أ.م.د.أحمد صدام إيدام

تدريسي في كليّة الحقوق/جامعة النهرين /جمهولاية العراق

iq.edu.nahrainuniv@s.ahmed.rd

 009647807474262

الملخص

مرت الدولة العراقية بتجربة الأنتقال من نظام سياسي تسلطي إلى نظام سياسي تعددي آخر مخالف له في التوجهات والإيديولوجيات. وقد رافق هذا الأنتقال إهتزار الاستقرار السياسي والاجتماعي نتيجة أحداث العنف التي قادت لصراعات سياسية فئوية، ومما زاد من وطأة هذه الأحداث أيضاً القوى الخارجية. وتماشياً مع التوجهات المعاصرة فأن البلاد التي عانت من صراعات مسلحة أو نظم استبدادية أو قمعية يجب أن يعقب إنتهاء تلك الصراعات أو زوال هذه النظم الأخذ بمبادئ العدالة الأنتقالية بعدّها حلقة مهمة لإعادة بناء الدولة، إنطلاقاً من كونها تحتل مكانة مهمة في عملية الانتقال الديمقراطي خاصة وإنها تتزامن مع أوضاع أمنية غير مستقرة، وإنَّ كل تحوّل سياسي يظل هشّاً ومرشحاً للتراجع أو إعادة إنتاج الاستبداد ما لم يبنَّ على آليات بناءة تضمن إنتقالاً سلساً يستند إلى تجارب انسانية رائدة في هذا الشأن، وبصورة بعيدة عن منطق الانتقام والإقصاء.

كما إنَّ تبنّي مبادئ العدالة الانتقالية يشكّل مدخلاً لتوثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأنسان التي تمَّ إرتكابها في حق الوطن والمواطنين وغيرها من صور إساءة استعمال السلطة، فضلاً عن محاسبة المسؤولين عن تلك الإنتهاكات، وتطهير وإصلاح مؤسسات الدولة وإستحداث مؤسسات آخرى تستوعب واقع الحال، مع جبر أضرار الضحايا وإنصاف أهليهم، وتخليد ذكراهم، فضلاً عن تحقيق المصالحة بين مختلف أطياف المجتمع. لذلك تمثّل أي مبادئ العدالة الأنتقالية أسلوب أو محاولة لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس موضوعية يمكن أن تُسهم في تعزيز ثقة المواطن بدولته، وتقوّي سيادة القانون وأركان الديمقراطية.

لذا فأنَّ إشكالية البحث تكمن في الآتي: بالرغم من تطبيق مبادئ وآليات العدالة الأنتقالية المختلفة القضائية والدستورية والسياسية، بغية تحقيق الأنتقال الديمقراطي ومعالجة إرث الماضي وتحدّيات الحاضر من خلال إصلاح مؤسسات الدولة وتشريعاتها، إلا إنَّ عملية بناء الدولة قد تعثرت وواجهت عدّة معوّقات على كافة الصُعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، قوّضت بدورها من إطلاق مسار صحيح للعدالة الإنتقالية.

بينما تنطلق فرضية البحث: يتطلّب إعادة بناء الدولة التي مرت بتجربة الإنتقال أو التحوّل على أسس الديمقراطية وسيادة القانون، أمرين أولهما: معالجة الجرائم المرتكبة في الماضي، الأمر الذي يترتّب عليه الحد من الإفلات من العقاب، وثانيهما: توفّر إرادة سياسية حقيقية لدى الدولة لخلق جو من التوافق بين الفرقاء السياسيين والإلتزام الكامل بحكم القانون.

ولإثبات الفرضيّة أعتمد البحث على منهج التحليل النظمي، وذلك بدراسة مبادئ وآليات العدالة الإنتقالية وتحليل تطبيقها على التجربة العراقية وما أفرزته من فوضى وأعمال التفجيرات والعنف الذي أتّسم بالإستمرارية، قادت بالنتيجة إلى هشاشة الاستقرار السياسي والأمني في البلد، وإتّباع المحاصصة السياسية الضيّقة إنموذجاً للحكم.

بينما تكمن أهمية البحث في تسليط الضوء على مبادئ العدالة الإنتقالية وآليات تطبيقها في التجربة العراقية بعدّها تعمل –إذا ما توفّرت بيئة سياسية خصبة- على خلق قواعد راسخة لإعادة بناء الدولة محل الإنتقال، وضمان حماية حقوق الأنسان الأساسية،ـ وصولاً إلى مقاربة هي الأكثر تفاؤلاً تتمثّل بوضع نموذج لحماية النظام العام ومكافحة الإفلات من العقاب، واللذين يمثلان عقبة كبيرة أمام التحوّل الديمقراطي.

        حدود البحث: سيكون نطاق الدراسة محصور بمرحلة العدالة الانتقاليّة التي تلت التغيير السياسي في العراق 2003 ومعرفة أهم المتطلّبات التي تحتاجها المرحلة للانتقال من النظام الدكتاتوري إلى النظام الديمقراطي.

وسنقسّم هيكليّة البحث إلى مبحثين، نتحدّث في المبحث الأول عن مفهوم العدالة الإنتقاليّة وآليّاتها، بينما سنخصص المبحث الثاني عن تطبيق آليّات العدالة الإنتقاليّة في العراق ومن ثمَّ دراسة مُتطلّبات العدالة الإنتقالية في بناء الدولة العراقية بعد عام 2003.

الكلمات المفتاحيّة: القانون، العدالة الانتقالية، الآليّات، بناء الدولة، المتطلّبات

 

Mechanisms of Transitional Justice and Their Role in Building the Iraqi State

Prof. M. Dr. Ahmed Saddam Edam

Faculty Member, College of Law / University of Al-Nahrain

 

Abstract

The Iraqi state has undergone a transition from a totalitarian political system to another pluralistic system contrary to its orientations and ideologies. This transition has been accompanied by political and social instability due to violent events leading to sectarian political conflicts, exacerbated by external forces. Consistent with contemporary trends, countries that have suffered armed conflicts or authoritarian or repressive regimes must, following the end of those conflicts or the demise of those regimes, adhere to the principles of transitional justice as an important step in rebuilding the state. It occupies an important position in the process of democratic transition, especially since it coincides with unstable security conditions, and every political transformation remains fragile and susceptible to regression or the reproduction of despotism unless built on constructive mechanisms that ensure a smooth transition based on pioneering human experiences in this regard, far from the logic of revenge and exclusion.

Adopting the principles of transitional justice constitutes an entry point for documenting serious violations of human rights committed against the nation and citizens and other forms of abuse of power, in addition to holding accountable those responsible for those violations, reforming and purifying state institutions, establishing new ones that accommodate the current reality, compensating victims and their families, commemorating their memory, and achieving reconciliation among different segments of society. Therefore, any principles of transitional justice represent a method or attempt to rebuild the Iraqi state on objective foundations that can contribute to enhancing citizens’ confidence in their state and strengthening the rule of law and the pillars of democracy.

The research problem lies in the following: Despite the application of various judicial, constitutional, and political principles and mechanisms of transitional justice to achieve democratic transition and address the legacy of the past and present challenges through the reform of state institutions and legislation, the state-building process has stumbled and faced several obstacles on all political, social, and economic fronts, undermining the launch of a correct path for transitional justice.

Meanwhile, the research hypothesis is based on the following: Rebuilding a state that has experienced transition or transformation based on democracy and the rule of law requires two things: first, addressing crimes committed in the past, which entails reducing impunity, and second, the availability of genuine political will by the state to create an atmosphere of consensus among political actors and full commitment to the rule of law.

Keywords:  law, transitional justice, mechanisms, state building, requirements

المبحث الأول: مفهوم العدالة الانتقالية وآليّاتها

المطلب الأول: مفهوم العدالة الانتقالية

تطوّر مفهوم العدالة الانتقالية وإتسع نطاقه عندما طبّق في منتصف الثمانينيّيات لترسيخ الديمقراطيّات الناشئة في بعض دول أفريقيا اللاتينيّة وأوربا الشرقية، حيث لم يقتصر على مسائلة الجناة عن إنتهاكات الماضي دوليّاً أو وطنيّاً، أو في المحاكم المختلطة، وإنما تمَّ إستحداث وسائل تكميلية غير قضائيّة أسهمت في معالجة إنتهاكات الأنظمة القمعية السابقة، مثل لجان تقصّي التي منحت سلطات لتسوية بعض النزعات، وبرامج جبر للمتضررين الذين لم يتمكنوا من إقتضاء حقوقهم في المؤسسات القضائية، وكذلك إصلاح مؤسسات الدولة وتطهيرها ممّن ساهم في إفسادها، والسعي للمصالحة المجتمعية، التي أدّت إلى تحقيق الاستقرار السياسي في حالات كثيرة، لاسيما عقب النزعات المسلحة والحروب الأهلية [محمد عادل،2016،ص116].

وتجدر الإشارة إلى تطوّر مفهوم العدالة الانتقالية، قد تمَّ في كنف الأمم المتحدة وبدعمها ورعايتها، حيث عرّف تقريرها المُقدم إلى مجلس الأمن تحت عنوان (سيادة القانون والعدالة الأنتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات مابعد الصراع)، العدالة الانتقالية بإنها :(تشمل كامل نطاق العلميات والآليّات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهّم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المسائلة وإقامة العدل وتحقيق المصالحة، وقد تشمل هذه الآليّات، الآليّات القضائية وغير القضائية على حداً سواء مع تفاوت مستويات المشاركة الدولية (أم عدم وجودها مسبقاً) ومحاكمات الأفراد، والتعويض، وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات)[تقرير الأمين العام للامم المتحدة،2004،ص2]. ومن خلال هذا التعريف نجد بأن الأمم المتحدة أدّت دوراً مهماً في تحديد معالم العدالة الأنتقالية من مقاربة قائمة على أساس بناء دولة ترتكز على أحترام سيادة القانون في مرحلة ما بعد الصراع.

يعد مفهوم العدالة الأنتقالية هو أحد المفاهيم الحديثة على المستوى الوطني والدولي، وهو يندرج تحت دراسات حقوق الأنسان، ويرى البعض أنه أحد فروع القانون الدولي لحقوق الأنسان، ويرى البعض الآخر أنه ضمن فروع العلوم السياسية، ونحن نؤيد إدارج العدالة الأنتقالية بشكل عام تحت دراسات حقوق الأنسان بالرغم من أهميّة الدور السياسي فيها. لأن نشاط الأمم المتحدة –وهي الأكثر إهتماماً- بشأن العدالة الأنتقالية يستند على أهم مبادئ القانون الدولي لحقوق الأنسان والتي تمثّل بيئة خصبة لها، فضلاً عن مكافحة الإفلات من العقاب، ومن هذه المبادئ الإلتزام الواقع على الدولة للتحقيق في الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والإنتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، ومُقاضات من أرتكب الإنتهاكات، ومُعاقبة من تثبُت أدانته، والحق في معرفة الماضي، كذلك الحق في جبر الضرر لضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فضلاً عن الإلتزام الواقع على الدولة بمنع تكرار مثل الانتهاكات في المستقبل بإتخاذ تدابير مختلفة [ وثيقة الأمم المتحدة، على الموقع: www.un.org]. وهنا تكون العدالة الأنتقالية بمثابة منظومة متكاملة من الآليّات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي إنتهاكات حقوق الأنسان وجبر ضرر الضحايا ورد الإعتبار لهم بما يحقق المصلحة الوطنية، وترسم ضمانات عدم تكرار هذه الإنتهاكات، وتساعد على الإنتقال من حالة الإنغلاق السياسي إلى نظام أكثر إنفتاحاً على الآخر وصولاً إلى تكريس حقوق الأنسان. وهذا ما ذهب إليه الدكتور عبد الحسين شعبان عندما عرّف العدالة الإنتقالية بإنها:(الإنتقال من حالة نزاع داخلي مسلّح إلى حالة السلم، أو الإنتقال من حكم سياسي تسلّطي إلى حالة حكم ديمقراطي، أو التحرّر من إحتلال أجنبي بإستعادة أو تأسيس حكم محلي، وكل هذه المراحل تواكبها في العادة بعض الإجراءات الإصلاحية الضرورية وسعي لجبر الأضرار لضحايا الإنتهاكات الخطيرة)[شعبان عبدالحسين، على الموقع الآتي: www.dctcrs.org ].

يرتبط مفهوم العدالة الإنتقالية بأفكار واسعة النطاق وذات أبعاد متعددة سياسية واجتماعية واقتصادية، إذ نجد عند تحليل المفهوم بأنه يتكوّن من شقّين[محمد عادل،2016،ص640-641]: (العدالة، والإنتقالية)، فالغاية المنشودة منه هي العدالة، ليس بإيجادها من العدم – فهي قيمة دائمة ومستمرة- ولكن بإعادة تفعيلها، ودعم المؤسسات المسؤولة عن تحقيقها، وإعادة تقويمها، وهيكلتها بعد تأثرها بظروف سياسية أو إنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، أو عقب نزاع مسلح قد يؤدّي إلى حرب أهلية. أما الإنتقالية، فيُقصد بها إنَّ تحقيق هذه العدالة يكون في مجتمع ينتقل من نظام غير مُفضل إلى نظام مُفضّل، كالإنتقال من الحرب إلى السلام، أو من الاستبداد إلى الديمقراطية، أو من الفوضى إلى الاستقرار. وهنا تؤدّي العدالة الإنتقالية دور الناقل إلى الوضع الأفضل، من خلال آليّات متنوعة لتحقيق الديمقراطيّة وسيادة القانون والإنصاف، ومُعالجة الماضي مع آثاره حتى لا يؤثّر سلباً في المستقبل ويهدد استقرار وبناء الدولة.

إذن خلاصة لما تقدّم، يمكن أن نصل إلى نتيجة مفادها إنَّ العدالة الإنتقالية هي عبارة عن منظومة من الإجراءات والتدابير القضائيّة وغير القضائيّة، كالتدابير السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية، التي تتبنّاها الدولة عندما تمر بظروف حرجة، سواء عند إنهيار النظام السياسي، أو عقب مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، أو عندما يشتد الإحتقان السياسي والمجتمعي، فهي تهدف (أي التدابير) إلى كشف وحقائق وإنتهاكات الماضي ومعالجة آثارها، وجبر من تضرّر منها، وتحديد مسؤوليّة كل من تورط فيها، وإتخاذ ما يلزم نحو عدم تكرارها، ومن ثمَّ الإنتقال إلى تحقيق المصلحة الوطنية للدولة، من أجل بلوغ السلم المجتمعي بغية تحقيق التعايش والتسامح اللذان يشكّلان ركنين مهمّين لبناء دولة المؤسسات.

المطلب الثاني: آليّات العدالة الانتقاليّة

يتضمّن مفهوم العدالة الانتقاليّة حزمة من الآليّات القضائية وغير القضائيّة اللازم التعويل عليها لتحقيق أهدافها التي تصبو إليها. إذ تهدف هذه الآليّات إلى معالجة الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان أثناء مراحل إنتقال الدول من أنظمة استبداديّة أو خرجت من حروب أهليّة وشرعت إلى إقامة أنظمة ديمقراطيّة. كما تهدف أيضاً إلى الحد من نفوذ المسؤولين القدامى في الحياة السياسية، أي تقويض كل أركان النظام كمصدر للانتهاكات. وتعد هذه الآليّات –في الحقيقة- بمثابة الشكل المناسب أو المرحلة الأولى لإعادة البناء السياسي للدولة. هذه الآليّات تختلف من بلد إلى آخر وليست ثابته ولكن سنتحدّث عن أكثرها إستخداماً وتعاملاً لمعالجة أرث الماضي وجبر ضرر الضحايا، ومنها:

أوّلاً: لجان الحقيقة

أنَّ من أهم حقوق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان معرفة الحقيقة حول الأسباب والظروف التي أرتكبت خلالها التجاوزات والجرائم التي ترتّب عليها إلحاق الضرر بهم بكافة صوره الماديّة والمعنويّة. ويتّسع الحق في معرفة الحقيقة خلال مدد العدالة الانتقالية ليشمل كل المجتمع. لأن عدم معرفة الحقيقة قد تؤدّي إلى عدم الشعور بالأمان ومن ثمَّ عدم الاستقرار. لذلك فأن أول أهداف العدالة الانتقالية هو كشف الحقيقة ومعرفة طبيعة ما وقع من جرائم وانتهاكات لحقوق الانسان خلال مدّة الاستبداد أو القمع مع تحديد المسؤول عنها باعتبار ذلك حق لكل مواطن[الهواري عبدالله، 2017،ص1195]. من هنا برزت أهمّيّة لجان الحقيقة التي يكمن عملها في الكشف عن الحقيقة وتوثيقها. فهي لجان غير قضائيّة عملها مؤقت تقوم بإجراء تحقيقات رسميّة تهدف إلى تحديد وقائع الانتهاكات الماضية لحقوق الانسان وأسبابها ونتائجها من خلال إيلاء أهميّة خاصة لشهادات الضحايا، وتختم هذه اللجان عملها بتقرير تسجّل فيه جملة من النتائج والتوصيات، من بينها تحديد الإصلاحات المؤسساتيّة لتفادي وقوع إنتهاكات جديدة مستقبلاً[مفوضيّة الأمم المتحدة لحقوق الانسان،2005].

ثانياً: المحاسبة

تشكّل المحاسبة أحد أهم آليّات العدالة الانتقالية التي يمكن اللجوء إليها للتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان تمهيداً لجبر أضرار ضحاياها. ومن أهم التدابير القضائية التي يمكن التعويل عليها لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية في مجال لمحاسبة، إجراء محاكمات جزائية للمسؤوليين عن انتهاكات حقوق الانسان (كالإبادة الجماعية، والجرائم الانسانية، وجرائم الحرب)، وغيرها من جرائم أخرى ضد المواطنين والمجتمع، سواء تمّت عن طريق محاكم وطنيّة أو دوليّة أو مختلطة. وتبدو أهميّة هذه الآليّة لمواجهة ما أُرتكب ضدَّ ضحايا النظم القمعيّة والاستبداديّة من أفعال إجراميّة بالبحث والتحليل القانوني، وصولاً لتحديد من يتحمّل المسؤوليّة عنها، وضماناً لعدم تكرارها مستقبلاً [تقرير الأمين العام للامم المتحدة،2004]. كما تهدف العقوبة أيضاً -بشكل عام- إلى إعادة التأهيل الاجتماعي وحماية المجتمع، وذلك من خلال تحييد المحكوم عليه. وهذا ما ذهب إليه الاستاذ (فوسونيه) بقوله:(إنَّ نفعيّة العقوبة لا تتمثّل فيما يترتّب عليها من آثار على المجرمين، ولكن فيما يترتّب عليها من آثار على المجتمع نفسه) [الهواري عبدالله، 2017،ص1193].

ثالثاً: التعويض وجبر الضرر

تترك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في ضحاياها وذويهم جراحاً بالغة يصعُب مداواتها في كثير من الأحيان إلا من خلال آليّات العدالة الانتقالية ومن أهمّها المحاسبة وتعويض الضحايا وجبر ما لحق بهم من أضرار وإعادة تأهليهم وتخليد ذكراهم.لذلك يكون من الضروري إتّباع وسائل وإجراءات سليمة وفعّالة لتحديد الضحايا وتأمين حصولهم على التعويضات المناسبة والإرضاء الكافي لأسرهم في حالة وفاتم. عليه يعد الحق في التعويض عن الأضرار الجسيمة من المبادئ الأساسيّة لمنظمة الأمم المتحدة، إذ تمَّ النص عليه في إعلان المبادئ الأساسيّة لتوفير العدالة لضحايا الجرائم عام 1985، وإعادة التأكيد عليه عام 2005، ضمن مبادئ الحق في الإنتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الأنسان، والتي أقتضت أن يكون هذا التعويض متناسباً مع جسامة الانتهاكات والأضرار الناشئة عنها، مع إتخاذها شكل الرد للحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار[محمد عادل،2016،ص848-849].

رابعاً: تطهير وإصلاح مؤسسات الدولة

تقترن المرحلة الانتقاليّة خاصة في الفترات التي تعقب التغييرات السياسية الجذرية من الاستبداد إلى الديمقراطية، بتطهير مؤسسات الدولة وإقصاء المسؤولين ممّن أفسدوا الحياة السياسية، من خلال مراجعة أعمال رجالات النظام السابق بغرض التيقّن مما صدر عنهم من تجاوزات وإنتهاكات وإقامة الدليل عليها، مع التأكيد على أهليّة المسؤولين الحاليّين لتقلّد مناصبهم العامة. هذا من جانب

من جانب آخر، يعد إصلاح مؤسسات الدولة من أهم غايات العدالة الانتقالية لضمان منع تكرار ما حدث من إنتهاكات عن طريق تلك المؤسسات أو عن طريق القائمين عليها، بما يتضمّنه ذلك من إعادة هيكلة الأجهزة والمؤسسات المشتبه بإرتكاب منتمين لها إنتهاكات لحقوق الأنسان أو إساءة استعمال السلطة، وذلك لإزالة الأسباب والعناصر التي أدّت تلك الإنتهاكات والممارسات العنيفة أو القمعيّة، بما يضمن تعديل أنماط ممارسات السلطة نحو الشفافيّة والنزاهة ومراعاة حقوق الأنسان[عبدالرضا أسعد وحسين هند،2020،ص131]. ومن أهم المؤسسات التي يشملها الإصلاح المؤسسي عادة الأجهزة الأمنية الاي يجب أن يُعاد تقيمها ومراجعة أعمال القائمين عليها والعاملين بها، وكذلك المؤسسة القضائية والمؤسسة الإعلاميّة، وغيرها من المؤسسات المهمّة التي تحتاج إلى تلك الإصلاحات.

 

خامساً: المصالحة الوطنيّة

تعد العدالة الإنتقاليّة ذات صلة ثيقة بالمصالحة الوطنيّة، وتشكّل الأخيرة كأحد مكوّنات منظومة العدالة الإنتقاليّة في حد ذاتها أهم أهدافها، إذ إنه من الأمور المُتّفق عليها أنّ المصالحة الوطنيّة تمثّل أهم مفردات أيّة تسوية سياسية، وإنَّ عدم تحقيقها قد يُفشل هذه التسوية برمّتها. فالعدالة الإنتقاليّة تسعى للوصول بالمجتمع إلى السلام الاجتماعي، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتقصّي جذور الخلافات والإنقسامات بمختلف أبعادها السياسية والاقتصاديّة والاجتماعية بما يسمح بتجاوز أسباب الخلاف والكراهيّة بشكل يُسهم في الإنتقال المتدرّج إلى الديمقراطية على أُسس متينة.

وهناك العديد من الدول التي ركّزت في المراحل الإنتقاليّة على آليّة المصالحة لإعادة تحقيق السلم الأهلي في المجتمع، ولعلَّ تجربة جنوب أفريقيا توفّر أفضل الممارسات في هذا الشأن. فأهم ما يميّز مرحلة العدالة الإنتقاليّة في جنوب أفريقيا إنها أعتمدت على آليّة خاصة لبلوغ المصالحة الوطنيّة تقوم أساساُ على إقفرار المسؤول بما أرتكبه من إنتهاكات وتجاوزات أمام هيئة معرفة الحقيقة كشرط للحصول على العفو وصولاً للمصالحة الوطنيّة، وكان الغرض منها تحقيق العدالة التصالحيّة وليس العدالة العقابيّة أو الإنتقاميّة [عبدالرضا أسعد وحسين هند،2020،ص132-133].

خلاصة لما تقدّم، يتبيّن لنا إنَّ آليّات العدالة الإنتقاليّة تكمّل كل واحدة منها الآخرى، فالمسائلة تحقق العدالة الجزائية ومحاسبة الجُناة، وتعتمد في جزء من عملها على الأدلّة والمعلومات التي تصل إليها وتوثّقها لجان تقصّي الحقيقة، وعندما تلجأ دولة لآلية المصالحة الوطنيّة فأنَّ المسائلة وكشف الحقيقة هما الحد الأدنى من الشروط الضروريّة للمصالحة، فلا سلام بدون عدالة، ولا يمكن الشروع في المصالحة إلا بعد التعامل مع أرث إنتهاكات الماضي، ومعرفة حقيقتها، ومحاسبة من تورّ فيها، وإتخاذ الإجراءات التي تضمن ردع أيّ محاولة للعنف أو الفوضى أو الجريمة، أو أيّ فعل من شأنه تهديد استقرار وبناء الدولة. أما بالنسبة إلى موضوعة تمتّع أحد الآليّات بأولويّة على الأخرى، فيبقى من صميم سياق كل تجربة ومتطلّبات كل بلد ومراحل بنائه الديمقراطي بضغوطها وتحدّياتها وإمكانيّاتها.

المبحث الثاني: آليات تطبيق العدالة الانتقالية ومتطلّبات بناء الدولة في التجربة العراقية

تمثّل آليّات العدالة الانتقاليّة – وهي تختلف من بلد إلى آخر- الوسائل التي تتمكّن بها العدالة الانتقاليّة من تحقيق أهدافها، إذ إنها تشكّل الأساس الذي يُبنى عليه التحوّل الديمقراطي، لاسيما في بلد مثل العراق، حيث كانت مؤسسات الدولة في ظل النظام السابق تفتقر إلى المستلزمات الضروريّة لعمليّة التحوّل الديمقراطي، وهي بذلك تحتاج إلى آليّات وأساليب معيّنة لإعادة بناءها، بما يتوافق مع المعايير الصحيحة للديمقراطيّة. لذلك سيتم دراسة هذا المبحث من خلال مطلبين، المطلب الأول يتحدّث عن آليّات العدالة الانتقاليّة في العراق، بينما المطلب الثاني يتحدّث عن مُتطلّبات بناء الدولة  في مرحلة العدالة الانتقاليّة.

المطلب الأول: آليّات العدالة الانتقاليّة في العراق

أُعتمدت في العراق آليّات أو وسائل لتطبيق مبادئ العدالة الانتقاليّة من أجل تحقيق عدّة أهداف أهمّها، الملاحقة القضائيّة أو العدالة الجنائيّة، والإصلاح المؤسسي من خلال إجتثاث البعث، وتفعيل المصالحة الوطنيّة، وتعويض الضحايا أو جبر ضررهم

أولاً: المحكمة الجنائية العراقيّة العليا

تشكّلت المحكمة الجنائية العراقيّة العليا بموجب القانون رقم (1) لسنة 2003 الصادر من مجلس الحكم في العراق (آنذاك) والمفوّض بموجب الأمر رقم (48) الصادر من قبل سلطة الأئتلاف المؤقتة، ثمَّ أُلغي هذا القانون بموجب القانون رقم (10) لسنة 2005 الصادر من الجمعية الوطنيّة المنتخبة، حيث أسماها المحكمة الجنائية العراقيّة العليا بعد إن كانت تسمّى المحكمة الجنائيّة المختصّة بالجرائم ضد الإنسانيّة بموجب القانون السابق، وقد نص القانون الجديد في المادة الأولى منه الفقرة الأولى على إنَّ المحكمة هيئة قضائية مستقلّة. بينما حدّدت الفقرة الثانية من نفس المادة أختصاصات المحكمة بالآتي:(( تسري ولاية المحكمة على الجرائم التي أرتكبها العراقيين والمقيمين في العراق داخل الجمهورية العراقيّة وخارجها، المنصوص عليها في المواد (11،12،13،14) خلال المدّة الممتدّة من 7/7/1968 إلى 1/5/2005)). وتشمل هذه الجرائم الآتي: جرائم الإبادة الجماعيّة، جرائم ضدَّ الإنسانيّة، جرائم الحرب، التدخّل في شؤون القضاء أو محاولة التأثير على أعماله، هدر الثروة الوطنيّة وتبديدها إستناداً إلى أحكام الفقرة (ز) من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين على سلامة الوطن ومُفسدي نظام الحكم رقم (7 لسنة 1958)، سوء إستخدام المنصب والسعي وراء السياسات التي قد تقود إلى التهديد بالحرب أو إستخدام القوات المسلّحة العراقيّة ضدَّ دولة عربيّة وفقاً للمادة الأولى من القانون رقم (7 لسنة 1958). وإستناداً إلى الصلاحيّات التي أُنيطت بها، فأنها تعد مستقلّة عن محاكم مجلس القضاء سواء من حيث الميزانيّة أو الأرتباط. ورغم إنَّ قسماً من القضاة والمدّعين العامّين العاملين بها كانوا من قضاة مجلس القضاء الأعلى، إلا أنها مستقلّة تماماً عن مجلس القضاء، كما أنه يمكن أعتبارها هيئة قضائيّة متكاملة تحقيقاً ومحاكمةً وتمييزاً[فتح الله سعد،2014،ص132-133].

وتجلّى عمل المحكمة العليا من خلال الأدوار التي أضطلعت بها في تحقيق العدالة الجنائيّة، إذ إستمعت إلى آلاف الشهادات من الضحايا، وعملت على تنظيم المعلومات الوثائقيّة حيث مسحت ملايين الوثائق، وتمَّ تجميعها في قاعدة معلومات الكترونيّة[فتح الله سعد،2014،ص133].

ثانياً: الهيئة الوطنيّة العليا لأجتثاث البعث

أصدر الحاكم المدني في العراق (بول برايمر) رئيس سلطة الأئتلاف المؤقّتة القرار رقم (1) في 16 نيسان 2003 القاضي بإنشاء الهيئة الوطنيّة العليا لإجتثاث البعث، تعمل تحت إشرافه وبرئاسة (الدكتور أحمد الجّلبي)، وقد ثار جدل حول مدى شرعيّة هذه الهيئة، إلا إنَّ النص عليها في قانون إدارة الدولة العراقيّة للمرحلة الانتقاليّة لعام (2004) وكذلك دستور العراق الدائم لعام (2005) قد أزال الغبار عن شبهة شرعيّتها.

يكمُن عمل الهيئة في توفير معلومات تكشف عن البعثيين الموجودين في مؤسسات الدولة العراقيّة من أجل فصلهم من وظائفهم، إذ تكون ضوابط الأجتثاث وفق القرار أعلاه على نوعين، النوع الأول على أساس الإنتماء الحزبي: يُقصد به شمول الدرجات الأربعة الأولى في قيادة الحزب (عضو فرقة، عضو شعبة، عضو فرع، عضو قيادة قطريّة) بالإجتثاث، فكل من يحمل هذه المراتب يتم إبعاده عن مؤسسات الدولة بغض النظر عن منصب هذا الشخص أي الإجتثاث يكون على أساس الدرجة في الحزب. أمّا النوع الثاني فيكون على أساس المركز الوظيفي: ويُقصد به شمول جميع موظّفي الدولة بما فيهم أساتذة الجامعات والقضاة ومن هم برتبة مدير عام فما فوق بغض النظر عن درجته الحزبيّة بقرار الإجتثاث.

وبسبب شدّة القرارات التي إتخذتها الهيئة وصرامتها وما ترتّب عنها من نتائج، إذ تمَّ إجتثاث أعداد كبيرة من الموظّفين وبعضهم من ذوي الكفاءة الذي إنعكس سلباً على أداء مؤسسات الدولة والمجتمع معاً، وكذلك حل أغلب المؤسسات الأمنية وحل الجيش العراقي، فضلاً عن الضغوطات السياسية التي كانت تدفع بإتجاه إنهاء هذا الملف. كل ذلك أدّى إلى إلغاء هذه الهيئة لتحل محلّها الهيئة الوطنيّة العليا للمسائلة والعدالة والتي تعد إمتداد للهيئة السابقة (ولكن بضوابط أقل شدّة)، حيث نُقلت أعمال الهيئة السابقة ووثائقها وممتلكاتها إلى الهيئة الجديدة بموجب القانون رقم (10) لسنة (2008)، وقد نظّم هذا القانون عمل الهيئة الجديدة وصلاحيّاتها وأهدافها وإستمرّت بعملها حتى الوقت الحاضر، والتي تهدف بموجب المادتين (2و3) من هذا القانون إلى تطهير مؤسسات الدولة من حزب البعث، والعمل على عدم عودة البعث فكراً أو ممارسةً أو سياسةً تحت أيَّ مسمّى كان، وإحالة عناصر حزب البعث المُنحل إلى المحاكم ممّن أرتكبوا جرائم ضدَّ الشعب العراقي، وتمكين ضحايا النظام السابق من الحصول على تعويضات مناسبة أمام الجهات المختصّة.

ثالثاً: اللجنة العليا للمصالحة الوطنيّة

تشكّلت اللجنة العليا للمصالحة الوطنيّة عام (2006) من مختلف شخصيّات ومكوّنات المجتمع العراقي ومن مختلف المؤسسات، بهدف متابعة تطوّرات اللجان المُنحلّة والصحوات والمهجّرين، وإعداد لقاءات دوليّة لتطوير التجربة الديمقراطيّة في العراق، وإعداد خطّة لإستيعاب القوى المعارضة في العمليّة السياسيّة، وإعتماد الحوار والآليّات اللازمة لتسوية الأزمات المستحدثة. وسعت اللجنة من خلال تعاونها مع الرموز الدينيّة والمنظّمات غير الحكوميّة والعشائر والقضاة والمحامين، إلى إيجاد أفضل السُبل لتحقيق المصالحة في العراق، فنظّمت عدّة مؤتمرات محليّة حول المصالحة الوطنيّة في العديد من المحافظات العراقيّة منها أربيل والموصل والناصريّة ودوكان. كما نظّمت هذه اللجنة عدّة مؤتمرات دوليّة لتفعيل المصالحة الوطنيّة من أهمّها، مؤتمر هلسنكي، وندوة أكاديميّة برنادوت في السويد، وطوكيو، والقاهرة، مع تنظيم زيارات متعددة لوفود عراقيّة إلى إيرلندا للأستفادة من تجربة المصالحة الوطنيّة فيها [الحكيم أكرم،2016،على الموقع:  https://hdf-iq.org].

رابعاً: مؤسسات تعويض الضحايا أو جبر الضرر

تعد قضيّة التعويض أمر ضروري في موضوعة العدالة الانتقاليّة من أجل جبر ضرر المواطنين الذين تعرّضوا للإنتهاك بالشئ القليل، رغم إنّ ما حدث في العراق من الصعوبة تعويضه بالمال. لذلك نشأت هيئات خاصّة للتعويض من منطلق رسم مسار صحيح للعدالة الانتقالية، أبرزها هيئة دعاوى الملكيّة، ومؤسسة الشهداء، ومؤسّسة السجناء السياسيّين. وإنَّ هدف التعويض هو إستجابة للمعيار الدولي المتعلّق بجبر الضرر والذي يؤدي دوراً مهماً في مساعدة الضحايا وإعادة دمجهم بالمجتمع وصولاً إلى ترسيخ بناء الدولة. ومن هذه المؤسسات هي:

1ـ هيئة دعاوى الملكيّة: تعمل هذه الهيئة إستناداً إلى نص المادة (136) من الدستور العراقي الدائم لعام (2005) بإعتبارها هيئة مستقلّة بالتنسيق مع السلطة القضائيّة والأجهزة التنفيذيّة وفقاً للقانون، وترتبط بمجلس النوّاب، ويتم حلّها بأغلبيّة ثلثي مجلس النوّاب. وهي جزء من برنامج التعويض التابع إلى العدالة الانتقاليّة التي أختصّت بتعويض المواطنين الذين أُنتزعت أملاكهم بالقوّة أو تمَّ تغيير معالمها من قبل النظام السياسي السابق، أو إرجاع الأملاك إلى أصحابها عيناً إن أمكن ذلك أو تعويض نقدي. أُسّست بمذكرة سلطة الأئتلاف المؤقّتة رقم (8) لسنة (2004)، الذي أُلغي، وصدر بعده عدّة قوانين كان آخرها، صدور قانون رقم (13) لسنة (2010)، الذي عالج حالات التجاوز بشأن عقارات المواطنين والحقوق العقاريّة بالمصادرة والإستيلاء أو الإستملاك خلاف الطرق القانونيّة لأسباب عرقيّة أو طائفيّة أو سياسيّة للمدّة من 17/6/1968 إلى 9/4/2003، ولكون عمل الهيئة يُعالج حالات لم تُعالجها القوانين السابقة، حاول المُشرّع فيها تحقيق العدالة الانتقاليّة ومعالجة الأوضاع المُعقّدة التي فرضتها ممارسات النظام السابق. ويوجد للهيئة (30) فرعاً و(48) لجنة قضائيّة وثلاث هيئات تمييزيّة مُوزعة على محافظات العراق من ضمنها محافظات أقليم كردستان.

2- مؤسسة السجناء السياسيين: أصدرت الجمعيّة الوطنيّة عام 2006 القانون رقم (4) القاضي بإنشاء مؤسسة السجناء السياسيين من أجل تعويض هذه الشريحة التي تعرّضت للإنتهاك بسبب موقفها من النظام السياسي السابق، وقد تمَّ تعديل هذا القانون في عام 2013 بالقانون رقم (35). ويسعى هذا القانون بشكل أساسي إلى تحقيق عدّة أهداف منها: مساعدة سُجناء الرأي السياسي وتعويضهم ماديّاً ومعنويّاً بسبب هذه الإنتهاكات التي تعرّضت لها طبقة واسعة من ضحايا النظام، وتقديم الرعايا للسجناء والمعتقلين السياسيين وحصولهم على الأمتيازات التي يمنحها لهم هذا القانون، وتحديد الأشخاص الذين تنطبق عليهم وصف سجين سياسي وفق أحكام هذا القانون، وتوفير أمتيازات أخرى لهذه الشريحة من خلال التنسيق مع الجهات الرسميّة وغير الرسميّة، والعمل على تعويض المعتقل والسجين السياسي تعويضاً يتناسب مع حجم الضرر الذي تعرّض له، وتوفير فرص العمل والدراسة ومنحهم الأولويّة في ذلك، تخليد تضحياتهم وتذكّرها والإستفادة منها في توعية المجتمع.

3- مؤسسة الشهداء: نشأت مؤسسة الشهداء بموجب القانون رقم (3) لسنة 2006 والذي تمَّ تعديله أكثر من مرّة آخرها عام 2020، ونصَّ التعديل على تأسيس مؤسسة تُسمّى مؤسسة لشهداء ترتبط بمجلس الوزراء ولها شخصيّة معنويّة ويكون مقرّها العاصمة بغداد.

تعدَّ هذه المؤسسة أحد أركان منظومة التعويض التي أكد عليها برنامج العدالة الانتقاليّة في العراق من أجل معالجة أوضاع هذه الشريحة المهمّة التي تعرّضت لأحد الجرائم التي أرتكبها النظام السياسي السابق من الإعدام أو التعذيب أو السجن حتّى الموت أو الأسلحة الكيمياويّة أو التهجير القسري أو المقابر الجماعيّة. وأيضاً يدخل في نطاق عمل هذه المؤسسة –ضحايا الأرهاب- الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم تلبية لنداء الوطن ونداء المرجعيّة العليا إعتباراً من 11/6/2014، بعد سقوط ثلث الأراضي العراقيّة بيد التنظيم الأرهابي المعروف بأسم الدولة الأسلاميّة في العراق والشام (داعش).

وتهدف هذه المؤسسة إلى تقديم المعونة لذوي الشهداء وتعويضهم ماديّاً ومعنويّاً، وتحقيق الرفاه الاقتصادي لهم، وتوفير فرص عمل ودراسة ملائمة لهم، وتمجيد تضحياتهم وتخليد ما قدّموه من خلال إقامة الندوات والنصب التذكاريّة وغيرها.

 

المطلب الثاني: متطلّبات بناء الدولة في مرحلة العدالة الانتقاليّة

أولاً: متطلّبات على المستوى الدستوري

تمَّ تعبيد الطريق بعد تغيير النظام السياسي عام 2003 والتهيؤ لتبنّي مسارات مبادئ العدالة الانتقالية لبناء الدولة العراقية، من خلال الإشارة إليها (أي المبادئ) في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقاليّة لعام 2004، والذي يعد أهم وثيقة قانونية صدرت بعد هذا التغيير السياسي. إذ نصت المادة السادسة منه على:(تتّخذ الحكومة الانتقالية العراقية خطوات فعّالة لإنهاء آثار الأعمال القمعية التي قام بها النظام السابق التي نشأت عن التشريد القسري، وإسقاط الجنسيّة، ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، والفصل من الوظيفة الحكوميّة لأسباب سياسيّة أو عنصريّة أو طائفيّة). كما نصت المادة الخامسة والعشرون منه الفقرة الخامسة على:(إعادة توزيع واردات الثروات الطبيعيّة عن طريق الميزانيّة العامة وبشكل منصف، يتناسب مع التوزيع السكّاني في جميع أنحاء البلاد، بشكل يضمن تعويض المناطق التي حُرمت منها بصورة مجحفة في زمن النظام السابق، ومعالجة مشاكلها بشكل إيجابي). وأيضاً أشارت المادة التاسع والأربعون من القانون نفسه الفقرة الأولى إلى:(إن تأسيس الهئيات الوطنيّة مثل الهيئة الوطنيّة للنزاهة العامة والهيئة العليا لحل النزعات الملكية العقاريّة والهيئة الوطنيّة العليا لإجتثاث البعث، يعد مصادّقاً عليه، ويستمر أعضاء هذه الهيئات الوطنيّة بعملهم بعد نفاذ هذا القانون).

وإستمر رسم مسار العدالة الانتقالية بشكل واضح في الدستور العراقي الدائم والنافذ لعام 2005، إذ جاء الفصل الثاني من الباب السادس تحت عنوان (الأحكام الانتقالية) والتي كفلت الدولة بموجبها القضايا المرتبطة بالعدالة الانتقالية، ومنها رعاية الدولة لذوي الشهداء والسجناء السياسيين والمتضرّرين من الممارسات التعسفيّة للنظام العراقي السابق، وإستمرار عمل المحكمة الجنائيّة العراقيّة العليا والهيئة الوطنيّة العليا لإجتثاث البعث بإعتبارهما هيئات مستقلّة.

ثانياً: متطلّبات على مستوى الإصلاح المؤسساتي

نقصد بإصلاح المؤسسات تحويل مؤسسات الدولة التي كانت تحمي عمليّة الإنتهاكات أو تُسهم في تسهيلها، إلى مؤسسات تدعم السلام والديمقراطيّة وترسّخ أركان بناء الدولة، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات العامّة بما يضمن نزاهتها وعدالتها واحترامها لحقوق الإنسان. الأمر الذي يتطلّب إما إلغاء بعض المؤسسات الموجودة بعدّها الأداة المساعدة على إنتهاكات النظام السابق، أو تغيير بعض المؤسسات القائمة، أو إستحداث بعض المؤسسات التي تعد ضروريّة في المرحلة الانتقاليّة وما بعدها.

وقد شهد العراق بعد عام (2003)، إصلاحات على المستوى المؤسساتي، تمثّلت بحل بعض المؤسسات القائمة كالمؤسسة العسكريّة والأمنيّة[أمر سلطة الائتلاف،2003] ، وكذلك تغيير وإعادة هيكلة غالبيّة المؤسسات القائمة، فمثلاً أُعيد تشكيل وزارات الدفاع والداخليّة وتمَّ إستحداث أجهزة عسكريّة داخل المنظومة العسكريّة، وأيضاً تمَّ تغيير في منظومة السلطة القضائيّة. فضلاً عن إستحداث بعض المؤسسات التي تعُد أساسيّة لمرحلة العدالة الانتقاليّة، والتي نصَّ عليها فيما بعد دستور العراق الدائم لعام (2005) لتكون آليّات تعزّز التحوّل الديمقراطي وبناء الدولة مستقبلاً. ومن هذه المؤسسات، هي:

1ـ الهيئة العامّة للنزاهة: أصدرت سلطة الأئتلاف المؤقّتة عام 2004 قرارها رقم (55)، الذي خوّل مجلس الحكم إصدار قانون لتشكيل مُفوّضيّة عامّة للنزاهة، تكون مسؤولة عن تطبيق القوانين المعنيّة بمكافحة الفساد وإقتراح مشروعات القوانين المُتعلّقة بالنزاهة، وإقامة الندوات والدورات الخاصّة بذلك. وأشار هذا التخويل إلى التعليمات الخاصّة بصلاحيّات الهيئة وآليّة عملها، وإن يصدر مجلس الحكم قراره بما يكفل تحقيق تلك التعليمات.

2- المُفوّضيّة العُليا المُستقلّة للانتخابات: تأسست المُفوّضيّة العُليا المُستقلّة للانتخابات بموجب أمر سلطة الأئتلاف المؤّقتة رقم (92) لسنة (2004)، لتكون أول هيئة تأخذ على عاتقها إدارة شؤون الانتخابات في العراق، وقد أُلغيّ هذا القرار، وصدر قانون رقم (11) لسنة 2007 محلّه نصَّ في المادة الثانية منه على إنّ المفوّضيّة هيئة مستقلّة ومُحايدة تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة وتخضع لرقابة مجلس النوّاب، وتهدف  إلى وضع الأسس والقواعد الخاصّة بالعمليّة الانتخابيّة والاستفتاءات سواء كانت في الدولة الاتحاديّة أو في الأقليم أو في المحافظات غير المنتظمة بأقليم، والإشراف عليها. الأمر الذي يعُد نقلة نوعيّة في الممارسة الديمقراطيّة مقارنة بالسابق، حيث كانت الانتخابات سابقاً تُحاط بأجواء من السريّة وتوجيهها بإتجاه يخدم بقاء النظام السياسي السابق.

3- المُفوضيّة العُليا لحقوق الأنسان: أشار إليها الدستور العراقي الدائم لعام (2005)، وتأسست بموجب القانون رقم (53) لسنة 2008، الذي نصَّ على الآتي: تأسيس مُفوّضيّة بأسم المفوضيّة العُليا لحقوق الإنسان، تتمتّع باستقلاليّة ماليّة وإداريّة ويكون مقرّها في بغداد، وتكون مسؤولة أمام مجلس النوّاب، وضرورة فتح مكاتب لها في المحافظات الأخرى. تعمل المُفوّضيّة على: حماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، وحماية الحقوق والحريّات المنصوص عليها في الدستور والمُعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة التي إنضمَّ إليها العراق، تنمية وتطوير وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ولها في سبيل ذلك التنسيق مع الجهات المعنيّة من أجل تحقيق أهدافها، وأيضاً دراسة القوانين النافذة ومدى مُطابقتها للدستور، وكذلك تقديم التوصيات في الإنضمام للمعاهدات الدوليّة المعنيّة بحقوق الإنسان، فضلاً عن التعاون مع المنظمات والمؤسسات الدوليّة وغير الدوليّة التي لها علاقة بحقوق الإنسان.

ثالثاً: متطلّبات على المستوى القانوني

نقصد بالمتطلّبات القانونيّة تغيير بعض القوانين القائمة، أو إصدار قوانين جديدة، من أجل مُعالجة الإنتهاكات التي حدثت في السابق ومنع حصولها مستقبلاً. وتكمن أهميّة ذلك في كون الكثير من القوانين العراقيّة النافذة باتت لا تتوافق مع الواقع القانوني الذي يعيشه العراق بعد التغيير السياسي (2003)، فضلاً عن ذلك إنه بحاجة إلى عدّة قوانين جديدة تضمن عمليّة بناء الدولة بشكل سليم. ومن ضمن هذه القوانين التي نعتقد بإنها مهمّة لترسيخ بناء الدولة على أسس ديمقراطيّة، هي:

1ـ القوانين الخاصة بحريّة الإعلام والرأي: وسائل الإعلام كانت سابقاً مُقيّدة ومُنتهكة إلى حدِ كبير، حيث توجد عدّة وسائل إعلاميّة مرئيّة ومسموعة ومقروءة، لكنها تابعة للنظام الحاكم، وهي تُدار بشكل مباشر من قبله، ولا يستطيع الأشخاص أن يعبّروا عن رأيهم بصراحة إذا كان مُخالفاً لرأي الحزب الحاكم.

لكن بعد التغيير السياسي (2003)، تغيّرت حريّة الإعلام والتعبير عن الرأي، إذ صدرت عدّة قوانين، منها: أمر سلطة الائتلاف المؤقّتة رقم (14) لسنة (2003) الذي رفع الحظر عن وسائل الإعلام، وكذلك رفع العقوبات التي كانت مفروضة على الإعلام، وأيضاً صدر القرار رقم (66) التي تأسست بموجبه صحيفة يوميّة وإذاعة ومحطّة تلفزيون رسميّة لا تكون خاضعة للحكومة وإنما تُموّل فقط من قِبلها. وبعد عاميين من صدور تلك القوانين تمَّ التأكيد على حريّة الإعلام والصحافة والإشارة إليها في الدستور العراقي الدائم والنافذ لعام (2005)، إذ نصّت المادة (38:أولاً وثانياً) منه على حريّة الرأي والتعبير وحريّة الإعلام والصحافة. عليه تعد القوانين الخاصة بحريّة الإعلام والرأي مُصانة بموجب الدستور ولا يمكن سن أي قانون يتعارض معها، فضلاً عن ذلك صدرت عدّة قوانين نظّمت حقوق الصحفيين وحمايتهم مثل قانون رقم (21) لسنة 2011.

2- القوانين الأخرى: إنّ التغيير السياسي والتحوّل الجذري في الأفكار والتوجّهات الذي حدث في العراق بعد عام (2003)، ومن أجل ترسيخ المبادئ الديمقراطيّة ومنها مبدأ التداول السلمي للسلطة ومشاركة المواطنين الذين تتوفّر فيهم الشروط القانونيّة في عمليّة أختيار من يمثلهم في السلطة ويكونوا جزء من معادلة إتخاذ القرار السياسي. تمَّ إصدار قانون الانتخابات رقم (16) لسنة (2005). وكذلك إصدار قانون الأحزاب السياسيّة رقم (36) لسنة (2015)، الذي يعد أيضاً مهم وأساسي كون يُتيح التعددية الحزبيّة وفق القانون، ويضمن مشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي في إدارة الحياة السياسية العامة للدولة.

رابعاً: متطلّبات على المستوى السياسي

إنَّ الأساس الضروري لتحقيق العدالة الانتقاليّة من مجتمع عانى أو يعاني من الهيمنة المفرطة والعنف للنظام الحاكم إلى مجتمع يسود فيه السلام الحقيقي، هو غرس مبادئ الثقة المتبادلة في نفوس جميع الأطراف والمكونات (الاجتماعية والسياسية) والتشجيع على التقارب في العلاقات وإعادة بناء الثقة عبر الحوار والتمتّع بروح التسامح والعفو.

وعند إسقاط هذه الفرضية على المشهد العراقي بعد التغيير السياسي، نجد بأنه بدا محتقناً ومليئاً بالمتناقضات من جرّاء المحاصصة السياسية التي تمَّ تبنّيها في توزيع المسؤوليات، فضلاً عن سعي أطراف العملية السياسية نحو فرض إرادتها بأعتماد وسيلة الحسم عبر قادة الكتل السياسية عند معالجة المشكلات والقضايا الخلافية، الأمر الذي عمّق فجوة الثقة بين الأطراف السياسية، والذي يُترجم أحياناً بتشنّج تصريحات المسؤولين السياسيين الذين يعكسون من خلالها المرجعية السياسية للكيان السياسي الذي ينتمون إليه وليس المرجعية القانونية والمهنية، فتكون العملية السياسية غير مستقرة وقائمة على أرض رخوة تحكمها الصفقات والمساومات السياسية كتمرير قانون مقابل تمرير قانون آخر لتحقيق أهداف فئوية من دون مراعاة المصلحة الوطنية التي تعد أحد الروافد المهمة والمُغذية لنجاح عملية العدالة الانتقاليّة وبناء الدولة المؤسساتية.

وإنطلاقاً مّما تقدّم، فأنّ أهداف العدالة الانتقاليّة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال حوار مجتمعي وتوافق سياسي وطني، مما يستلزم مُعالجة الفرقة والإنقسام بين أطياف المجتمع من جانب، والكتل السياسية من جانب آخر، وإتخاذ التدابير اللازمة للتغلّب عليها، وإستئصال جذورها بعيداً عن ثقافة الثأر والانتقام. ومن أجل أن لا تتحوّل العدالة الانتقاليّة إلى عدالة انتقاميّة، وبلوغ المصالحة الوطنيّة، ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أهم المُتطلّبات السياسية التي تحتاجها مرحلة الانتقال، ومنها:

1ـ إعتماد خطاب سياسي عقلاني من جانب القوى السياسية الفاعلة في العمليّة السياسية، ومن الحكومة لإعادة وتعميق روح الثقة وطمأنة جميع الأطراف السياسية.

2- تمسّك جميع الأطراف السياسية بالمصلحة الوطنيّة، والابتعاد عن الأهواء الشخصيّة وعدم السماح للقوى الخارجيّة بالتدخّل لدعم طرف على حساب طرف آخر.

3- عقد مؤتمرات لمختلف شرائح المجتمع، منها: مؤتمرات لمؤسسات المجتمع المدني، ومؤتمرات لعلماء الدين لدعم عمليّة المصالحة وإصدار التوجيهات الداعمة لها، ومؤتمرات لرؤساء العشائر يصدر عنها ميثاق شرف لمواجهة حالة التناحر ودحر الإرهاب والمُفسدين، ومؤتمرات للقوى السياسية الفاعلة في الساحة العراقية تتعهد بدعم الدولة وحماية العمليّة السياسيّة ومواجهة التحدّي الإرهابي والفساد، وإعلان ميثاق وطني بذلك يكون مُلزم لجميع قوى العمليّة السياسية.

4- اعتماد الحوار الوطني الصادق في التعامل مع كل الرؤى والمواقف السياسية المُخالفة لرؤى ومواقف الحكومة والقوى السياسية المُشاركة في العمليّة السياسيّة.

الخاتمة

بعد إن أنتهينا من موضوع بحثنا الموسوم (آليّات العدالة الانتقاليّة ودورها في بناء الدولة العراقية)، فقد توصلنا إلى مجموعة استنتاجات وتوصيات، سنستعرضها في الآتي:

أولاً: الاستنتاجات

1ـ تهدف العدالة الانتقاليّة إلى تحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعي لبناء دولة راسخة أركانها، وإن هذا الهدف لا يتحقّق إلا من خلال مناخ يسمح بترسيخ مبادئ سيادة القانون والإلتزام بها، بعدّها أحد الدعامات الأساسيّة فب بنيان مرحلة الانتقال من الصراع إلى الاستقرار ومن الاستبداد إلى الديمقراطيّة. ولذلك يمكن القول بأنَّ العدالة الانتقاليّة وسيادة القانون وجهان لعملة واحدة.

2- لم تنجح الهيئة العليا للمصالحة الوطنيّة والحوار الوطني، إلا في تحقيق جزء يسير من أهدافها الاستراتيجية، بسبب اعتماد العمليّة السياسية على الديمقراطيّة التوافقيّة والاصطفافات السياسيّة التي تحاول تحقيق مصالح فئويّة ضيّقة بعيداً عن المصلحة العليا لبناء الدولة. الأمر الذي إنعكس سلباً علىعدم وضع الأسس الصحيحة لمسار المصالحة الوطنيّة والحوار الوطني الفعّال كأحد الأركان الأساسيّة في مرحلة العدالة الانتقاليّة.

3- أبتعدت آليّات العدالة الانتقاليّة التي طُبّقت في العراق بُغية الانتقال الديمقراطي، عن مجال الحقيقة وحفظ الذاكرة، إذ غاب عن التجربة العراقيّة وجود هيئة لكشف الحقيقة، حقيقة الانتهاكات التي استمرّت لأكثر من (30) سنة مارس النظام خلالها مختلف الانتهاكات وراح ضحيّتها ألاف الأشخاص لا يزال الغالبيّة منهم مجهولين المصير، ولا زالت المعلومات حول بعض الوقائع المهمّة ناقصة أو معدومة.

4- بالرغم من أنّ تطبيق آليّات العدالة الانتقاليّة في مجتمع معيّن، يستلزم عادة مُراعاة بعض الخصوصيّات الوطنيّة والثقافيّة والقيم السائدة، لأن ما يصلُح للتطبيق في دولة ما قد لا يصلُح للتطبيق في دولة أخرى. إلا إنه يمكن الإستفادة من التجارب الدوليّة للعدالة الانتقاليّة لاسيّما التجارب الأقرب للعراق، كجنوب أفريقيا، والإستعانة بخبراء في هذا المجال من تلك البلاد التي تشترك مع العراق بأرث الحكم الدكتاتوري، من أجل تفادي الأخطاء التي من الممكن أن تقع أثناء التطبيق.

5- يتطلّب تطبيق العدالة الانتقاليّة مجتمع واعي وذو تفكير عقلاني، مؤمن بمبادئ الديمقراطيّة ومُتفهم لمرحلة الانتقال من أجل المُضي قُدماً في تحقيق أهدافها وبرامجها وصولاً إلى نتائج تنعكس إيجاباً على بناء دولة قوية مستقبلاً.

ثانياً: التوصيات

1- بما إنّ النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 قد تبنّى الديمقراطيّة التوافقيّة بحيث لا يمكن للقرارات السياديّة أن تُتخذ فيه من دون وجود تفاهمات سياسية، لذا من المهم وجود اتفاقات بين الكتل السياسية على ضرورة توظيف ملف العدالة الانتقالية بإتجاه تحقيق المصلحة الوطنيّة وبناء الدولة العراقيّة.

2ـ- رغم النجاح النسبي الذي حققته مؤسسات جبر الضرر في تعويض الفئات المشمولة، لكن كان من الأفضل أن يتم التعويض على أساس الضرر حيث إن قصر التعويض على هذه الفئة، ربما هو أمر فيه غُبن لبقيّة فئات الشعب، حيث أن الضرر شمل طيف واسع من الشعب العراقي، فضلاً عن تحديد موعد معيّن يجب معه إنهاء عمل تلك المؤسسات، لأن إستمرار وجودها يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ المساواة خصوصاً وإن الهدف من وجودها هو التعويض وليس التمييز.

3- إعطاء المؤسسات التربويّة والتعليمية، كالمدارس والجامعات، دوراً مهماً في زرع ونشر ثقافة العدالة الانتقالية من خلال المناهج أو عن طريق إقامة الورش والندوات والمؤتمرات التي تعزّز هذه الثقافة ودورها الإيجابي في بناء عقليّة معتدلة بعيدة عن الكراهية والأنتقام وصولاً إلى ترسيخ أُسس سليمة لبناء الدولة.

قائمة المصادر

أوّلاً: الكتب

1ـ سعد فتح الله، العدالة الانتقاليّة في العراق، في: مجموعة باحثين، العدالة الانتقاليّة في السياقات العربيّة، تقديم: علاء شبلي، المنظمة العربيّة لحقوق الأنسان، القاهرة، ط1، 2014.

ثانياً: البحوث والدراسات

1ـ  أسعد طارش عبد الرضا وهند مالك حسن، العدالة الإنتقالية دراسة في المفهوم والآليّات، مجلة العلوم السياسية، العدد (59)، (جامعة بغداد: كلية العلوم السياسية،2020).

2- عبدلله محمد الهواري، محدّدات العدالة الانتقالية في القانون الدولي، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، العدد الثاني، مجلد الرابع، (القاهرة: كلية الحقوق، 2017).

3- محمد عادل محمد، المعايير الدولية للعدالة الانتقالية وآليّات تطبيقها، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، العدد الثاني، مجلد الثاني، (القاهرة: كلية الحقوق، 2016).

ثالثاً: القوانين

قانون المحكمة الجنائيّة العراقيّة العليا، رقم (10) لسنة 2005.

قانون الهيئة الوطنيّة العليا للمسائلة والعدالة، رقم (10) لسنة 2008.

قانون هيئة دعاوى الملكيّة رقم (13) لسنة 2010.

قانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006.

قانون مؤسسة الشهداء المُعدّل رقم (2) لسنة 2020

قانون المفوضيّة العليا المُستقلّة للانتخابات المُعدّل رقم (11) لسنة 2007.

قانون المُفوضيّة العُليا لحقوق الأنسان رقم (53) لسنة 2008.

رابعاً: التقارير والوثائق

1ـ  موجز تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن (سيادة القانون والعدالة الأنتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات مابعد الصراع)، مجلس الأمن، التقرير المرقم 616/2004/S.

2- وثيقة الأمم المتحدة بعنوان (المستقبل الذي نريده). على الموقع الآتي: www.un.org ̸ futuerwemant

3- مفوضيّة الأمم المتحدة لحقوق الانسان، القرار رقم 2005/66، الحق في معرفة الحقيقة،20/4/2005.

4- أمر سلطة الأئتلاف المؤقّتة القرار رقم (1)، في 16 نيسان 2003.

5- أمر سلطة الأئتلاف المؤقّتة رقم (2) لسنة 2003.

خامساً: المقالات

1ـ أكرم الحكيم، مشروع المصالحة الوطنيّة، مؤسسة الحوار الإنساني، بتاريخ 31/8/2016. على الموقع الآتي: https://hdf-iq.org

2- عبد الحسين شعبان، مقال بعنوان: العدالة الإنتقالية وذاكرة الضحايا، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية. على الموقع الآتي: www.dctcrs.org

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *