فبالنسبة لهذا الأخير، فنجد أن له خصائص مشتركة تحدد كل فئة، أي أن هناك أعراض عامة بين كل مرض معين تحددها المراجع الخاصة، تجعل من اليسير وضع تشخيص وفقها. أما بالنسبة لتحديد مستوى الصحة فالأمر صعب أيضا. وذلك بسبب المرونة والتنوع الذي يعرفه السلوك الإنساني وديناميته النفسية عامة.الأمر الذي يفسر تعدد النظريات التي تحدثت عن الصحة النفسية كل من موقعه وكل من زاوية نظره.(حجازي، 2017، الصفحات 31-32)

وهذا ما يضعنا كباحثين أمام العديد من النظريات والكثير من التعريفات والمقومات التي وجب أخذها بحذر وبموقف تحليلي نقدي وليس بشكل شخصي انحيازي. مما سيمكننا من الوقوف على النقط المشتركة والمختلفة لكل نظرية على حدة.

كما هو سائد فمدارس العلاج النفسي متعددة وتتعدد معها الرؤى التي تنظر إلى الصحة النفسية، كل حسب مفهومه للشخصية وللسواء واللاسواء، وحسب زاويته التي يعرفها من خلاله.

هناك الكثير من الكتابات التي تناولت نظريات العلاج النفسي بالتفصيل، بحيث سنكتفي هنا بعرض ما يفيدنا منها في موضوعنا، حيث يكون الغرض هو تبيان أوجه الاختلاف والتشابه على مستوى تحديد مقومات الصحة النفسية. والنظريات التي سنتطرق إليها فيما سيأتي من السطور ستتمثل في كل من؛ نظرية التحليل النفسي، النظرية السلوكية، النظرية الجشطلتية، ثم التيار الإنساني مع كل من أبراهام Abraham MaslowوCarlRogers.

  • نظرية التحليل النفسي:

اشتهر بهذه النظرية، Sigmund Freud. وتقوم فكرته بالأساس على العمليات اللاشعورية عند الإنسان.

وتعني أن كل سلوكات الفردتعود لدوافع وشهوات ورغبات داخلية هي التي تتحكم في إصدارها سماها بطاقة الليبيدو. ويعتبر Freud أن الشخصية تتكون من ثلاث مكونات رئيسية؛ الأنا، الهو والأنا الأعلى. ومن خلال هاته المكونات بستطيع الفرد تحقيق حالة التوافق والتوازن الداخلي عن طريق التوفيق بين متطلباتها.

ولكي نقول أن الشخصية سوية، أي أن الفرد يتمتع بالصحة النفسية؛ لابد أن تكون الأنا قادرة على تحقيق التوازن بين مطالب الهو كمنبع للرغبات والشهوات والغرائز، وبين الأنا الأعلى الذي يمثل القيم الأخلاقية والضوابط الاجتماعية. فإذا لم تكن الأنا قوية كفاية كما هو مطلوب فسيؤدي ذلك إلى حدوث أحد الأمرين: إما سيطرة الهو مما يعني تشكل شخصية غرائزية، شهوانية، منحرفة. وإما سيطرة الأنا الأعلى وهذا يعني شخصية منغلقة ومتشددة. وفي كلتا الحالتين نكون بعيدين كل البعد على تحقيق التوازن(المطيري، الصحة النفسية، مفهومها واضطراباتها، 2005، صفحة 61).

بعد ذلك لخصFreudنظرته للصحة النفسية في منظور ثلاثي الأبعاد: الإنجاز، الإنجاب، والترويح. هذه الأبعاد هي التي تحقق في تكاملها الصحة النفسية للفردحسب هذه النظرية.ويفسر الإنجاز بأنه توظيف للإمكانيات والطاقات من أجل الوصول إلى الابتكار. ثم الإنجاب كدليل على قدرة الفرد على تكوين علاقات عاطفية والوصول إلى النضج الكافي لممارسة الأدوار الاجتماعية، ثم الترويح كوسيلة للاستمتاع والتنفيس وتجديد الطاقة.(حجازي، 2017، صفحة 41)

  • النظرية السلوكية:

إن النظرية السلوكية هي نظرية أساسية في مجال علم النفس حيث ظهرت كرد قوي على التحليل النفسي، وجاءت بهدف أجرأة علم النفس وجعله علما قائما على القياس وفقا للمنهج شبه التجريبي بدلا من التحليل. ضمت عدد كبير من العلماء رغم اختلاف رؤيتهم، إلا أنهم اجتمعوا تحت إطار عام وموحد وهو دراسة سلوك قابل للملاحظة والقياس.

تتمحور الفكرة الأساسية للنظرية السلوكية حول عملية التعلم أو ما سمي بنظرية مثير واستجابة. وهي تقوم على أساس أن أي سلوك/ استجابة هو نتيجة لمثير قام بتحفيز الفرد للقيام بتلك الاستجابة، وأن هذا السلوك هو قابل للضبط والتحكم. وعليه فقد فسرت السلوكية بأن الصحة النفسية عند الفرد هي مجموعة سلوكات ناجحة تعلمها  واستطاع بها تحقيق التكيف والاندماج مع المحيط والمجتمع. وبما أن هذه السلوكات مكتسبة ومتعلمة، فهذا يعني أن للبيئة أثر واضح  في تكوين شخصية الفرد.

إن عدم وصول الفرد إلى تحقيق الصحة النفسية حسب النظرية السلوكية، يعني فشله في تعلم استجابات ناجحة تساعده على إشباع حاجياته والوصول إلى اهدافه ومنه الوصول إلى تحقيق التوافق والتكيف مع المحيط. أي أن الصحة النفسية تتحقق بتمكنه من اكتساب عادات توافق ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، بحيث يشعر بالاندماج والتفاعل وبالتالي التمتع بالصحة النفسية والعكس صحيح. (المطيري، الصحة النفسية، مفهومها واضطراباتها، 2005، صفحة 63)

  • النظرية الجشطلتية:

من وجهة نظر العلاج الجشطلتي، فإن الإنسان هو وحدة كلية وليس أجزاء، والصحة النفسية تتحدد انطلاقا من قدرة الفرد على العيش بشكل طبيعي واقعي، وليس تزوير الواقع. عبر عنها Pirls بالعيش هنا والان. أي أن تكون للفرد القدرة الكاملة على مجابهة المشكل والاعتماد على الذات بشكل كلي والوعي بها وجعلها تتحمل مسؤوليتها، لأن المرض  يتشكل من خلال أمرين حسب Pirls؛ أولهما الاجترار وراء الماضي والعيش فيه. والثاني هو الهروب من عيش الواقع نحو الانغماس في أحلام المستقبل.

وهكذا فإن الصحة النفسية حسب نظرية الجشطلت، هي القدرة على العيش وفقا لمتطلبات الواقع، أي  هنا والان.(حجازي، 2017، صفحة 42)

  • التيار الإنساني:

إن التيار الإنساني يقوم بالأساس على فكرة مفادها أن الفرد لديه طاقات واستعدادات تمكنه من عيش حياة متوازنة وسليمة، وذلك  وفق مؤشرات محددة  من شأنها أن تخلق له الشعور  بالطمأنينة  والإحساس بالانتماء وتقبل الذات وتحقيق النجاح فيما يسعى إليه الفرد من أهداف مما يعني تحقيق الصحة النفسية له.من أبرز رواد هذا الاتجاه، Carl Rogers وAbraham Maslow.

كارل روجرز:

يرى روجرز أن الشخصية المعافاة، أي الشخص الذي يتمتع بصحة نفسية  جيدة هو الذي استطاع أن يولد الانسجام بين صورة الذات ومفهومها لديه. أي تحقيق التطابق بين الذات المدركة والذات المثالية. وهذا الأمر يمكن الوصول إليه فقط عن طريق حصول الفرد على الحب والتقدير الإيجابي والاهتمام غير المشروط منذ الطفولة.

وفي المقابل؛ فإن وجود الاضطراب يرجع بالأساس إلى اضطرار الطفل للبحث عن الاهتمام والتقدير المشروط من الآخرين. وبالتالي تخليه عن ذاته الأصلية وتقمص ذات أخرى. وهنا تبدأ ظهور الفجوة بين الطفل وذاته، والمشي  وراء الآخرين وإرضائهم. فيتشكل الاضطراب هنا نتيجة  للصراع الداخلي الذي يكونه الفرد منذ الطفولة  بين الذات الأصلية والذات التي  يرغب في الوصول إليها.

وعليه  فالصحة النفسية عند روجرز هي ليست مسألة قائمة بذاتها، بل هي مشروطة بنوع التجربة التي يعيشها الفرد مع محيطه. (المطيري، الصحة النفسية، مفهومها واضطراباتها، 2005، صفحة 66)

أبراهام ماسلو:

إن أبرهامماسلو في نظريته يؤكد على أن الفرد  يحقق صحته النفسية بناء على تحقيق حاجيات نفسية واجتماعية وفقا لهرم الحاجيات المتسلسلة الذي وضعه، على رأسها تحقيق الذاتبوصفها اسمي الحاجات. على أساس أن تحقيق الذات هو دافع يدفع الإنسان للوصول إلى  مستوى عال من فهمه لنفسه، و إدراكه لمعاملة الأفراد في حياته والأحكام التي يصدرونها عليه.

وهكذا، فإن الإنسان يتمتع بالصحة النفسية عندما يستطيع الوصول إلى إشباع حاجاته المختلفة والوصول إلى تحقيق ذاته، وبتاء على ذلك فإن ماسلو يرى بأن الإنسانفي حالة عدم إشباع تلك الحاجيات فإنه يشعر بالإحباط والضيق وهذا ما يجعل صحته النفسية متدهورة.(المطيري، الصحة النفسية، مفهومها واضطراباتها، 2005، الصفحات 66-67)

هكذا إذن يتضح من خلال ما تطرقنا إليه أن الصحة النفسية لم يتم النظر إليها من زاوية واحدة، بل تعددت مقوماتها حسب نظريات العلاج النفسي كل من منظوره وزاويته، حيث اعتبر التحليل النفسي أن الصحة النفسية للفرد تقوم على توازن مكونات الجهاز النفسي، أي أن تكون الأنا قادرة علو أن تحقق التوازن السليم بين متطلبات الهو والأنا الأعلى بما يضمن سلامة الصحة النفسية للفرد. بينماالنظرية السلوكية عارضت ذلك معتبرة أن تحقيق الصحة النفسية للفرد قائم بالضرورة على اكتسابه لاستجابات توافق ثقافة مجتمعه مما يمكنه من التفاعل الإيجابي السليم، الأمر الذي يضمن له التمتع بصحة نفسية داخل بيئته ومحيطه. النظرية الجشطلتية بدورها أكدت بأن من أجل وصول الفرد لتحقيق صحة نفسية سليمة لابد أن يتعامل مع المواقف التي تصادفه على أساس كلي وليس جزئي، بمعنى أن تكون للفرد القدرة الكاملة على مجابهة المشكل والاعتماد على الذات بشكل كلي والوعي به. وعبر عنها Pirls بالعيش هنا والآن. أما التيار الإنساني مع Maslow وRogers، فقد اعتبر  أن  الصحة النفسية هي نابعة داخل الإنسان، وفقا لإمكانياته واستعداداته. وتقوم على أمرين؛ إشباع الحاجيات النفسية الاجتماعية والوصول إلى أسمى الحاجات وهي تحقيق الذات، وأيضا الوصول إلى تحقيق الانسجام بين صورة الذات ومفهومها لدى الفرد.

هذا التباين هو جوهر بحثنا، حيث ابتغينا الوصول إلى نتيجة مفادها أن الصحة النفسية ليست مفهوما تابتا،  بل هو مفهوم نسبي تختلف معاييره وقوماته وفقا للعديد من العوامل المختلفة. منها النمائية، الاجتماعية، البيئية، النفسية، الجسمية..

وهكذا نصل إلى التأكيدبأن الصحة النفسية ليست فقط الخلو من الأمراض، بل هي عملية معقدة تستدعي وجود التوافق بين مختلف المكونات؛ النفسية، العصبية، البيئية، الاجتماعية والدينية ..

الأمر الذي يدفعنا الآن للحديث عن سبل واستراتيجيات تعزيز الصحة النفسية فيما سيأتي من السطور.

سبل واستراتيجيات تعزيز الصحة النفسية:

إن تعزيز الصحة النفسية هي مسألة تتداخل فيها مجموعة من العوامل والمؤثرات، حيث كما سبق لنا التأكيد بأن الصحة النفسية هي نسبية وغير ثابتة تتدخل في تحديدها عوامل متعددة. نفس الأمر بالنسبة لتعزيزها، فالأمر لا يقف فقط عند وضع بعض الطرق الممكنة التي من شأنها أن تعزز أو تحافظ للإنسان على صحته النفسية، بل إن الأمر يتجاوز ذلكيكثير، على اعتبار أن داخل كل مجتمع مشاكل محددة تختلف عن مجتمع آخر، وبالتالي محددات الصحة النفسية تعتبر بالرهانات والمكاسب الموجودة داخل كل بيئة على حدة..

لكن هذا لا يمنع طبعا من التأكيد على أن تعزيز الصحة النفسية يتطلب تضافر الجهود وتكتلها من أجل تحقيق هذا الهدف، ذلك أن الفرد هو مكون أساسي ورئيسي داخل هذه المؤسسات.. وصلاحه هو برهان نهضتها وارتقائها، وهذا ما يحتم بالضرورة العمل على خلق بيئة سليمة متوازنة نسبيا يعيش فيها الفرد ويستطيع تحقيق صحته النفسية داخلها. ومن أبرز المؤسسات التي من شأنها تعزيز الصحة النفسية للفرد  يمكن أن نجردها كالتلي:

  • الأسرة:

تعتبر الأسرة البيئة الأولى التي يصيغ الطفل من خلالها سلوكه الأول، وهي تؤدي وظيفة نفسية اجتماعية جد مهمة وأساسية، حيث تعتبر الوحدة الاجتماعية الأولى التي يتصل بها الطفل وهي المسؤول عن طريقة تنشأته، مما يجعلها النموذج الأولي الذي يتفاعل معه ويحتذى به. وهو ما يستدعي القيام بمجموعة من الأمور التي من شأنها أن تشكل للطفل الصحة النفسية، نذكر منها:

  • إشباع حاجيات النمو النفسي الأساسية للطفل. منها الحب، الاهتمام، التقدير..
  • العمل على تنمية القدرات العقلية للطفل عن طريق خلق بيئة نشيطة، متنوعة شاسعة تمكنه من الاكتشاف والتطور والنمو.
  • توفير بيئة اجتماعية سليمة للطفل يحتك فيها مع الأقران تمكنه من تحقيق نمو اجتماعي سليم.
  • تعليم الطفل أساليب التكيف مع المواقف المتعددة بشكل يتوافق مع متطلبات سنه.(عمار، 2020، صفحة 196)
  • المدرسة:

إن المدرسة يمثابة البيئة الثانية التي يحتك معها الطفل بشكل مباشر، وهي تلعب دورا هاما في مدى اندماج الطفل وتكيفه وتوافقه. باعتبارها نموذج مصغر للمجتمع، وعلى أساسها يتعلم الطفل سبل الاندماج والتعايش. ولكي تؤدي المدرسة دورها الصحيح في تعزيز النمو النفسي، الجسدي، الاجتماعي والانفعالي ومنه تحقيق الصحة النفسية. عليها محاول توفير العديد من الأمور منها:

  • توفر العاملين بالمؤسسة التعليمية على خبرة في المجال النفسي، مما يمكنهم من التعامل الصحيح مع مختلف المشاكل التي يواجهها التلاميذ باختلاف شخصياتهم.
  • ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، وهو ما يستدعي التنويع في أساليب وطرق التدريس، وتكييف المنهاج الدراسي مع ما يتناسب مع قدرات وإمكانات كل مرحلة عمرية.
  • ضرورة مشاركة الأخصائي النفسي المدرسي في العمليةالتعليمية التعلمية من خلالرصده للمشاكل والاضطرابات التي قد يعاني منها التلاميذ والتي من شأنها أن تعيق تطورهم وتحقيقهم للتوافق النفسي داخل المؤسسة.(عمار، 2020، صفحة 197)
  • المجتمع:

إن الفرد والمجتمع ثنائية لا يمكن فصلهماعن بعضهما. فالفرد هو اللبنة الأساسية لنهضة وتطور أي مجتمع، والمجتمع بمختلف مؤسساته هو البيئة التي يعيش داخلها الفرد ويندمج فيها والتي تحقق له ذاته. وهذا ما يجعل من الضروري قيام المجتمع بالعديد من الخطوات التي من شأنها أن تحقق التوافق النفسي للأفراد مما يقيهم من انتشار الاضطرابات والمشاكل النفسية،ومنهاما يلي:(عمار، 2020، صفحة 197)

  • الاهتمامبفئة الشباب كونها الفئة النشيطة داخل المجتمع، خلق فرص للإبداع والابتكار، سن قوانين من شأنها حماية ورعاية حقوق الشباب، خلق فرص للشغل لتفادي تدمير الطاقات الشابة.
  • الاهتمام بمجال الطفولة، من خلال العمل على التنسيق بين المؤسسات والأسرة، حملات توعوية تحسيسية بأهمية مرحلة الطفولة، وأساليب التنشئة الصحيحة، زيادة على الاهتمام بالأطفال داخل القرى المعزولة عن المجتمع.
  • تهييئ بيئة اجتماعية امنة من شأنها أن تحقق العلاقات الاجتماعية السليمة بين الأفراد، مما يضمن التفاعل الإيجابي بين كل مكونات المجتمع مما يؤدي إلى خلق وسط متوازن يعيش فيه الـأفراد ويتكيفون معه مما يؤدي بشكل تلقائي إلى الوصول إلى تحقيق الصحة النفسية عامة.
  • المؤسسات الدينية:

تلعب القيم الدينية دور أساسيا لتعزيز الصحة النفسية للأفراد داخل المجتمع، ذلك أن الارتباط الروحاني للأفراد مع الخالق يخلق له نوعا من التوازن النفسي الذي يجعله يصدق أن هناك حكمة باطنية غير ظاهرة وراء كل مشكل يقع فيه. مما يجعل من الإيمان راحة نفسية يبعد بها الفرد العزلة والضيق، وتقيه من كل شحنات القلق والخوف من المستقبل، أو الحزن والغضب في الحاضر.(الزيباري، 2021، الصفحات 24-27)

هناك العديد من العناصر الأخرى يصعب حصرها، من شأنها أن تعمل على تعزيز الصحة النفسية للأفراد.حيث لايمكننا في صفحات قليلة التطرق إليها، بل تلزمها دراسات عديدة من أجل الوقوف عليها بالتفصيل، أبرزها التطور التكنولوجي الحاصل اليوم وما يفرضه من تقنيات جديدة تستطيع تسهيل حياة الفرد إن تم استعمالها في ما يفيده من الناحية الأكاديمية، المهنية وحتى الشخصية.

خاتمة

لقد أصبح موضوع الصحة النفسية يحظى بالكثير من الاهتمام من طرف مختلف الجهات والباحثين، وذلك لما لها من اثار كبيرة ومهمة على جميع المستويات، سواء المستوى الفردي، أو  الجماعي أو على مستوى المؤسسات. وهو ما جعلنا نقوم بمقاربة الموضوع بغية رفع الستار عن أهمية تحقيق الأفراد  للتكيف والتوافق النفسي داخل المجتمع،الأمر الذي يساهم بالضرورة في تطورهونهضته.خصوصا في ظل ما يعرفه العالم اليوم من تطور على مستوى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يجعلنا نختم بحثنا بسؤال يفتح أمامنا الافاق للمزيد من البحث والدراسة  وهو:إلى أي حد يمكن الحديث عن تحقيق الصحة النفسية في عالم متغير باستمرار، مع  مفارقة أننا في عالم أصبح الافتراضي فيه واقعا والحياة الواقعية مدمجة في الافتراض؟ ثم في عالم باتت تفرض الالة سيطرتها على البشر في ظل الذكاء الاصطناعي؟

من أبرز الاستنتاجات المتوصل إليها من خلال بحثنا هذا ما يلي:

  • لا يمكن الإقرار بوجود قالب مفهومي موحد للصحة النفسية، لأنها نسبية ويتغير تعريفها نظرا لاختلاف الأنماط القيمية والثقافية لكل مجتمع.
  • لا يمكن الحديث عن إمكانية تحقيق الصحة النفسية بشكل كلي. ذلك أن الفرد في تطور مستمر من حيث الشخصية والنماء، مما يفرض حاجات نفسية مختلفة في كل مرحلة حسب نوع المرحلة ونوع الانتقال فيها.
  • الأسرة، المدرسة،المجتمع، وسائل الإعلام والاتصال، التكنولوجيا الرقمية، المؤسسات الدينية .. كلهاعناصر من شأنها أن تلعب دورا مهما ورئيسيا في تشكل الصحة النفسية عند الفرد وتعزيزها. إن قدمت دورها بالشكل الصحيح والمناسب لمتطلبات وحاجيات الفرد.
  • الاهتمام بالصحة النفسية بات أمرا ضروريا وملحا، تفرضه الحاجة إلى تكوين أفراد متوازنين قادرين على مجابهة ضغوطات الحياة بمختلف تغيراتها وتطوراتها.

بالنسبة للتوصيات فإننا نوصي من خلال مخرجات بحثنا هذا إلى:

  • إعطاء المزيد من الاهتمام بالصحة النفسية في ظل ارتفاع نسب الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية بين الأفراد.
  • التحسيس والتوعية بشكل مكثف داخل المؤسسات التعليمية، حول الاضطرابات النفسية وكلالمواضيع التي تهم الصحة النفسية والعقلية.
  • الاعتراف بأهمية تواجد الأخصائي النفسي المدرسي داخل المؤسسات التعليمية بجميع أسلاكها. من التعليم الأولي إلى الثانوي التأهيلي.
  • محاولة الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم تحقيق الصحة النفسية للفرد.
  • القيام بالمزيد من الأبحاث والدراسات الإجرائية التي من شأنها أن تعرف بحجم الخطر الذي يحيط بالأفراد على المستوى النفسي.
  • إعطاءالاهتمام لمؤسسة الأسرة لأنها البيئة الأولى التي من شأنها توفير مناخ متوازن وسليم للطفل ومنه تنشئته بشكل يجعله يعزز من صحته النفسية.

قائمة المراجع:

  • العربية:

–        حجازي، مصطفى . (2017). الصحة النفسية  منظور دينامي تكاملي للنمو في البيت والمدرسة. المغرب/ لبنان: المركز الثقافي العربي.

–        المطيري، معصومة سهيل .(2005). الصحة النفسية مفهومها- اضطراباتها. الكويت: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع.

–        زهران، حامد عبد السلام. (2005). الصحة النفسية والعلاج النفسي. القاهرة: عالم الكتب للنشر والتوزيع.

–        جلال، سعد. (1986). في الصحة العقلية. القاهرة: دار المعارف.

–        الداهري، صالح حسن. (2010). مبادئ الصحة النفسية. عمان: دار وائل.

–        الصحة العقلية وأسباب الانتحار في المغرب.(2022-2023). تقرير اللجنة الدائمة المكلفة بالقضايا الاجتماعية والتضامن في المغرب: المجلس             الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

–        أبو الحلاوة، محمد السعيد.(2012). جذور الصحة النفسية. مجلة العلوم النفسية العربية. ص 6-7.

–        تعزيز الصحة النفسية،(2005). تقرير منظمة الصحة العالمية، قسم الصحة النفسية وتعاطي العقاقير والمواد بالتعاون جامعة ملبورن             ومؤسسة  فيكتوريا لتعزيز الصحة. القاهرة.

–        حميدة، زهرة. أعمر، عمر.(2022). افاق الصحة النفسية ومؤثرات التربية. مجلة دراسات إنسانية واجتماعية، ع 2.

–        بن يحيى، عمار. بوجبيت، حليمة. (2020). الأدوار المهمة لتحقيق الصحة النفسية لدى الفرد. مجلة دراسات في علوم الإنسان والمجتمع. ع          01.

– جمعة، أمجد واخرون. (2021). الصحة النفسية واستراتيجيات التكيف أثناء انتشار فيروس كورونا المستجد-19. دراسات نفسية تربوية، ع2.

بابش، عتيقة. (2016).بعض مؤشرات الصحة النفسية (تقدير الذات التكيف النفسي) وعلاقتها بالتوافق الدراسي لدى تلاميذ الثاوي التأهيلي. مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علوم التربية: الإرشاد والتوجيه النفسي والتربوي.

  • الزيباري، ميكائيل.(2021). دور العبادات والقيم الإسلامية في تعزيز الصحة النفسية للفرد في المجتمع. مجلة الاستيعاب, العدد 8.

 

  • أجنبية:

–        Beers, Clifford Whittingham. (2004). Ted Garvin, Beth Trapaga.

–        Akerman. N.(1958).Psychodynamics of  family life. New York: Basic Books.

–        American Psychiatric Association.(2013). Diagnosticand Statistical Manual of Mental Disorders .London: American Psychiatric Publishing.

–        International Classification of Diseases 11th Revision.

–        Beretheron, I. (1992). The origins of attachment theory: John Bowlby and Mary Ainsworth of developmental Psychologiy, 28.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *